النظرية السياسية
للتيارات الشيعية
الراديكالية
في القرن العشرين*
فالح عبد
الجبار
تقوم
النظرية السياسية
في الإسلام، عموماً،
على مبدأ الخلافة
أو مبدأ الإمامة.
ويستند هذان المبدآن
على أساس إعطاء
حق الحكم أو تولي
الأمر، كما يقال،
إلى قرشي، أو إلى
مجموعة محددة من
قريش (آل البيت)،
أو، إذا كان ثمة
اتفاق ورضى، إلى
شخص من خارج قريش.
لن ندخل في تفاصيل
المعمار الفقهي
لهذه الاتجاهات،
ونشأتها، أو تعارضها،
حسبنا الإقرار
بوجودها. بقيت
فكرة الإمامة أو
الخلافة، منذ تشكلها
(فهي لم تظهر جاهزة
قط) قائمة تحكم
وجهة نظر فقهاء
المسلمين، حتى
القرن التاسع عشر،
دون منازع.
وتعكس
فكرة الخلافة أو
الإمامة، في إطار
التاريخ، كفكرة
معيارية، تصادماً
أو توتراً في أحشاء
مجتمع يخرج من
أنماط سلطة (authority) قبلية،
تقليدية، إلى أنماط
أو أشكال سلطة
فوق قبلية، أي
سلطة سياسية (power).
وبمعنى
من المعاني، فإن
الاحتدام ينشأ
من الانتقال بين
هذين النمطين،
النمط القبلي والنمط
ما فوق القبلي.
وتصارع شتى المكونات
على المطالبة بحق
السيادة، أو رفض
الخضوع لمراكز
سيادة خارجية.
والمعروف، أنه
حيثما نشأ وضع
مخالف لمبدأ الخلافة
أو الإمامة، كفكرة
معيارية (كحق قائم
في قريش بعامة
أو في آل البيت
بخاصة، أو، حسب
الخوارج، في عبد
أو أعجمي) فإن الفقهاء
كانوا يتعاملون
معه، أي يقبلون
بالأمر الواقع.
وهذا ما نجده لدى
الماوردي الذي
قبل بازدواجية
السلطة بين خليفة
حامل للرمز الديني،
وصاحب السيف حامل
سلطة العنف المتسيّد،
ووفق بين القطبين
عبر نظريته القائمة
على التفويض، التي
تحافظ على الازدواجية
وتسبغ عليها شرعية
فقهية. وكذا الحال
مع الكركي، مبتدع
فكرة تعيين الحاكم
(الشاه الصفوي
اسماعيل) نائباً
للإمام الغائب.
استمرت
هذه الازدواجية
في عهد البويهيين،
والسلاجقة، كما
أعاد العثمانيون
إنتاج فكرة التفويض،
بزعمهم أن آخر
خلفاء بني العباس
(في القاهرة) تنازل
لهم عن الخلافة.
كما نشأت ازدواجية
مماثلة في العهد
الصفوي.
بتعبير
آخر إن مبدأ النسب
القرشي أو الهاشمي
كعنصر أساسي من
عناصر فكرة الخلافة
أو الإمامة (علاوة
على العناصر الأخرى
مثل البيعة، أو
التعيين والوصية،
والبلوغ، والرشد،
الخ) تعرض للخرق،
وإن الفقهاء كيّفوا
نظرتهم وتكيفوا
مع الواقع الجديد.
ولابد من التذكير
أن هذا التكييف
لم يمر بدون اعتراضات
ونقد، سواء في
حالة الماوردي،
أم الكركي، وسواهما.
وما
يهمنا في ذلك أن
التكييف لم يلغ
نظرية الخلافة
أو الإمامة، رغم
التعديلات العملية
على التطبيق، قبولاً
بالأمر الواقع.
وما يهمنا أيضاً
أن نظرية الخلافة
أو الإمامة بقيت
قائمة في إطارها
النظري، دون كبير
مساس، حتى القرن
التاسع عشر. وما
يهمنا في هذا أيضاً
أن التغيرات الكبرى
تفرض على الفقه
أن يقدم إجابات
جديدة على هذه
التحديات.
بدايات
الإصلاح
موضوع
حديثي الأساسي،
بعد هذا التقديم،
يبدأ من أواخر
القرن التاسع عشر،
وينتهي أواخر القرن
العشرين. في هذا
القرن سأتناول
النظرية السياسية
في شتى المدارس
الفكرية الشيعية،
مقارنة، على سبيل
الإيضاح، مع المدارس
السنّية.
إن حركة
التطور هذه، التي
تغطي قرناً كاملاً،
بدأت بنزعات دستورية
عقلانية في أواخر
القرن التاسع عشر
وبداية القرن العشرين،
لتتحول إلى نزعات
سلطوية أو تسلطية،
(authoritarian) أواسطه. ثم
بدأت رحلة عودة
تدريجية، نحو فكرة
الدستورية والبرلمانية
أواخر القرن العشرين.
لماذا نختار أواخر
القرن التاسع عشر،
نقطة انطلاق؟ لأن
هذه الفترة أو
هذا القرن هو قرن
الاتصال الشديد
والاحتكاك الشديد،
الحضاري، بين العالم
الإسلامي والغرب.
كان العالم الإسلامي
يتألف من أربع
وحدات أساسية هي
الإمبراطورية
العثمانية، مصر
محمد علي، إيران
القاجارية، والهند
المغولية. الاحتكاك
بين الدوائر الإسلامية
الأربع وبين الغرب
كان تجارياً وثقافياً
وعسكرياً، في الآن
ذاته، علماً أن
الطابع العسكري
غلب على هذا الاحتكاك،
فالتجارة نفسها
كانت تتحقق، أحياناً
عبر البوارج.
في مجرى
ذلك الاحتكاك شعرت
الدوائر الإسلامية
أنها ضعيفة إزاء
الغرب. وهناك أدب
غزير عثماني وقاجاري
(لا تتوفر سوى خلاصاته
للأسف لانعدام
الترجمة)* يعكس حالة
من الانبهار الشديد
بالغرب، والإحساس
الكبير بضعف الذات،
ومسعى إلى تطوير
البنى السياسية
والاجتماعية في
الدوائر الإسلامية
المذكورة، وبخاصة
في الدائرة العثمانية
والدائرة القاجارية،
والدائرة المصرية.
والملاحظ أن أغلب
التقارير والكتب
والرسائل التي
وضعت آنذاك، جاءت
على يد موظفي الدولة،
أي النخب السياسية
من سفراء ووزراء،
ممن يهمهم، قبل
كل شيء، بقاء واستمرار
الدولة، وتعزيز
قوتها ومنعتها.
تركزت
أفكار هؤلاء على
وجوب إصلاح الدولة،
قبل أن يكتسحها
الطوفان. بتعبير
آخر إن حركة إصلاح
الدولة التقليدية
لأجل تحديثها انطلقت
من داخل الدولة
التقليدية نفسها،
بفعل ضعفها، وانكشافها،
إن جاز القول،
أمام الغرب. ونجد
أن معظم هذه التقارير
والكتابات، بما
في ذلك إسهامات
مدحت باشا (الذي
حكم والياً في
بغداد لفترة) يعلل
قوة الغرب في عدة
عوامل بينها:
أولاً:
وجود جيش دائم.
(لاحظ أن إيجاد
جيش دائم كان أول
أولويات محمد علي
في مصر، وأول محاولات
السلطان محمود
الثاني لإحلال
جيش دائم محل الانكشارية).
ثانياً:
وجود نظام ملكي
مقيَّد بدستور
وقوانين مثبتة
(عوضاً عن الفوضى
القانونية لتعدد
المذاهب وتعدد
الاجتهادات).
ثالثاً:
اعتماد العلم والتكنولوجيا
في الصناعات.
رابعاً:
الإصلاح الديني،
فكرة أن الدين
قوة محركة للمجتمع،
يؤثر بما فيه من
جمود أو حراك.
خامساً:
فكرة القومية،
أي قيام الدولة
على أساس العامل
القومي الموحد.
تطورت
فكرة الإصلاح من
خلال الاحتكاك
بالغرب، وانتقلت
إلى العالم الإسلامي
عبر النخب السياسية،
رجالات الدولة،
في إيران القاجارية،
وتركيا العثمانية،
وقادت بالتدريج
إلى نشوء حركات
سياسية – اجتماعية
مهّدت (بالتضافر
مع عوامل أخرى
بالطبع)، إلى الثورة
الدستورية، (المشروطة)
في إيران 1906، وثورة
الاتحاد والترقي
في تركيا 1908.
في هذا
المناخ تفاعل الفكر
الديني مع التيارات
والتطورات الجديدة
فأنتج، لأول مرة
في التاريخ المعاصر،
ثورة ثقافية دينية
وفقهية عميقة الغور،
سأتناول بعض تفاصيلها
في الجانب الشيعي،
مع إشارات إلى
نظيرها السنّي.
الحكم،
التشريع، التفويض
(نموذج
إيران القاجارية)
طرحت
حركة الإصلاح في
إيران القاجارية
مشروع تغيير البنية
السياسية للنظام،
من ملكية مطلقة
تحكم بالفرمان،
إلى نظام ملكي
مقيد بالدستور،
وخاضع لمحاسبة
الأمة عبر البرلمان
(المجلس الملي).
والمعروف أن حركة
الإصلاح ضمت قوى
اجتماعية عديدة،
من النخب السياسية
والبيروقراطية،
إلى تجار المدن
(البازار) والأصناف
الحرفية، وقطاعات
من الفقهاء.
القصر،
أو السلطان القاجاري
قاوم هذه الحركة،
وهذه الفكرة، شأنه
شأن سلاطين آل
عثمان (وبالتحديد
السلطان عبد الحميد
الثاني). واستنجد
البلاط، هنا، كما
هناك، برجالات
الدين، وبالتحديد
قطاع الفقهاء القريب،
الذي يعارض أي
مساس بالبنى التقليدية.
وهكذا
تم زج الدين في
هذه المعركة، شاء
الفقهاء أم أبوا.
فالمجتمع السياسي
والمجتمع المدني
انقسما انقساماً
حاداً، قاطعاً،
بين داعية النظام
الدستوري (المشروطة)،
وداعية النظام
القديم (المستبدة).
تبلور
في ثورة المشروطة
تياران فقهيان
متمايزان، التيار
الأول هو تيار
المشروطة، الذي
يمثله خير تمثيل
الشيخ محمد حسين
النائيني، مؤلف
أطروحة "تنبيه
الأمة وتنزيه الملة"،
أما التيار الثاني،
فهو تيار المستبدة،
الذي يمثله الشيخ
محمد فضل الله
نوري. كيف فكّر
هذان الفقيهان
في المسألة؟
لقد
تناولنا الظروف
العامة التي سبقت
حركة المشروطة،
ويتعين الآن أن
نتناول الإبداع
الفقهي في التعامل
مع المستجدات،
ونقول "إبداع"
بمعنى الابتكار
والتأويل الجديد.
اعتمد
الاثنان (النائيني
ونوري) على تأويل
جديد لعلم الكلام
الشيعي في مواضيع
الإمامة، عصمة
الإمام، ضرورة
العدل الإلهي،
بطلان شرعية الحاكم
الدنيوي في عهد
الغيبة، وما إلى
ذلك.
زُجّت
هذه الأفكار في
المعركة السياسية
بتأويل جديد. هذه
هي السمة الأولى.
أما
السمة الثانية
فهي أن كلا الطرفين
استخدم معايير
أصول الفقه، وبالذات
مصادر التشريع
سواء بالاعتراف
بوجود مناطق فراغ
في الحياة يتوجب
على المشرّعين
ملؤها، خدمة للمصلحة،
أم نفي حق التشريع
على البشر.
أما
السمة الثالثة
فهي استخدام فقه
المعاملات (يحصل
هذا لأول مرة،
بعد التماس علم
الأصول وفقه العبادات)
وبالذات اعتماد
فكرة التوكيل
(الجارية في البيوع)،
كأساس لانتخاب
النواب في مجلس
الأمة. نعني اعتبار
الانتخاب نوعاً
من التوكيل. سنرى
الآن كيف استخدم
الطرفان (النائيني
ونوري) هذه المصادر
الثلاثة (علم الكلام،
علم الأصول، وفقه
المعاملات) في
معركة المشروطة
والمستبدة.
ينطلق
النائيني، في دفاعه
عن المشروطة (الدستورية)،
من علم الكلام،
وبالذات الفكرة
القائلة بأن أي
شكل للحكم غير
شرعي في ظل الإمام
الغائب، وهي فكرة
أساسية في الفقه
الشيعي الكلاسيكي،
المستمدة أصلاً
من فكرة العدل
الإلهي. فهذا العدل
يفترض، في المقايسات
الكلامية، أن يختار
الخالق للمجتمع
البشري حكماً خالياً
من الزلل، وافتراض
الحاكم الخالي
من الزلل، أي المعصوم
عنه، يفترض بدوره
أن يختاره الله،
لا البشر (مبدأ
النص والوصية).
وترتبط فكرة العدل
الإلهي، ارتباطاً
مركباً، بوجوب
الاختيار الإلهي
للإمام، وعصمته،
واستحالة تحقق
العدل في غيابه،
وبالتالي لاشرعية
أي حكم زمني في
ظل هذه الغيبة.
ينطلق
النائيني من هذه
الموضوعات لا يحيد
عنها. وتكمن براعته
في الاستخلاصات
المركبة. فهناك
أولاً لاشرعية
الحاكم الزمني،
التي تؤلف أساساً
لرفض حكم الشاه
القاجاري، أو لأي
حكم دنيوي. وهناك
ثانياً حكم المفاضلة
بين نمط وآخر من
أشكال السلطة السياسية.
فما دامت كلها
أنماط زمنية (بشرية)
ومادامت كلها بالنتيجة
متساوية في لاشرعيتها،
فإن من مصلحة المجتمع
أن يختار الأنسب
منها. بتعبير آخر
إن النظام الدستوري،
وإن يكن مساوياً
للنظام المستبد
في لاشرعيته من
وجهة علم الكلام،
فإنه أنسب أو أقل
شراً من المشكل
الاستبدادي، من
وجهة مصلحة الجماعة.
وهذه فكرة عقلانية
صرفة.
إن مكمن
الإبداع في هذه
الفكرة العميقة
العقلانية أنها
تنطلق من علم الكلام
الكلاسيكي، لتلج
وقائع العصر الحديث
من دون أي اطلاع
على أية نظرية
سياسية حديثة،
بل اعتماداً على
منطق القياس ومنطق
المصالح الواقعية.
وهذه نقطة إعجاز.
علاوة
على المفاضلة بين
الشكلين الدستوري
والمستبد للحكم
الملكي، يرى النائيني
وجوب أن تتولى
الأمة سد مناطق
الفراغ في التشريع،
وهو مبدأ هام من
مبادئ الفقه الأصولي.
ويضيف
النائيني إلى هذا
المعمار فكرة أخرى
(خاصة به وحده ولا
ينازعه في إبداعها
أحد) مستمدة من
فقه المعاملات،
هي فكرة التوكيل،
كأساس للعلاقة
بين الناخب (الموكِّل)
والنائب (الموكَّل)
لكي يتولى الثاني
تسيير الأمور نيابة
عن الأول.
هذا
المعمار الفكري
شكل ثورة ثقافية
حقيقية وقتذاك
(1906)، وهو مايزال ثورة
ثقافية حتى يومنا
هذا. ولعله لهذا
السبب بالذات يتوجب
أن يكون كتاب النائيني،
"تنبيه الأمة وتنزيه
الملة" في كل بيت،
رغم أننا نعرف
أن صاحبه اضطر
إلى سحبه من الأسواق
خوفاً من غضب العامة
وأصحاب النقل،
المغرقين في السبات.
دعونا
نعاين بالمقابل
تأويلات الشيخ
فضل الله نوري،
انطلاقاً من علم
الكلام نفسه ومن
الفقه ذاته.
يقوم
فضل الله نوري،
ولربما لأول مرة،
بالخروج على التقاليد
الفكرية الشيعية
من ناحية الموقف
من السلطة الزمنية.
يقول إن هناك نوعين
من السلطة: النوع
الأول سلطة الإمام،
والنوع الثاني
سلطة السلطان.
نحن
نعرف أن سلطة الإمام
تمثل الحق المطلق
للحكم، أي سلطة
الحكم وسلطة التشريع
والتنفيذ، إن أردنا
التفصيل. لكن فضل
الله نوري لا يقيم
التمايز بين سلطة
الإمام وسلطة السلطان
على أساس التمايز
الفقهي المعروف
بكون الأولى هي
السلطة الشرعية
نصاً، وأن الثانية
هي سلطة زمنية
عابرة، لاشرعية
نصاً.
لا يذكر
نوري هذا التمايز،
ويضع بدلاً عنه
تمايزاً وظيفياً،
فيقول إن سلطة
الإمام هي سلطة
التشريع، وسلطة
السلطان هي سلطة
التنفيذ. وتكاد
هذه الثنائية أن
تكرر ما جاء به
الماوردي من ازدواجية
(بين الخليفة وصاحب
السيف).
قلنا
من قبل إن ازدواجية
السلطة الروحية،
الشرعية، مع السلطة
الدنيوية، لم تطرح
نفسها أمام الفقه
الإثنى عشري إلا
بعد إنشاء السلطة
الصفوية، ومجيء
عدد من فقهاء جبل
عامل للعمل في
البلاط الصفوي،
بزعامة الشيخ الكركي.
ولم تعط لهذه الازدواجية
بين حاكم دنيوي
قائم، وإمام شرعي
غائب، أية تخريجات
فقهية. واكتفى
الكركي، بتعيين
الشاه "نائباً
للإمام"، وإجازة
جمع الخراج. وقد
تعرض الكركي لسيل
من النقد من فقهاء
كبار من مدرسته
(كالقطيفي مثلاً).
وإذ يعيد فضل الله
نوري إنتاج ثنوية
سلطة الإمام وسلطة
السلطان، فإنه
يمنح الثانية شرعية
البقاء باسم التنفيذ،
أي لكونها أداة
لوضع التشريع موضع
التطبيق، لا مصدراً
لهذا التشريع.
إن
الفصل بين سلطة
الإمام وسلطة السلطان،
كما فعل نوري،
يفتح الباب إلى
قوله بأن كلاهما
واجب (وهنا بيت
القصيد). وترى كثرة
من المؤرخين أن
هذا الموقف مخالف
لجوهر فكرة الإمامة.
ثانياً،
عارض نوري فكرة
التوكيل التي جاء
بها النائيني،
قائلاً إن التوكيل
يقتصر فقهياً على
العقود، الشراء
والبيوع وعقود
النكاح وما شاكل.
ثالثاً،
سدد نوري هجومه
على فكرة أخرى
أساسية من الفقه
الأصولي، فرفض
تسويغ وظيفة البرلمان
على أساس الحق
في الاجتهاد لملء
مناطق الفراغ في
التشريع، باعتبار
أن التشريع لله
وحده، ولا يجوز
لبشر أن يشرّع.
وهي فكرة يعيد
الكثير من المحافظين
من كل التيارات
الإسلامية المعاصرة
(على اختلاف المذاهب)
تكرارها بوجه دعاة
القانون الوضعي،
أو دعاة تجديد
القانون بما يناسب
التطورات المعاصرة.
رابعاً
وأخيراً، يثير
فضل الله نوري،
ولأول مرة في التاريخ
الإسلامي المعاصر
(على ما أعتقد وأظن)
اعتراضه على إقامة
مجلس للنواب يتولى
مهام التشريع للأمة
ومراقبة الحاكم،
لأنه يضم أناساً
غير مسلمين. بتعبير
آخر، يعارض فضل
الله نوري إلغاء
فكرة أهل الذمة،
ويدعو إلى الحفاظ
على تقسيم الجماعة
إلى مسلمين، وإلى
أهل ذمة (من كل أصحاب
الديانات الأخرى).
وهي فكرة تطرحها
بعض الجماعات الإسلامية
ضمناً أو صراحة،
حتى يومنا هذا،
من باب نبذ مبدأ
المواطن الفرد
المجرد من أية
منزلة دينية أو
قبلية أو اجتماعية،
والإبقاء على نظام
الملل القديم.
هذا
التصادم الفكري
الذي دار بين الشيخ
النائيني، والشيخ
فضل الله نوري،
كان مظهراً من
مظاهر أكبر المعارك
الكبرى التي دارت
داخل الفقه الإسلامي
بعامة، والفقه
الاثني عشري بخاصة.
ويندر أن نجد مثيلاً
له في أية مدرسة
فقهية في القرن
العشرين.
وكما
نعلم أن الحركة
الدستورية انتصرت
في إيران آخر المطاف
(وأُعدم فضل الله
نوري لاحقاً) وأسفرت
الحركة عن وضع
دستور للأمة يقيد
الحاكم، وإقامة
مجلس يمثل الأمة،
وهو مجلس أُعطي،
بالإجماع، صفة
مجلس للأمة (ملّي)
لا مجلس إسلامي
(كما أراد الشاه).
بقيت
مشكلة التشريع
البرلماني وعلاقته
بالشريعة الإسلامية.
ابتكرت التجربة
الإيرانية الحل
التالي: أقر البرلمان
أن يختار الفقهاء
من بينهم (20) فقيهاً
إلى المجلس المنتخب
من الشعب، لكي
يختار منهم (5) فقهاء،
يدخلون المجلس،
بصفة مستشارين،
ينصحون المجلس
حول مدى انسجام
القوانين التي
يسنّها البرلمان
مع الشريعة الإسلامية.
بهذا
الترتيب فصلت مهام
التشريع عن سلطة
الفقهاء، وأسندت
إلى الشعب، عبر
ممثليه. وهذا في
جوهره عملية علمنة
وتحديث بالغة الأهمية،
إن صح التعبير.
ولا تعني العلمنة
العداء للدين،
كما هو شائع بشكل
مبتذل، بل تعني
التمايز بين المجال
الديني والدنيوي،
وهو تمايز يتولى
رجال الدين، في
حالات غير قليلة،
وضعه وترسيخه.
من جديد
نرى هذه التحولات
بمثابة ثورة ثقافية
كبيرة في الأفكار
والقيم، مثلما
هي ثورة سياسية
في المؤسسات، وهي
ثمرة لثورة المشروطة
التي بدأت حركة
إصلاحية من داخل
الدولة، وتواصلت
حركة احتجاج اجتماعية
وسياسية على يد
طبقات التجار
(البازار) الصاعدة
حديثاً في المدن،
وأصحاب المهن والحرف،
الذين لعبوا دوراً
راديكالياً بحق.
بالمقابل،
لو قارنّا هذه
الثورة الدستورية
العقلانية، الكبيرة،
التي أسهم فيها
الفقه الاثني عشري،
والتي دشنها الفكر
الإسلامي – الفارسي
–
العربي*،
في القرن العشرين،
بالاتجاه الدستوري
الذي نشأ في حاضنة
المدرسة السنية،
لوجدنا بعض أوجه
اختلاف، وأوجه
شبه. اعتمد المصلحون
الإسلاميون، في
إطار الفقه السني،
مصدرين أساسيين،
المصدر الأول هو
الاتجاه العقلاني
المعتزلي، المعزز
بأفكار المدرسة
القدرية التي تعلي
من شأن حرية الاختيار
البشري. والمصدر
الثاني هو الفكر
الارتقائي (evolutionist) الأوربي.
يمثل مدرسة الإصلاح
مفكرون عمالقة
من طراز جمال الدين
الأفغاني، ومحمد
عبده، وعبد الرحمن
الكواكبي، وشاه
ولي الله (في الهند
البريطانية)، وخير
الدين حسيب (التونسي)،
وسواهم.
وهكذا
نرى أنه بينما
استند الفقه الشيعي
على مصادر داخلية،
أي إسلامية صرفة،
فإن الفقه السني
اعتمد مصادر إسلامية
وأوربية، للغاية
نفسها: دعم النزعة
الدستورية، نزع
قدسية الحاكم،
تحديث البنى السياسية
والاجتماعية. كان
الأفغاني ومحمد
عبده، رجلي فكر،
وإصلاح، وتحريك
سياسي، وتربية
في آن. وقد جاب الأول
شتى البلدان الإسلامية،
كما طاف أوربا
وبخاصة فرنسا وإنجلترا
وروسيا. واحتك
الاثنان بمفكري
أوربا عصر ذاك،
هربرت سبنسر، وأرنست
رينان وسواهما.
وكان الأفغاني،
علاوة على ذلك،
على اطلاع بيّن
على حركة الإصلاح
الديني الأوربي
وبخاصة كتابات
لوثر. ولم يكن يتردد
في أن يعتبر نفسه
لوثر المسلمين
(ويسميه لوثيروس).
لنأخذ
الفكر الإسلامي
الدستوري كما طرحه
الأفغاني وعبده
والكواكبي.
انطلق
الأفغاني من مقولة
أن الدين هو محرك
التاريخ والأمم،
أولاً، وأن الإسلام،
ثانياً، ينقسم
إلى اتجاهين جبري
واتجاه قدري. وأن
المدرسة الجبرية،
ثالثاً، هي التي
خلقت الجمود والتأخر
القائم في عالم
الشرق، وأن تجديد
الدين، رابعاً،
هو المفتاح للتقدم
بإزاء الغرب. ولكن
حركة تجديد باتجاه
ماذا؟ باتجاه تقوية
عالم الإسلام والمسلمين
بوجه الغرب الزاحف،
الغازي، الجبّار،
المتطور. كان الأفغاني،
إذن، يبحث عن مصادر
قوة. وكان يجد مصادر
القوة هذه في النظام
السياسي – الاجتماعي
الأوربي، الباهر
في نظره، ويرى
أن غياب تطور مثل
هذا النظام في
الشرق راجع إلى
سيطرة عقيدة الجبر.
من هنا ارتباط
الإصلاح الديني،
في رأيه، بالإصلاح
السياسي والاجتماعي،
ثم بالتقدم الحضاري
بعامة.
حاول
الأفغاني إعادة
إنتاج أسس هذا
النظام في إطار
المفاهيم الإسلامية،
أو بتعبير آخر
أسلمة النظام الأوربي
ومعماره الفكري.
وتعد محاولته واحدة
من إنجازات التحديث
الهامة، التي يرفضها
الإسلاميون الأصوليون
حتى يومنا هذا
باعتبارها جريرة
كبرى.
كيف
تحققت إعادة إنتاج
المفاهيم على يد
الأفغاني وعبده؟
أولاً،
بإعلاء شأن العقل
والعقلانية، وتصوير
الأنبياء بمثابة
عقول والنبوة بمثابة
العقل. وهذا تأويل
جديد يضع العقل
بمنزلة سامية تفوق
كل منزلة أخرى،
إن أردنا النظر
إلى المحاججة نظرة
منطقية مجردة.
ثانياً،
حاول الأفغاني
أن يعيد تأويل
كل المفاهيم الغربية
بمعادِلات إسلامية،
من الدستور إلى
البرلمان إلى الانتخابات،
إلى الديمقراطية.
فالنظام الديمقراطي
في عرفه هو "الشورى"،
والبرلمان هو
"أهل الحل والعقد"،
والانتخابات هي
"البيعة".
ثالثاً،
نزع الأفغاني،
وتيار الإصلاح
بعامة، أية صفة
دينية عن الحاكم،
مما يجرده من أية
قدسية مزعومة قد
يتلبسها. ونجد
إشارات كثيرة في
نصوص الأفغاني
وعبده إلى أن الحاكم
رجل زمني، سلطته
زمنية وللناس حق
اختياره (مبايعته)
وحق خلعه، ومحاسبته.
نحن
هنا إزاء ثورتين
فكريتين دستوريتين،
في الجناح الشيعي
وفي الجناح السني،
انطلقت كل واحدة
من منابع فكرية
مختلفة، ولكن في
شروط متقاربة.
كانت الثورة الفكرية
للأفغاني – عبده
سابقة للثورة الدستورية
التركية، أما الثورة
الفكرية للنائيني
ومدرسته فكانت
مرافقة للثورة
الدستورية الإيرانية،
ولاحقة لها أيضاً.
طور
جديد
تعلمون
أن القرن العشرين
دشن حقبة وقوع
العالم الإسلامي
برمته تقريباً،
ضحية الكولونيالية،
من المغرب العربي
الواقع فريسة فرنسا،
إلى المشرق الواقع
فريسة بريطانيا
وفرنسا، مثلما
دشن سقوط الإمبراطورية
العثمانية وأدى
نشوء الدول الحديثة
في ظل الكولونيالية
إلى فتح الباب
لإرساء أنماط شائهة
من المؤسسات السياسية
الدستورية في بعض
البلدان (العراق،
مصر، على سبيل
المثال). وأطلقت
الدولة الحديثة
الكولونيالية،
التي اعتمدت على
الطبقات التقليدية
القديمة للعهد
الزراعي، الباب
لنشوء وتطور الطبقات
الحديثة (الوسطى،
والعاملة)، واحتدام
الصراع بين الطبقات
القديمة والحديثة،
حول وجهة التطور
العامة، والعلاقة
بالغرب الكولونيالي،
واحتكار الطبقات
التقليدية لمقاليد
سلطة الثروة وسلطة
الدولة.
وعملت
الدولة الكولونيالية
(وبخاصة في العراق
وإيران وتركيا)
على إضعاف طبقة
رجال الدين، وإقصائها
عن مجال التأثير
على الحياة السياسية،
بتدابير مركبة
تضم فيما تضم مصادرة
أراضي الأوقاف،
والسيطرة على مصادر
التمويل الأخرى،
ونفي الفقهاء
(كما حصل عام 1924 في
العراق)، والتضييق
على مؤسسات التعليم
الديني.
وقد
أدى هذا إلى انكفاء
مؤقت، ونسبي، للحراك
الفكري – السياسي
للفقهاء خلال هذه
الفترة، بالقياس
إلى سعة دورهم
بل مركزيته في
الفترات السابقة.
وينطبق هذا بدرجة
أساسية على العراق
وإيران، بالطبع*.
وعليه
فإن اتجاهات العلمنة
والتحديث في إيران
محمد رضا شاه،
وعراق العهد الملكي،
فتحت الطريق إلى
فترة صمت وهدوء
الفقه، وركونه
لدعة الحياة اليومية.
وهي أيضاً فترة
صعود الحركات الراديكالية
القومية والماركسية.
انتهت
فترة الصمت أو
الهدوء بعد ثورة
تموز 1958، في كل من
إيران والعراق.
وتبلور عمل فكري
وسياسي خلال عقدي
الستينات والسبعينات.
ولعل مؤرخي هذه
الفترة سيذكرون
أسماء كثيرة لامعة،
بارزة، ومؤثرة،
إلا أن الاسمين
الأبرز في مجال
تجديد الفكر السياسي،
والحراك السياسي
الإسلامي، الشيعي،
سيظلان بلا ريب،
اسم الخميني ومحمد
باقر الصدر. والحق
أن الفترة الموصوفة
(الخمسينات حتى
السبعينات) هي
فترة وضع أهم الأعمال
الفكرية في هذا
الباب: محاضرات
الخميني المعروفة
باسم "الحكومة
الإسلامية"، التي
ألقاها على أنصاره
ومريديه، و"اقتصادنا"
و"فلسفتنا" و"البنك
اللاربوي في الإسلام"
للسيد الصدر.
وبمعنى
من المعاني كانت
هذه الأعمال الفكرية
واحدة من العوامل
الممهدة (وهي كثيرة
ومركبة – ولسنا بصدد
تحليلها الآن)
للثورة الإيرانية
1978 – 1979.
جاءت
الثورة الإيرانية،
بمثابة الزلزال
الذي هزّ المنطقة.
سبق
هذه الفترة صعود
الدولة التسلطية
الحديثة (في الخمسينات)،
بموازاة صعود التيارات
القومية والماركسية
الراديكالية. لقد
شكل هذا التطور،
من نواح معينة،
تحدياً كبيراً
للمفكرين الإسلاميين.
ومثلما أطلقت تحديات
بداية القرن موجة
تجديد للفكر الديني
باتجاه الدستورية،
فإن تحديات منتصف
القرن، أطلقت موجة
أخرى من التجديد،
أو قل الاستجابة
لتطور الفكر ولكن
باتجاه معاكس للنزعة
الدستورية.
يقسم
الدارسون تيارات
الفكر الإسلامي
الشيعي المعاصر
إلى ثلاث مدارس:
المدرسة الإيرانية،
التي يقصد بها
تيار الخميني تحديداً،
والمدرسة العراقية،
التي يقصد بها
تيار الصدر، والمدرسة
اللبنانية، التي
يقصد بها التيار
الذي يمثله محمد
مغنية ومحمد فضل
الله والشيخ محمد
شمس الدين. يوجد
بالطبع، خارج كل
مدرسة من هذه المدارس،
تيار تقليدي، كما
أن لكل مدرسة تأثيرها
خارج موطن نشوئها،
كتأثير المدرسة
الإيرانية على
لبنان والعراق،
أو تأثير المدرسة
العراقية على لبنان
وإيران، أو تأثير
المدرسة اللبنانية
على العراق وإيران،
وهكذا دواليك.
وبالطبع
فإن لكل مدرسة
خصائصها المميزة.
ولكن في إطار التقسيم
العام الذي أوردناه
في بداية هذا المبحث
عن وجود ثلاثة
أطوار أولها دستوري
في بداية القرن،
وثانيها ارتداد
عن الدستورية ونكوص
إلى المدرسة التسلطية
في منتصفه، وثالثها
رحلة عودة إلى
الأشكال الدستورية،
نقول في إطار هذا
التقسيم العام،
تقع المدرسة الإيرانية
(الخمينية) في الطور
الثاني، الطور
التسلطي، بينما
تشكل المدرستين
العراقية واللبنانية،
(الصدر وفضل الله)
حركة بدايات الارتقاء
إلى الطور الثالث.
المدارس
الجديدة
تعد
المدرسة الخمينية
مدرسة جديدة في
الفكر السياسي
الإسلامي الشيعي.
وهي تتميز بنزعات
تسلطية (authoritarian) من
حيث تصورها النظري
لبنية السلطة،
من ناحية المؤسسات،
والنخب الماسكة
لزمام الحكم، ومصادر
الشرعية، وقواعد
التشريع. ففكرة
ولاية الفقيه،
كما صورها الزعيم
الروحي للثورة
الإيرانية، تضع
السلطة، عملياً،
أي من الناحيتين
القانونية والمؤسساتية،
بيد المجتهد الجامع
للشرائط، الذي
تخضع له سائر السلطات
التنفيذية والتشريعية
والقضائية. ويفرض
هذا المركز المقرر
نوعاً من دمج أو
تمركز شديد للسلطات
الثلاث، وهو مصدر
شرعية النظام،
ذات الطابع المقدس،
كما أنه السلطة
الحاسمة التي تقرر
محتوى ووجهة سلطة
التنفيذ (الرئاسة،
الحكومة)، وسلطة
التشريع (مجلس
الشورى، أي البرلمان).
لقد
أثارت نظرية الخميني
في الحكم الإسلامي
الكثير من الجدل
وسط الباحثين العلمانيين،
كما وسط الفقهاء
العارفين.
وهناك
جدل، مايزال متصلاً،
حول الخمينية،
في إطار الفكر
الوضعي بعامة،
بين تيار يرى أن
الخمينية مدرسة
تقليدية، ماضوية،
وبالتالي متخلفة
(بل حتى رجعية)،
وتيار يرى أن النظرية
التي جاء بها الخميني
تقدمية. الواقع
أنها مركبة، تتجاوز
حدود التضاد بين
التقليد والحداثة،
كما تتجاوز أحكام
القيمة، بين مدح
وقدح.
لنلاحظ
أولاً أن النظرية
تنقل الفقهاء من
حالة السلبية السياسية
(بانتظار الإمام
الغائب) إلى الفاعلية
السياسية. ولنلاحظ
ثانياً، أنها جمهورية
النزعة (خلافاً
للتيار التقليدي
الراضي بالنظام
الملكي)، ولنلاحظ
ثالثاً، أنها تنطوي
على نزعة قومية
ثقافية مناهضة
للغرب (الولايات
المتحدة بالذات)،
رغم أن هذه النزعة
تنبع، فلسفياً،
من فكرة جوهرية
–
أصولية تفصل
الشرق عن الغرب
وتضعهما في تضاد
مطلق ومستحكم.
ولنلاحظ رابعاً
أن الخميني ينقل
مقولات الفقه صوب
الحداثة بقوة لا
مردّ لها. مثال
ذلك أن الفقه القديم
يتحدث عن البشر
بلغة "الناس"،
وهي لغة عمومية
من الوجهة الأنثروبولوجية
(يا معشر الناس!)،
ثم يتحدث، بعدئذ
عن المؤمنين، أو
المسلمين، أي أفراد
مجموعة محددة من
البشر بمعيار ديني.
أما الخميني فقد
نقل التحديد المفهومي
القديم إلى مستوى
جديد، بحديثه عن
الشعب والجماهير
والأمة. هذه النقلة
المفهومية تعكس
وعياً واضحاً بالتحول
من فكرة الدولة
الإسلامية التقليدية،
المفتوحة، إلى
فكرة الدولة الحديثة.
إن هذه
العناصر، أي النزعة
الجمهورية، والمساهمة
السياسية للفقهاء
(بصرف النظر عن
حدودها)، والنزعة
القومية، ومقولات
الشعب والأمة،
هي عناصر حديثة،
عناصر لم تكن واردة
في متون الفقه
التقليدية. وعليه
فإن الصيغة الجديدة
لفكرة ولاية الفقيه
تنطوي على عملية
تحديث هامة، بل
خطيرة، بصرف النظر
عن الموقف السياسي
(قبولاً أو رفضاً)
من الخميني ونظريته،
وأيضاً بصرف النظر
عن مضمونها التسلطي.
إن التحديث
الأكبر يكمن في
قلب مفهوم ولاية
الفقيه رأساً على
عقب. لقد تشكلت
فكرة نيابة الإمام
في الفقه الاثني
عشري على مراحل،
حتى بلغت درجة
معينة من النضج
في المرحلة الحُليّة،
ثم تطورت، كما
يقال، على يد النراقي
في منتصف القرن
التاسع عشر. غير
أن فكرة النيابة
والولاية، (سواء
الولاية الخاصة
أم العامة) بقيت
مع ذلك بعيدة عن
أي معنى سياسي
يجيز للفقيه، أو
يحثه على تولي
زمام الحكم، فالحكم
ظل من اختصاص الإمام
الغائب وحده، أما
الفقهاء فيتولون
أمور الإفتاء والقضاء
والتصرف في الخمس
(الذي هو نصيب الإمام
وحده بوصفه الحاكم
الشرعي)، وغير
ذلك من أمور. لكن
ولاية الفقيه،
بموجب النظرية
القديمة، بقيت
مجرد ندّ للملكية.
أما الخميني فجعلها
بديلاً عنها، بديلاً
سياسياً بكل معنى
الكلمة.
بعد
كل ما قيل في التجديد
الذي جاءت به فكرة
ولاية الفقيه،
تنبغي الإشارة
إلى أن النظام
السياسي الذي وعدت
به في النظرية،
ووضعته في التطبيق،
خلال المراحل الأولى
من عمر الثورة
الإيرانية (علماً
أن هذا النظام
يتطور من حيث المؤسسات
والبنى والوظائف
والقواعد) هو نظام
تسلطي، ممركز،
يضع كامل السلطة
السياسية بيد المجتهد،
المرشد، القائد
(رهبر)، كما يمنح
طبقة الفقهاء،
عموماً، احتكاراً
سياسياً خانقاً.
ونجد
صدى أفكار الخميني
في الآراء المبكرة
للسيد محمد تقي
المدرسي، والسيد
محمد الحسيني الشيرازي،
حيث يرفض الأول
فكرة البرلمان،
أو تقسيم السلطات،
وينص على وجوب
حصر السلطة السياسية
في المجتهد (راجع
كتاب: الإسلام
مواجهة حضارية)،
كما يرفض الثاني
فكرة فصل السلطات،
أو الانتخابات،
أو التشريع البشري،
وينص أيضاً على
الحكم المطلق للمجتهد.
(وردت هذه الآراء
في بداية الثمانينات
في أوج انتصار
الثورة الإيرانية).
ونجد
نموذجاً تسلطياً
مماثلاً في التيار
السني، كما يمثله
أبو الأعلى المودودي،
وسيد قطب. لقد اعتبر
المودودي الإيديولوجيات
الحديثة (اشتراكية،
ليبرالية، قومية،
الخ) والمؤسسات
الحديثة (برلمانات،
دساتير، الخ) بمثابة
جاهلية جديدة،
شأن عبادة الهندوس
للأبقار، أو شأن
طقوس وميثولوجيا
السيخ. وقد أعاد
سيد قطب إنتاج
مفهوم الجاهلية
موسعاً إياه توسيعاً
خارقاً شمل به
كل المجتمع المسلم،
حاكماً ومحكوماً،
بمعنى تكفير كل
المجتمع المسلم.
إن هذا
الرفض للمؤسسات
الديمقراطية الحديثة،
وللمفاهيم السياسية
الحديثة حول منابع
التشريع، وأسس
الحكم، وما إلى
ذلك، سمة مميزة
تجمع المدرسة الخمينية
بمدرسة المودودي
وقطب.
ولا
نغالي إذا قلنا،
إنهم يتفقون في
ذلك بقصد أم بغيره،
مع نبذ التيارات
القومية والماركسية
للديمقراطية،
إما باعتبارها
تجربة غربية لا
تناسب الخصوصية
(العربية أو الباكستانية،
أو الإسلامية)،
أو باعتبارها ليبرالية
ذات طابع طبقي
محدد (برجوازية!!).
الواقع
إن كل التيارات
الفكرية في العالم
العربي والإسلامي
تحولت من الحياة
الدستورية البرلمانية
في الأربعينات
والخمسينات، إلى
الحياة الاستبدادية
للنظم الواحدية
في الستينات والسبعينات.
ولعل
من محاسن التطور
التاريخي في العراق،
ولبنان، أن يطرح
الصدر نظرية تقع
في منزلة وسيطة
بين الشكل السلطوي
الاحتكاري لحكم
الفقهاء (نظرية
الخميني)، والشكل
الديمقراطي المنفتح
لحكم المجتمع.
وللأسف لا تتوفر
دراسة شافية عن
نظرية الصدر، نعني
دراسة مركبة تضعها
في سياقها التاريخي،
كما تضعها موضع
المقارنة مع ما
سبقها ومع ما تلاها.
نقول هذا دون الانتقاص
من الدراسات الكثيرة
التي وضعت عنه.
ويمكننا
الآن بعد انصرام
عقدين ونيف على
وضع نظرية الصدر
السياسية (في نظام
الحكم) أن نعاينها
معاينة أفضل وأكثر
موضوعية. في كراسه
الصغير حجماً،
الكبير معنىً،
يطرح الصدر مسألة
وجود ثنوية فيما
يخص مسائل الحكم،
حسب منطوق القرآن
الكريم. فهناك
آيات كثار تتحدث
عن الخلافة، وهناك
آيات تتحدث عن
الشهادة، بمعنى
الرقابة والوعظ.
يؤكد الصدر، في
تفسيره للآيات
التي يوردها، أن
الخلافة منحت من
الخالق إلى البشر
بعامة، أما الشهادة،
بالمعنى المذكور،
فهي من اختصاص
الأنبياء.
يشرح
الصدر نشوء الدولة
بفعل عوامل أنثروبولوجية
(تفاوت الإمكانات
بين البشر، الضعيف،
القوي) تولد صراعات
وتناقضات تتطلب
وجود ناظم هو الدولة،
نعني أنه لا يقول
بالأصل الإلهي
للدولة، وهو في
هذا قريب من أفكار
روسو وماركس (دون
الإشارة إليهما
بالطبع). إن المجتمع
البشري، عند الصدر،
هو منجب الاضطراب،
وإن حاجة هذا المجتمع
إلى التوازن، تولد
الحاجة إلى الدولة.
غير أن الدولة
يمكن أن تنحرف،
من هنا الحاجة
إلى التدخل الإلهي،
عبر النبوة، بالموعظة
والتوجيه.
عندئذ
يربط الصدر فكرة
التدخل الإلهي
(في حالات انحراف
الدولة) بالفقه
الشيعي، أي مسألة
عصمة الأنبياء
والأئمة. فلما
كان هؤلاء معصومين،
فإن رقابتهم على
الدولة خالية من
الزلل، أما الفقهاء
فلا.
ويستنبط
الصدر، من افتقار
الفقهاء إلى العصمة،
أن رقابتهم على
الدولة تتطلب رقابة
المجتمع عليهم.
وهكذا يصل الصدر
إلى فرض رقابة
الفقهاء على الدولة
من جانب، وفرض
الرقابة على الفقهاء
أنفسهم من جانب
آخر. كيف يتسنى
ذلك؟ الحل الذي
يأتي به الصدر
يقوم على ترتيبات
انتخابية تشمل
الجميع، بمن فيهم
الفقهاء. إن هذا
الجمع بين رقابة
الفقهاء (وظيفة
الشهادة) وخلافة
البشر (عبر الانتخابات)
يضفي على نظرية
الصدر سمة مميزة.
فهي من جهة تلتقي
بنظرية الخميني،
دون أن تتطابق
معها، في إعطاء
دور سياسي للفقهاء
في الدولة من جهة،
وتختلف عنها في
تأسيس حق الخلافة
(الحكم) للبشر بعامة
(أي المجتمع المحدد)،
من جهة أخرى. هناك
سمة أخرى مشتركة
بين الاثنين، هي
اعتماد الوسائل
الانتخابية (الاقتراع،
الاستفتاء)، رغم
تباين أساسهما
الفقهي. فهي عند
الصدر إجراء ضروري
نظراً لغياب عصمة
الفقهاء، أما عند
الخميني، فأساسها
عملي وليس فقهياً،
أي نابعاً من تعدد
المراكز الفقهية
في عالم رجال الدين.
وبالطبع فإن اعتماد
الترتيبات الانتخابية،
سيتجاوز، في هذه
الحالة، التراتبية
التقليدية القديمة،
القائمة على مبدأ
الأعلمية.
رحلة
العودة
لقد
قمع التيار الذي
يهتدي بآراء ونظرية
السيد الصدر بعد
انتصار الثورة
الإيرانية، وفرضت
فكرة ولاية الفقيه
والنظرية السياسية
المستمدة منها،
على المدرستين
العراقية واللبنانية
فرضاً. وبالطبع
أثار هذا الفرض
ردود فعل واعتراضات،
إما رفضاً لمفهوم
ولاية الفقيه بصيغته
الخمينية، أو تجاوزاً
له باتجاه القبول
بصيغ ديمقراطية.
ولحسن حظ التطور
التاريخي، أن مسار
التطور الواقعي
في إيران ذاتها،
وطبيعة تنظيم طبقة
الفقهاء في العالم
الشيعي، عملا على
توفير أرض خصبة
ترعى نبتات الديمقراطية
الدستورية، وتفتح
لها باب الاستمرار.
لقد
واجهت الثورة الإيرانية،
وهي تحقق النجاح
مسألة بناء الدولة
الجديدة. ولما
كانت الدولة الإيرانية
تقوم على مؤسسات
وتقسيم عمل حديث،
ما كان بوسع الفقهاء
تجاوز ذلك. إن السمة
الأساسية لتنظيم
الفقهاء هو اللامركزية،
أي تعدد مراكز
الاجتهاد، الموزعة
اثنياً وإقليمياً،
والمنتظمة في أسر
ومدن ذات استقلالية
واستمرارية تاريخية.
زد على هذا أن المراتبية
التي تحكم علائق
الفقهاء ليست مثبتة
في هيكل سلطوي،
أو هيكل تنظيمي،
أو مؤسساتي، يتحكم،
على طريقة الفاتيكان،
بتعيين مرجع أعلى
مطلق. هذا الوضع
حتم على طبقة الفقهاء
التي أمسكت (في
معظمها) بدفة الحكم،
أن تلجأ إلى صناديق
الاقتراع لتدعيم
شرعيتها، دون الاعتماد
على مبادئ الأعلمية،
وشرائط الاجتهاد،
التي يمكن أن يدور
حولها خلاف وصراع.
وبهذا المعنى فإن
الإطار الانتخابي
الحديث صار أساساً
لتنظيم مراتبية
الفقهاء داخل الدولة.
من جهة
أخرى أدى اندماج
الفقهاء بالدولة
الحديثة، إلى نشوء
نمطين من المؤسسات.
المؤسسات الحديثة
المعروفة، من سلطة
تنفيذية (رئيس
ومجلس وزراء، ووزارات)
وسلطة تشريعية
(مجلس شورى) وسلطة
قضائية، والمؤسسات
التقليدية التي
جاءت بها طبقة
الفقهاء: مؤسسة
المرجع الأعلى،
مؤسسة حماية الدستور،
ومؤسسة تشخيص المصلحة.
أدى هذا التعدد،
بالتدريج، وبخاصة
بعد غياب الخميني
بشخصيته الكاريزمية
الحاسمة، إلى منع
نشوء مركز واحد
مطلق للسلطة. وهذا
الوضع يختلف جذرياً
عن البنية المؤسساتية
للسلطة في العراق،
حيث تندمج كل المؤسسات
وتتمركز كل السلطات،
بل "تتشخصن" (رغم
بغضي لهذا التعبير)
بحرفية التعبير،
في إهاب كائن واحد.
لقد
أدى التماس طبقة
الفقهاء إلى الوسائل
الانتخابية الحديثة،
وتقسيم السلطات
الحديث، في واقع
الأمر، إلى فتح
أبواب الفقه التقليدي،
أمام استقبال مكونات
الحداثة السياسية
واقعياً.
ونرى
هنا كيف يمكن للحديث
أن ينشأ من جوف
التقليدي، وأن
يسيرا معاً في
تكافل مثير.
إن تعدد
وتنوع المؤسسات،
(المصطرعة بلا
ريب)، واعتمادها
مبادئ وقواعد الاقتراع
العام، يشكل الأساس
الحضاري، التاريخي،
لنشوء وتحقق فكرة
وممارسة الديمقراطية.
لا أقصد القول
إن الديمقراطية،
بمعناها الحديث
المعروف، قائمة
حالياً في إيران،
وإنما القول إن
إيران أقرب إلى
البنى والمؤسسات
الديمقراطية من
أي بلد عربي آخر.
في ضوء
التجربة الإيرانية،
ومن منظور الصراع
مع المدرسة الخمينية،
كما في ضوء التجربتين
العراقية واللبنانية،
تطور تيار ثالث،
هو تيار ديمقراطي
في الفكر كما في
الممارسة. ويمثل
هذا التيار، المجتهدان
محمد فضل الله
ومحمد شمس الدين
(في لبنان) والمجتهد
محمد بحر العلوم
وسواه (العراق).
وهناك حشد كبير
من المثقفين والسياسيين
الشيعة يؤيد ويساند
توجهات هذا التيار.
يرى
هذا التيار أن
النظام الديمقراطي
وإن كان ثمرة فلسفة
غربية (غير إسلامية)
هي الفلسفة الليبرالية
(التي يرفضها الفقهاء
لاعتبارات شتى)
فإن هذا النظام
قد انفصل عن أساسه
الفلسفي، وتحول
إلى مجرد آليات،
أي وسائل وقواعد
وترتيبات. بتعبير
آخر إن هذه الآليات
هي إطار أو شكل،
وإنه بالوسع ملء
هذا الإطار بأي
محتوى، تبعاً لطبيعة
النخبة الحاكمة.
بتعبير
آخر، إن هذه الآليات
(الشكل) يمكن أن
تملأ بسياسة إسلامية
(محتوى).
وأظن
أن هذا التيار
مرشح للنمو بمقدار
توطد تجربته في
لبنان، وأيضاً
بمقدار ترسخ التطور
الجاري الآن في
إيران، في ظل الخاتمية
(رغم الحصار والاعتراض).
بل إن طبيعة التجربة
العراقية، من شأنها
أن تمد هذا التيار
بالنسغ اللازم
للاستمرار.
لقد
اضطر الاتجاه الأول
(الخميني) ذو الطابع
التسلطي، الواحدي،
إلى أن يخضع لمنطق
التعدد والاختيار
الانتخابي، وإلى
أن يخلق، بدون
قصد، بنية جديدة
متعددة المؤسسات،
وهي بنية لا نظير
لها في المنطقة
العربية والإسلامية،
بنية تضع إيران
على مشارف الخروج
من مجتمع الواحدية
القسري، إلى مجتمع
التعددية والديمقراطية
الأرحب. وستترك
هذه التجربة، بل
إنها تترك بصماتها
على الفكر الإسلامي
الشيعي بخاصة،
والسني بعامة.
* هذه المحاضرة
تعتمد على فصول
من كتابي: الأصول
الاجتماعية للحركات
الإسلامية، نموذج
العراق الذي سيصدر
قريباً باللغة
الإنجليزية.
* لعل الاستثناء
الوحيد هو كتاب:
تخليص الإبريز،
لمحمد رفاعة الطهطاوي.
* لإيران
حضارة عظيمة سبقت
حضارة الإسلام،
ورافقتها. ومن
توافه الإيديولوجيا
القومية أن تفصل
هذه الحضارة العظيمة،
الغنية بإنجازاتها،
عن مجرى الحضارة
الإسلامية والعربية،
فصلاً تعسفياً
نابعاً من اعتبارات
السياسة الآنية.
* شهدت
هذه الفترة من
عشرينات حتى خمسينات
القرن العشرين
صعود حركة الإخوان
المسلمين في مصر،
وتنامي نفوذ حركة
الإصلاح الديني
في الجزائر (بن
باديس).