الإشـــكالية الدســـتورية

للتشريع الإسلامي

 

د. فالح مهدي

 

أثارت مساهمتي في النقاش الذي دار بعد الجلسة الأولى للندوة الفكرية التي أقامتها مجلة "الثقافة الجديدة " بالتعاون مع المنتدى الديمقراطي العراقي في روتر دام، جدلاً وردود فعل كان بعضها مشيداً، بيد ان البعض الآخر لم يخلُ من حماس وتطيّر، علماً انني اشرت قبل الخوض في هذا الموضوع الى انني لا اقصد النيل من الاسلام.

وبما ان الفرصة قد أتيحت لي لإعادة النظر بما قلته، أجد أن المقام مناسب للقول بان مداخلتي تمثل جزءاً بسيطاً من كتابي المنشور باللغة الفرنسية الذي يحمل عنوان " أسس وآليات الدولة في الإسلام : النموذج العراقي "، حيث لم ألو جهداُ  بنقد الاستشراق، اياً كان مصدره، كما انني لم اكن متهاوناُ فيما اعتقد انه يستحق النقد. وإن الخوف والتطير من نشر ما قلته، او"تخفيف" ما جئت به، امر بعيد عن العلمية. فكباحث مستقل، بعيد عن كل أيديولوجية، لم أتوان عن ذكر ما أجده حقاً ونقد ما اعتبره باطلاً.

في مساهمتي هذه، كما هو الحال في كل مساهماتي الأخرى، اعرض اجتهادي، فإن وجد البعض أن قدمي قد زلّت عن طريق الصواب، فساكون شاكراً لمن يجد فيها ما يستحق التقويم.

يجب التنويه أيضا أن مساهمتي هذه ترتكز على فلسفة وأنثروبولوجيا القانون، فهي تنزع بالضرورة لفهم طبيعة القوانين الإسلامية وطبيعة الدولة في الإسلام وممارسة السلطة والعلاقة بين التشريع المنزّل ( الموحى به) والتشريع العقلي (أي الإنساني) ... الخ.

 

مقدمة:

لا يمكن معالجة إشكالية الدولة في الإسلام البتة دون مناقشة مصادر الشريعة الإسلامية. فلقد اصبح من المتفق عليه بعـد الدراسات التي  قام بها كبار المستشرقين أن الفقهاء المسلمين هم الذين قاموا بتطوير الشريعة الإسلامية. وقد أخذ بهذا الرأي كثير من المختصين في الدول الإسلامية(1)، لا سيما الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي اعتبر الدور الذي قام به الفقهاء المسلمون مشابهاً للدور الذي اضطلع به الفقهاء الرومان فيما يخص القانون الروماني(2).

وقبل الخوض في مناقشة طبيعة الشريعة الإسلامية، نجد من اللازم التعريف ببعض المصطلحات التي سترد في متن هذا البحث:

 

أ – أصول الفقه :

عند الحديث عن أصول الفقه، يجب الامتناع عن ترجمة الفقه بالقانون، لا لأن الإسلام يجهل الموضوع القانوني، بل لأن التعبيرين لا يغطيان  نفس الحقل المفهومي ولا يتوجهان  لنفس الأهداف، كما لا يجيبان على نفس الضرورات.

 

ب – أمة:

يرجع اصل هذه الكلمة إلى اللغة الأكدية، وقد لجأ إليها اليهود في التوراة، كما استخدمها العرب قبل ألا سلام وبعده. والمعنى الأول لهذه الكلمة هو " مجموعة من الناس ". بيد ان هذا المصطلح ينطوي على كثير من الغموض. فإضافة إلى معناه الأول، فهو يعني أيضا "شعب" و " قوم". قد اعتبر الرسول الكلاب أمة من الأمم ( راجع أبو داود، الترمذي، ابن حنبل) كما استخدمه ابن خلدون بمعنى عرقي " أمم المصاميد". ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، استُعير للمصطلح معناه من الفقه القانوني الفرنسي فأصبحت الأمة تعني "مجموعة من الناس ذات تكوين سياسي، تتواجد في إقليم معين ويتحقق وجودها عبر سلطة ذات سيادة ". وقديماً، أي قبل الثورة الفرنسية، كان هذا المصطلح يعني "مجموعة من الناس"، فمثلاً جامعة السوربون كانت مقسمة إلى أربع أمم، أي أربع مجموعات طلابية(3).

لقد ورد هذا المصطلح   " 65 "  مرة في القرآن: خمسين  مرة بمعنى مفرد "أمة"  ومرتين في  "أمتكم" وثلاثة عشر مرة بصيغة الجمع "أمم" في حين ورد لاكثر من 300 مرة في الحديث النبوي بمعان مختلفة.

 

ج – مصادر الشريعة:

ليس لهذا المصطلح وجود في الكتب الفقهية القديمة، إذ استعير من الفقه الفرنسي والألماني الحديث، فالمصطلح الذي لجأ إليه الفقهاء المسلمون "أدلة الأحكام  الشرعية". فمن الناحية اللغوية الدليل غير المصدر كما أن للأول معنى أوسع من الثاني.

بعد هذه المقدمة، سأحاول أن أجيب عن الأسئلة التالية : هل هناك دولة إسلامية، أم هناك دولة في الإسلام ؟ هل القرآن دستور هذه الدولة ؟ هل هناك فقه دستوري ينظر ويؤطر هذه الدولة ؟

للإجابة عن هذه الأسئلة سنعتمد نفس التقسيم الذي لجأ إليه الفقهاء المسلمون : "المصادر الأساسية" ويقصد بذلك القرآن، السنة، الإجماع والقياس. أما المصادر الثانوية أو الفروع فتنقسم إلى : الاستحسان، الاستصلاح، العرف، الاستصحاب، مشرّع من قبلنا، ومذهب الصحابي.

لأهمية المصادر الأساسية ولضيق الوقت، سأركز  مداخلتي على إلقاء الضوء عليها، مؤجلاً مناقشة الفروع  لمناسبة أخرى.

 

القرآن أولاً :

يعتبر كل الفقهاء المسلمين القرآن المصدر الأول للشريعة الإسلامية([1]). وهم على حق في ذلك، فهو الى جانب كونه يمثل الجانب المقدس في التشريع، يُعتبر موضوعياً اكثر المصادر وثوقاً.

بيد ان القرآن الذي احتوى على 6000 آية تناولت شتى امور الدنيا والآخرة وقصص الأولين ومواعظ وحكم، لم يتجاوز عدد آياته ذات الطابع القانوني اكثر من مائتي آية. ستون  منها يتعلق بالأحوال الشخصية (زواج، طلاق، ميراث، وصية، ولاية امر...الخ) وسبعون آية نظرت في المسائل المدنية (البيع، الشراء، الإيجار، الرهن، المشاركة) وثلاثون آية  عالجت موضوع الجريمة والعقاب، وعشرون أخرى عن المحاكمة والشهادة.

ما نصيب الدولة ، والخلافة والحكم تحديداً، من ذلك ؟ حقيقة الأمر انه لم يبق من تلك الآيات إلاّ اثنتي عشرة آية تطرقت بشكل أو بآخر الى موضوع القانون العام والقانون الدستوري. إن هذا العدد الضئيل من الآيات يمثّل أول عقبة تتعلق بالإشكالية الدستورية الإسلامية، ومن ثم بالنظرية السياسية الإسلامية. وهذا ما يوضح سبب لجوء الفقهاء (قديماً وحديثاً) وكثير من الكتّاب الذين يأخذون بالأيديولوجيا الإسلامية الى المصادر الشرعية الأخرى. إن القرآن في آياته تلك، لم يأت إلاّ بمبادئ عامة جاءت بها من قبل القوانين السومرية (لبت عشتار، اشنبونا، اورنامو) وقانون حمورابي الذي يؤكد في مقدمة شريعته، كما فعلت القوانين السومرية، بان الإله مردوخ قد أمره بإقامة العدل والإنصاف ورعاية حقوق الضعيف واليتيم وتوفير الخير العام لرعيته.

وهكذا فعل القرآن، إذ لم يضع إلاّ الخطوط الرئيسية الكبرى التي تعصم الإنسان من الزلل وتوجه خطاه الى الطريق القويم، طريق الحق والعدل  والخير العام.، وترك للإنسان الاهتمام بشؤون حياته وبكل ما يتعلق بالزمان والمكان. ويتفق مع هذا الرأي كبار المصلحين كالأفغاني ومحمد عبده ومعظم علماء الأزهر، كما لا يخالفه  معظم العلماء الشيعة في النجف  وقم، بما في ذلك الإمام الخميني.

أما من يعتقد خلاف ذلك، فيقوم بإجهاض الحقيقة وذلك بلوي عنق مصطلحات تنتمي إلى حيز ثقافي وأنثروبولوجي وقانوني محدد ووضعها في حيز آخر مختلف كلياً عن الأول. هذا شأن الأيديولوجيين في كل بقاع العالم، فضعف بصيرتهم وقلة زادهم العلمي لن يؤدي إلاّ الى تصحّر علمي وخداع جماهير الناس ممن تطربهم الكلمات الفارغة.

ان عملية التوليف بين القرآن، الذي يمثل حيزاً جماعياً، وبين الديمقراطية الغربية ومؤسساتها وقوانينها ونظرياتها السياسية، التي تمثل الحيز الفردي،  تؤدي الى إلغاء تاريخية النص وظروف إنتاجه وقبول الارتكان إليه.

فمن يقول ان الشرط القانوني المتعلق بممارسة الحكم الصالح في الحياة المعاصرة متوفر بدليل ان القرآن لم يمنع نظام الانتخابات وقيام سلطة تشريعية كما تذكر الآية القرآنية  " والذين استجابوا لربهم أقاموا الصلوات وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون "، يقوم بإلغاء عملية النقد الذاتي، حيث الحاجة اليها اشد مساسة في الوقت الراهن. فمثل هذا الصنف من الكتّاب يرتكب جريمة بحق النص القرآني وذلك بإلغاء تاريخيته وظروف إنتاجه. فقد وردت هذه الآية لإثبات "شرعية" إجماع أهل الحل والعقد وليس للمجالس التشريعية كما سنوضح ذلك لاحقاً. لذا فان ما جاء في القرآن يمثل قاعدة عامة وردت في الشرائع القديمة. ولم يفصّل القرآن إلاّ في مجال العبادات والأحوال الشخصية والعقوبات المتعلقة بجرائم تمس حق الله. وعلى افتراض أن تلك الآيات تعالج موضوع الدولة، فهي غامضة وقابلة لمختلف التأويلات حسب الجماعات وانتماءاتها الطائفية والسياسية.

لنأخذ على سبيل المثال الآية  58  من سورة النساء " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ". يذهب ابن عباس، أحد الصحابة إلى أن المقصود بأولي الأمر العلماء. ويجد هذا الرأي صداه عند عدد من التابعين. في حين يذهب الإمام محمد عبده إلى ان المقصود بذلك في زماننا الحاضر هم كبار العلماء ورؤساء الجند والقضاة وكبار التجار والزراع وأصحاب المصالح العامة ومديرو الجمعيات والشركات وزعماء الأحزاب ونابغو الكتاب والأطباء والمحامين(4).

ونخلص مما تقدم الى ان فقدان القاعدة الدستورية في القرآن وانعدام وجود أدبيات تتعلق بالسلطة عند العرب قبل الإسلام إضطر الخليفة عمر بن الخطاب الى اللجوء الى التشريعات الإدارية الساسانية في العراق والبيزنطية في سوريا ومصر.

 

السنة النبوية:

تعتبر السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع الإسلامي. ومع إنها مستقلة عن القرآن، لكنها تعتبر متممة وشارحة له. ان الوضع المتميز للسنة أثار التساؤلات بعد موت الرسول فيما إذا كان بإمكانها أن تلغي آية قرآنية باعتبارها جزءاً منسجماً من القرآن كما يؤكد بعض الفقهاء اعتمادا على الآية الثانية من سورة النجم "والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".

الملاحظ أن الآية القرآنية تؤكد على جانب واحد من السنة هو الأحاديث النبوية، في حين ان السنة تغطي كل ما نسب إلى النبي : أقواله، أفعاله، حركاته، وقبوله الضمني في مجال المعاملات. وقد قسّم الفقهاء كل ذلك إلي ثلاثة أقسام : قول، فعل، تقرير.

ولكي لا يتشعب البحث كثيراً، سأناقش السنة القوليّة (أي الاحاديث النبوية) لأنها الأكثر أهمية وتشكل جوهر السنة.

المشكلة الأولى هي أن الأحاديث النبوية جمعت بعد وفاة الرسول بثلاث قرون !  من الناحية الموضوعية يصعب التأكد من صحة الأشياء حتى بعد مضي زمن قصير (كذا الحال في الدولة المتقدمة فيما يتعلق بالجرائم الكبرى وإثباتها!) فما بالك بعد ثلاثمائة سنة‍!

المشكلة الثانية تتأتى من التفريق بين التشريع المؤقت والدائم. فبعض الأحكام التي صدرت في المدينة لا يمكن الأخذ بها لاحقاً في مدينة مثل دمشق أو بغداد أو البصرة أو الكوفة. ذلك انه بناءً على الاجتماع السياسي والعمران فان المدينة مجموعة من القرى قياساً ببغداد العباسية التي توفرت لها كل شروط التمدن مما حدا ببعض المستشرقين لأن يعتبر الإنجازات الحضارية التي تحققت في بغداد افضل ما توصّل إليه الإنسان إبان تلك الفترة.

جرى العرف على تقسيم مجاميع الأحاديث إلى قسمين : المساند والمصنفات. الأولى حررت اعتماداً على سلسلة من الناقلين بدأت بالنبي. المسند الأكثر شهرة يعود لأحمد بن حنبل. أما المصنفات فلم تجد طريقها إلا في القرن الثالث الهجري، واشهرها الصحيحان للبخاري ومسلم وكتب السنن الأربعة. يعتبر صحيح البخاري الذي يحتوي على سبعة آلاف حديثاً، أهم مصدر بعد القرآن بالنسبة للسنة في المشرق، في حين يفضّل أهل المغرب صحيح مسلم الذي يحتوي على  نفس العدد من الأحاديث. أمّا المجاميع الأربعة  لابن ماجة ( توفي 273 هجرية ) ولابن داود (توفي 303 هجرية) وللترمذي (توفي 279 هجرية) وللنسائي (توفي 330 هجرية)، فلا يعترف المذهب الشيعي بهذه الأحاديث إلا ما ندر ويلجأ اتباعه إلى الأحاديث التي وردت على لسان أهل البيت. أهم الكتب في هذا المجال " الكافي " للكليني (توفي 381 هجرية) ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه (توفي سنة 435 للهجرة) و"الاستبصار فيما اختلف من الأخبار".

من النتائج المترتبة على ذلك إن الحديث جمع في لحظة نضج الحضارة الإسلامية وفي أوج الخلاف السياسي والأيديولوجي واثر  ترجمة أهم كتب الفلسفة اليونانية.

في تقديري ان لغة الحديث لم تخضع حتى الآن الى أية دراسة لغوية في حين أن إجراء دراسة من هذا النوع  سيساعد على معرفة فيما إذا كانت اللغة المستعملة هي تلك التي وردت في بداية القرن الأول الهجري أم تلك اللغة الغنية للقرن الثالث والرابع الهجريين، لغة أبي نؤاس وبشار بن برد وأبى تمام والمتنبي في مجال الشعر والتوحيدي في مجال الفلسفة والطب والتنجيم. إن البحث في تاريخية وعقلانية لغة الحديث لم يزل باباً مفتوحاً بانتظار من يلجه.

وإن افترضنا قبول الحديث رغم تدوينه بعد مرور زمن طويل على وفاة الرسول (ثلاثة قرون)، فالخلاف بين المدارس الفقهية كان شديداً  حول الآخذ به حتى بعد بعد وفاة الرسول بزمن قصير. فمدرسة المدينة برئاسة مالك بن أنس أخذت بالحديث، في حين فضّلت المدرسة العراقية (برئاسة أبى حنيفة) القياس والرأي. إن إشكالية الأحاديث النبوية لم تزل قائمة في العصر الراهن، فشيخ الأزهر الإمام أبو زهرة يضع جزءاً كبيراً من مجموعة البخاري موضع الشك نظراً لتفاهة بعضها وابتعاد بعضها الآخر عن منطق الأشياء.

 

الإجماع:

يشكل الإجماع المصدر الثالث بعد القرآن والسنة. ويُقصد به "إجماع علماء المسلمين في لحظة معينة على حكم قانوني ".

يشترط الفقهاء السنة خمسة شروط لكي يصبح الإجماع شرعياً :

يجب ان يحصل الإجماع من قبل المجتهدين، ولا يؤخذ بالذي يأتي به "العامة". واختلف الفقهاء في تعيين العدد اللازم لتحققه، فاشترط بعضهم عدداً كبيراً في حين اكتفى آخرون بثلاثة(5).

يجب ان يوافق عليه جميع المجتهدين في أرجاء العالم، ويعتبر الإجماع باطلاً إذا اعترض عليه أحدهم(6).

يجب أن يقوم الإجماع بين مجتهدين مسلمين! وفي تقديري ينطوي هذا الشرط على ضعف شديد ولا مبرر لوجوده.

يجب أن يتم الإجماع بعد وفاة الرسول ! وهذا الشرط كسابقه لا يستقيم مع المنطق، فالإجماع يأتي في الترتيب بعد القرآن والسنة.

يجب أن يكون الحكم الذي يقوم عليه الإجماع شرعياً كالالتزامات.

ولنفحص الآن موقف أهل الجماعة (السنة) من ذلك.

اعتبر الإمام مالك بن انس (توفي عام 179 للهجرة)، أن لا إجماع دون أهل المدينة، بينما قصر احمد بن حنبل وداود الظاهري الإجماع على أصحاب النبي.

وفي مجال التطبيق القضائي، لا يوجد إجماع بين علماء المسلمين. فالشيعة والخوارج لم يعترفوا بإجماع أهل السنة، لأن لهم إجماعهم الخاص.

هناك نوعان من الإجماع : الصريح الذي يعبر عنه جهراً ويتعلق على حد قول الآمدي بالزراعة والصناعة، أما السكوتي، فيعني سكوت أغلبية المجتهدين على إجماع  قائم لم يؤخذ رأيهم فيه!

معظم اتباع المدرسة الحنفية اخذ بذلك في حين رفضه الشافعي ولم يأخذ به الشيعة.

ونطرح الآن السؤال الذي قامت عليه هذه المداخلة : ما علاقة الإجماع بنظرية الدولة وممارسة الحكم ؟ وهل يمكن اعتباره مصدراً من المصادر الدستورية ( أو مصدراً من مصادر الشريعة) للدولة الإسلامية ؟

يجيب بعض علماء السنة بالإيجاب بدليل أن البيعة برهان على وجود الإجماع لتثبيت شرعية الخلافة. ولكن هذا الرأي غير دقيق لان البيعة في صدر الإسلام لم تأخذ شكلاً واحداً، ولم تخلق عرفاً دستورياً يمكن العودة إليه والاستفادة منه كمرجع. فقد أقام أبو بكر خلافته استناداً إلى قيامه بالصلاة بالمسلمين عند مرض الرسول ومن ثم عيّن عمر بن الخطاب خليفة له. وعندما اقترب عمر من المنية، اختار مجموعة من الصحابة رشحت عثمان لخلافته في حين دعا علي بن أبي طالب لان تكون المبايعة له.

تثير بيعة أبى بكر إشكالا كبيراً إذ لا يمكن القبول قانونياً بفكرة قيامه بالصلاة بالمسلمين عند مرض الرسول سبيلاً لتوليه أمور المسلمين بعد وفاته. إن الإمامة الصغرى (الصلاة)، أمر ديني بحت، في حين أن الإمامة الكبرى (الخلافة) أمر دنيوي يتطلب مواهب وقدرات وذكاء ودهاء لا يستلزم وجودها في الأولى. ولقد قال عمر بن الخطاب في ذلك " ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة كفى الله المسلمين شرها. فإن عاد إليها أحد فاقتلوه" (رواه البخاري)(7). وكلمة "فلتة" تعني هنا غلطة وخروجاً عن المألوف. لذا بناءً على القاعدة الفقهية الاسلامية "كل ما بُني على باطل فهو باطل"، لا تعتبر البيعة الأولى إجماعاً بل باطلة. وإذا صح ما قاله عمر بن الخطاب وبناء على ما تقدم، تصبح بيعته باطلة أيضا اعتماداً على نفس القاعدة. يذهب الشيخ أبو زهرة في كتابه "أصول الفقه" إلى عدم أخذ إجماع الصحابة لبيعة أبي بكر ولا اتفاقهم على جمع القرآن كإجماع بل كتنفيذ لمسائل عملية(8).

يمثل  اتفاق جميع المجتهدين المسلمين أحد الشروط الأساسية لقيام الإجماع في حين لم يحترم هذا الشرط حتى في اللحظات الأولى لتطبيقه، أقصد بذلك لحظة مرض النبي حيث لم يوافق المتعاطفون مع علي بن أبى طالب على البيعة.

كما أن تحديد  عمر بن الخطاب لستة من الصحابة ليقوموا باختيار خليفته جاء بعيداً كلياً عن مفهوم الإجماع. في الجزء الأول، "عثمان"،  من كتاب  "الفتنة الكبرى" يورد طه حسين تفاصيل مهمة عن ذلك الاجتماع. ومع أن طه حسين ابن الأزهر، فقد وجد صعوبة بالغة في الدفاع عن تلك البيعة.

باختصار، فان الإجماع أحد الأوهام في تاريخ الفقه الإسلامي السني. ويؤيد هذا الرأي الإمام ابن حنبل الذي يقول " من ادعى الإجماع فهو كاذب"(9).

إن قراءاتي في كتب الفقه لم ترشدني إلى وجوده. فإن كان من المستحيل إثبات وجوده، كيف ترك أثره إذاً في باب الاجتهاد كما فعل  في غلق هذا الباب أيضاً ؟

الأمر المؤكد هو ان استغلال هذا المصدر الوهمي ، لاسيما، في الفترة العباسية لإسكات المعارضة ، ذلك إن الادعاء بوجود إجماع مسبق يفرض على أكثرية المجتهدين القبول به، أما احتراماً لامر قائم أو لاعتبارات تتعلق بمنزلتهم.

 

القياس :

يعتبر القياس المصدر العقلي الثاني بعد الإجماع وآخر المصادر الأساسية في الفقه السني.

القياس تعريفاً هو إقامة علاقة بين موضوع ليس فيه حكم مع موضوع مسند بنص شرعي (القرآن والسنة) من أجل تبرير قيامه.

ومع أن القياس يأتي في المرتبة الرابعة بيد انه من اكثر المصادر أهمية لأخذ المدرسة العراقية (مدرسة أبى حنيفة) به. وبما ان كلتا الإمبراطوريتين العباسية والعثمانية استندتا على تلك المدرسة، فقد كان له دور عظيم قديماً وحديثاً، ويكفي ان نعلم ان  تقنين القوانين المدنية الذي أخذت به الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر قد ترك أثره في القوانين المدنية العربية (المصرية، السورية، العراقية، الأردنية) حيث لعب الدكتور عبد الرزاق السنهوري دوراً فعالاً في ذلك.

ينبغي الانتباه الى ان القياس كمصدر لا يعترف به فلاسفة القانون ولم يؤخذ به في اي مكان في العالم. لكن يمكن الاستفادة من القياس كدليل وليس كمصدر. فلا يمكن للمشّرع ان يقيس بين مسألتين وينشئ قاعدة قانونية في ضوء ذلك لسبب بسيط جداً هو ان لكل مسألة طبيعتها وخصائصها وأسباب نشوئها ونتائج قيامها. ولو كان امر القياس بهذه السهولة لتوقف التشريع منذ زمن حمورابي!

ولإسناد وجهة نظرنا نذكر ان الكثير من الفقهاء المسلمين لم يأخذ به. فلا يعتبره الشيعة أحد مصادر الشريعة كما أن المدرستين  المالكية والحنبلية لم تأخذا به(10)، ويفضل ابن حنبل الحديث الضعيف على القياس ولا يسمح به إلا عند الضرورة. كما ان الشافعي، وهو اكثر العقلانيين في هذا المجال، وقف موقفاً صارماً ومتشدداً عند الأخذ به. وتجنباً من الدخول في تفاصيل قانونية ورطانة، اكتفي بذكر بعض الأمثلة  لتوضيح ضعف وهشاشة هذا "المصدر" في المجال الدستوري.

لنأخذ مبدأ الشورى، ما هو المبدأ الذي يمكن ان يقاس عليه ؟ لا يجيب الفقهاء عن هذا السؤال كما انهم لا يجيبون عن بيعة أبى بكر ( قياس الإمامة الصغرى بالإمامة الكبرى! ) وبدليل أن تلك البيعة لم يؤخذ بها لاحقاً. 

ولنضرب مثالاً آخر في مجال الحدود (العقوبات) : جريمة الافتراء في الشريعة الإسلامية عقوبتها (80) جلدة، وبما انه لم يرد نص في مسألة شرب الخمر، قام مالك بن انس بإيجاد عقوبة لذلك على النحو التالي "من شرب ثمل، فان ثمل هذى، وإن هذى افترى" . كما قلنا سابقاً فالهذيان غير الافتراء وان قياس أحدهما بالآخر ليس له أساس لغوي أو قانوني ويرفضه المنطق.

ختاماً، مع أنى لم الق الضوء  إلاّ على المصادر الأساسية للشريعة، فإن الدولة الإسلامية، في ضوء ما ذكرته، ليس لها سند قانوني. ان الفقه الإسلامي غني في مسائل المعاملات، إلا انه يخلو من مادة يمكن الاستناد إليها في مجال القانون العام.

مثلت الدولة الإسلامية، أموية كانت أم عباسية أم عثمانية، شكلاً من أشكال الإمبراطوريات التي سبقتها : البابلية، الاخمينية، الساسانية والبيزنطية. هناك دولة في الإسلام وليس دولة إسلامية. وللتأكد من ذلك، يمكن العودة الى دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية الذي ترجم الى العربية منذ أوائل الثمانينات والى مقالنا الذي نشر في إسبانيا بعنوان "حجم الأيمان في الدستور الإيراني"(11).

 

 

مصادر البحث

1.                    SCHACHT, (J) : The Origins of Muhammadan jurisprudence.  Oxford 1950.
2.                    SANHOURY, (A) : Le Califat, thèse pour l’obtention du doctorat, Lyon, 1926.

3.                     MAHDI  (F) : L’héritage de la Révolution française au Moyen-Orient, Cahiers de l’Orient, N° 14, 1989 pp. 211-224.

4.                     الدكتور محمد احمد خلف الله : القرآن والدولة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1981 ص : 5، 48، 50

5.                     الآمدي : احكام الأصول في الأحكام، القاهرة. مطبعة المعارف المصرية، 1974 (في أربعة أجزاء)، ج –1 ص 115.

6.                     نفس المصدر

7.                     البخاري : الجزء الرابع، القاهرة ، 1971، ص 122.

8.                     الشيخ ابو زهرة : أصول الفقه ، القاهرة، دار الفكر العربي، 1951، ص 259.

9.                     مسند الإمام احمد بن حنبل ، بيروت، دار الفكر بيروت.

10.                  محمصاني : فلسفة التشريع في الإسلام، بيروت، دار العلم للملايين، 1975.

11.                   MAHDI (F) : Le poids de la croyance dans la constitution iranienne. Estudios des Historia del Derecho Eurpeo. Universidad complutense de Madrid, vol 2, 1994, p 241-254

 



[1]   يعود اصل هذا المصطلح الى اللغة الاكدية  وتعني الطريق، المثل ... الخ