|
كلمة العدد
335
تحظى الانتخابات البرلمانية القادمة
بأهمية استثنائية نظرا لما تلعبه من دور
في تشكيل ملامح الدولة العراقية القادمة،
وتحديد طبيعة وشكل النظام الذي سيتبناه
العراق الجديد الخارج من أتون الحروب
والدكتاتورية والعسف.
وما أعقب ذلك من احتلال وإرهاب وفساد.
ولعلنا شهود حقيقة أن العلاقات السائدة في
البلاد والتجاذبات بين القوى السياسية
تدور كلها اليوم، بل حتى منذ شهور، في فلك
الحملة الانتخابية والسعي للتأثير في
مساراتها.
قبل أسابيع قليلة انتهت مرحلة من السجال
السياسي حول القانون الذي ينظم الانتخابات
البرلمانية القادمة، التي تحدد موعدها في
7/3/2010. وكان السجال حول هذا القانون
صاخبا ومثيرا كما هو القانون المذكور ذاته
وفي نسخه العديدة، بما في ذلك نسخته الأخيرة
التي صادق عليها البرلمان، بعد مخاض عسير
حيث ولدت في الربع ساعة الأخير.
لن ندخل في تفاصيل تلك المناقشات فقد
شاهدنا " أبطالها " على شاشات التلفاز وما
رافق ذلك كله من حالات استعصاء سياسي ممهور
بدماء ضحايا " الأيام الدامية " وكأن العراق
الجديد الخارج من قيامات الدكتاتورية جُبل
على ولادة عسيرة. الذي يهمنا هنا هو القانون
ذاته الذي توصلت إليه القوى المتنفذة، عبر
مساومات متقابلة وراء الكواليس، وصممته
وهندسته على مقاساتها التي تضمن لها السلطة
والهيمنة والنفوذ. لقد اختلف ممثلو تلك
القوى على التفاصيل البسيطة ولكنهم كانوا
كتلة صوانية كالصخر، موحدين بشأن جوهر
الصيغة التي أرادوها وعملوا على تمريرها
بهدف قطع الطريق أمام أية تعديلات تعطي
للقانون طابعا ديمقراطيا يضمن
مصالح جميع المكونات والقوى الاجتماعية
الراغبة في بناء عراق حر ومستقل وذي سيادة.
فقد تم حرف تلك النقاشات عن وجهتها الأساسية
لكي يمكن التغطية على بعض القضايا، وتمرير
تلك التي تضمن مصالح القوى المتنفذة في
البرلمان الحالي. وما جرى التوافق عليه بين
الكتل الكبيرة، في أبرز صياغاته، هو من اجل
حرمان العديد من القوى والمكونات الصغيرة من
أية فرصة للصعود الى البرلمان من جهة،
وتكبير حصة القوى الأخرى للحصول على
الأغلبية. ويمكن القول أن القوى المتنفذة
توحدت في مواقفها بشأن تضمين هذا القانون
صياغات أضعفت محتواه الديمقراطي وجعلت منه
خطوة تراجعية بدل أن يكون دافعا للتطور
الديمقراطي وبناء دولة ديمقراطية عصرية
كبديل لنظام المحاصصات.
هكذا وبعد أن ذاقت القوى المتنفذة طعم
سرقة الأصوات، عملت المستحيل من اجل تعديل
القانون ليبقى منسجما مع قانون انتخابات
مجالس المحافظات سيء الصيت الذي أتاح لهذه
القوى الاستحواذ على مئات الآلاف من الأصوات
من دون وجه حق. ويدرك المتابع لتطور الأحداث
أن هذا يقيد الديمقراطية ويضيق عليها وعلى
التنوع والتعددية لصالح احتكار القرار
السياسي والاقتصادي – الاجتماعي من طرف
القوى المتنفذة.
الآن، وبعد أن صادق البرلمان على قانون
الانتخابات لم يعد هناك متسع للسجال فالصيغة
أصبحت ملزمة للجميع، لمن رفضها ولمن قبلها.
نحن إذاً أمام محطة جديدة مهمة، فالكل ينتظر
الانتخابات ويسعى للحصول على موقع أفضل
فيها. ورغم كل التحفظات التي قيلت بشأن
قانون الانتخابات بكونه غير ديمقراطي في بعض
بنوده ومجحف في البعض الآخر إلا أن العديد
من الأحزاب والقوى والشخصيات الديمقراطية،
وبعد مشاورات مستفيضة قررت قبول التحدي
وأعلنت أنها ستشارك في الانتخابات القادمة
ضمن ائتلاف " اتحاد الشعب " انطلاقا من شعور
أطرافها بالمسؤولية عن مصائر شعبنا وبلدنا
والقوى الديمقراطية.
وقد تبلور هذا الشعور في البرنامج الانتخابي
لقائمة (اتحاد الشعب) الذي يعبر عن طموحات
وتطلعات غالبية أبناء وبنات شعبنا، وهو في
واقع الأمر تعبير مكثف عما توصلت له القوى
المؤتلفة في قائمة (اتحاد الشعب) من أهداف
ومهمات واليات سواء الوطنية منها والمتعلقة
بإنهاء الاحتلال الأجنبي واستعادة السيادة
والاستقلال الناجزين، أو السياسية المتعلقة
بإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، أو
الاقتصادية المتعلقة بإعادة الدورة
الاقتصادية على أساس إستراتيجية تنموية
واضحة تؤمن الحياة الحرة الكريمة لأبناء
شعبنا وتبعدهم عن النتائج الكارثية
للرأسمالية المتوحشة، أو الثقافية المتعلقة
بوضع إستراتيجية للتنمية والنهضة في الميدان
الثقافي بهدف أحداث نقلة نوعية في قطاع
الثقافة الذي ظل يرزح تحت وطأة التجاهل
والإهمال من طرف الحكومات المتعاقبة في
السنين الأخيرة.
الحديث إذاً عن الانتخابات ليس حديثا عن
تحقيق مكاسب عابرة بل أنها – أي الانتخابات
- تمثل لحظة مصيرية في حياة البلاد وصراعا
بين مشاريع مختلفة وإرادات متباينة. ولهذا
فان المطلوب من القوى الديمقراطية التي قبلت
هذا التحدي أن تعبئ طاقاتها، وتدرس تجاربها
خلال الفترة الماضية وتستفيد من دروسها:
نجاحاتها وإخفاقاتها وصعوباتها.
إن " الثقافة الجديدة " التي ربطت نفسها
منذ تأسيسها عام
1953
بالمشروع الوطني الديمقراطي العابر للطوائف
والمذاهب والهويات الفرعية تراهن على
البرنامج الذي طرحته قائمة (اتحاد الشعب)،
وتثق بقدرة قوى القائمة على خوض حملة
انتخابية شفافة ونزيهة ونظيفة ونتمنى لها،
وهي التي قبلت هذا التحدي، تحقيق نتائج تليق
بمن راهنوا على خيار العمل معا ضمن (اتحاد
الشعب) وهم يعرفون جيدا حجم الصعوبات ولكنهم
مدركون لطبيعة مهمتهم والمشروع الذين يسعون
إلى تحقيقه. |