تعقــيب

عبد الرزاق الصافي

 

اطلعت على مقال "الديمقراطية: المجرد والملموس في نضالنا الوطني الديمقراطي" للسيد فاخر جاسم المنشور في "الثقافة الجديدة" العدد 294 الصادر في أيار - حزيران 2000. ورأيت فيه رغم الجهد الذي بذله الكاتب في تحريره بعض المعلومات الخاطئة والتعميمات غير الصحيحة، والتقييم اللاموضوعي لـ"ديمقراطية" العهد الملكي. ورأيت من المناسب أن أكتب هذا التعقيب راجياً نشره عملاً بحرية النشر.

ابتداءً أقول إن المعاناة التي سببتها الأنظمة الدكتاتورية التي توالت بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 لشعبنا ينبغي أن لا تدفعنا لامتداح العهد الملكي وإسباغ صفات لا يمتلكها عليه. والقول بأن "التجربة العراقية في الديمقراطية واحدة من التجارب الرائدة في المنطقة العربية" تقييم غير صائب رغم استدراك الكاتب بالقول "على الرغم من المحاولات التي قامت بها سلطات العهد الملكي لإفراغها من محتواها الديمقراطي سواء عبر الممارسة أو القوانين الاستبدادية التي أصدرتها" ويقتبس الكاتب إحصائية بالقوانين والمراسيم التي تحد من الحريات الديمقراطية تقول إن عددها 27 كانت حصة نوري السعيد منها 17.

فهل حقاً كانت في العهد الملكي "تجربة ديمقراطية رائدة"؟! ليس في نيتي كتابة بحث للرد على هذا التقييم، وإنما سأكتفي بإيراد بعض الوقائع التي تضع التجربة في موضعها الصحيح لئلا تكون ثورة 14 تموز 1958 "خطأ تاريخي"! أو عملاً تلام عليه القوى الوطنية التي كانت القاعدة السياسية للثورة.

لقد فشلت ثورة العشرين في تحقيق هدفها بإقامة دولة عراقية دستورية مستقلة. ومع ذلك فقد دفعت الإدارة الاستعمارية المحتلة إلى التخلي عن فكرة إدارة العراق كمستعمرة بريطانية، كما كانت تريد مدرسة الهند. والانصراف إلى إقامة حكم بواجهة وطنية (بمعنى أهلية) يحمي المصالح البريطانية في العراق. وهكذا جرى تنصيب فيصل الأول ملكاً على العراق بقرار من مؤتمر القاهرة الذي ترأسه تشرتشل وزير المستعمرات البريطانية، بعد إجراء استفتاء صوري يزعم أن 96% من العراقيين بايعوه ملكاً. وراحت الإدارة البريطانية تفرض المعاهدات الجائرة التي تنتقص السيادة الوطنية عن طريق تزوير إرادة الشعب العراقي والمجيء بمجلس تأسيسي فرضت عليه الإقرار بما تريده الإدارة البريطانية قبل إقرار الدستور الذي أعده خبراء وزارة المستعمرات البريطانية. (وهو بالمناسبة دستور لم يكن سيئاً رغم ما أعطاه من صلاحيات واسعة للملك الذي كان يتعاون مع الإدارة البريطانية، ويخضع لإرادتها). ولكن هذا الدستور ظل حبراً على ورق لكثرة ما أصابه من انتهاكات بالمراسيم والقوانين والممارسات الجائرة وفرض الأحكام العرفية التي قاربت مدتها أو أربت على نصف عمر الحكم الملكي. ولذا كان مطلب تطبيق الدستور، وإطلاق الحريات التي نص عليها مطلباً دائماً من مطالب الحركة الوطنية وعندما اضطرت الفئة الملكية الحاكمة على السماح بإطلاق الحريات الديمقراطية وإجازة عدد من الأحزاب الوطنية عام 1946 (وحجبت الإجازة عن حزب التحرر الوطني الذي كان الشيوعيون في هيئته المؤسسة)، لم تستطع وزارة توفيق السويدي التي كان وزير داخليتها الوطني الغيور سعد صالح، لم تستطع أن تستمر في الحكم أكثر من ثلاثة أشهر، واضطرت للاستقالة بسبب من إضراب مجلس الأعيان الذي قاده نوري السعيد وصالح جبر بالاتفاق مع البلاط (عبد الاله) وتشجيع الدوائر الاستعمارية البريطانية.

لقد كانت الانتخابات للمجلس النيابي تزوّر باستمرار. وهذه بعض الوقائع التي تدل على حقيقة تلك الانتخابات.

- تحدّى نوري السعيد النواب مرة قائلاً: إن كل النواب جاءوا إلى المجلس بإرادة الحكومة. وإذا كان هناك من يدعي عكس هذا فليقدم استقالته ويخوض الانتخابات مرة أخرى، لنرى هل بإمكانه أن يفوز رغماً عن الحكومة أم لا؟

ولم يستقل أي نائب من النواب استجابة لتحدي نوري السعيد! لمعرفتهم واقع الحال.

- كان المجلس النيابي الذي سبق عقد معاهدة 1930 الاسترقاقية يضم عدداً من النواب الذين قدّر نوري السعيد أنهم لن يوافقوا على المعاهدة التي يعتزم عقدها مع البريطانيين وربما كان بإمكانهم إحباط عقدها، فحل المجلس وأجرى "انتخابات" تضمن له مجلساً طيعاً يوافق على المعاهدة، وهكذا كان.

- قامت وزارة أرشد العمري، التي أعقبت وزارة توفيق السويدي التي أسقطها إضراب الأعيان، باضطهاد الحركة الوطنية، وغلق عصبة مكافحة الصهيونية وإلغاء امتياز جريدتها وسوق قادتها إلى المحاكم، وضرب مظاهرة 28 حزيران 1946 بالرصاص وقتل عدد من المتظاهرين وجرح العشرات منهم، وقمع إضراب عمال النفط في كركوك السلمي بمجزرة كاورباغي في 12 تموز 1946، وتقديم المدراء المسؤولين عن صحف الأحزاب المعارضة إلى المحاكم: كامل الجادرجي عن "الأهالي" وعزيز شريف عن "الوطن" وناظم الزهاوي عن "السياسة" والمدير المسؤول لجريدة "لواء الاستقلال"، وشل الحياة الحزبية. وقد أثارت أعمال الوزارة موجة سخط واسعة حاول أرشد العمري مواجهتها بإعلان حالة الطوارئ غير أن الفئة الحاكمة خشيت من عواقب ذلك. وجاء نوري السعيد ليترأس وزارة جديدة زعمت أنها تريد إجراء "انتخابات حرة". واستدرج حزبي الأحرار والوطني الديمقراطي للمشاركة في الوزارة استناداً إلى وعوده بإجراء انتخابات حرة نزيهة، سرعان ما تكشف زيفها، مما حمل ممثلي الحزبين على الاستقالة احتجاجاً على تزييف الانتخابات.

- ومن الطريف أن نذكر أن جريدة "الرائد" نشرت قائمة بنتائج الانتخابات قبل يوم من إجرائها، وأسماء النواب الذين "سيفوزون غداً" كما أعدتها وزارة الداخلية. وأكدت النتائج ما نشرته الجريدة مع فارق مضحك هو "فوز" سلمان الشيخ داود، وهو نائب حكومي، عن مدينة العمارة بدلاً عن إحدى الدوائر في لواء الدليم (محافظة الأنبار حالياً) في مدينة الرمادي أو الفلوجة!

- وكانت هذه الانتخابات تستهدف المجيء بمجلس يكون مهيأً لإبرام معاهدة جديدة مع بريطانيا تحل محل معاهدة 1930، وتحتفظ بكل قيودها، بصيغ جديدة. وهي المعاهدة التي أسقطتها وثبة كانون الثاني 1948 المجيدة، وأسقطت وزارة صالح جبر وحملته ونوري السعيد، على الهرب خارج العراق ريثما تعود الأوضاع التي تمكّن الفئة الحاكمة من تصفية المكاسب التي حققتها الوثبة المجيدة. وهو ما تحقق بإعلان الأحكام العرفية في أيار 1948 بذريعة إرسال وحدات من الجيش العراقي إلى فلسطين وحماية لمؤخرتها. إذ شنّا أوسع حملة ضد القوى الوطنية الديمقراطية ممهدة بذلك لعودة نوري السعيد لتأليف الوزارة مجدداً ومصادرة الحريات الديمقراطية وشل الحياة الحزبية بالكامل. إذ كانت إجازة حزبي الشعب والاتحاد الوطني قد سحبت في عهد وزارة صالح جبر عام 1947 قبل الوثبة، واعتقل قادة الحزب الشيوعي يوسف سلمان "فهد" وزكي بسيم وحسين محمد الشبيبي والعشرات من كوادره، وصدرت بحقهم أحكام ثقيلة في عهد الوزارة نفسها. أما في صيف عام 1948 وخريفه فقد جرى اعتقال المئات من الكوادر الشيوعية والوطنية الديمقراطية اليسارية. وجرى التمهيد لمحاكمة قادة الحزب أمام محكمة عرفية عسكرية صورية وإعدامهم في 14 و25 شباط 1949. وفي تلك الفترة جمّد الحزبان: الوطني الديمقراطي والأحرار، عملهما معللين ذلك بجو الإرهاب الذي يسود البلاد وعدم رغبتهما في تحميل أعضائهما مصاعب ذلك.

ولم تستسلم الحركة الوطنية للإرهاب، وما إن استطاع الشيوعيون لملمة صفوفهم والعودة إلى ميدان النضال الوطني الديمقراطي حتى عادت الحركة إلى أوساط قوى المعارضة الأخرى، بفعل عوامل عديدة، محلية أو إقليمية وعربية وعالمية (تأميم النفط في إيران وانعكاساته على الوضع في العراق، تصاعد نضال الشعب المصري ضد القوات البريطانية وقواعدها في السويس وإلغاء معاهدة 1936 من قبل حكومة حزب الوفد بقيادة زعيمه الوطني مصطفى النحاس، وقبل ذلك انتصار الثورة الشعبية في الصين عام 1949، وبعد ذلك ثورة يوليو (تموز) المصرية عام 1952، وتعاظم حركة السلم ضد الأحلاف العسكرية وتحريم الأسلحة النووية وغير ذلك).

وحدثت انتفاضة تشرين الثاني 1952 التي أسقطت وزارتين خلال أقل من أسبوع، وواجهتها الفئة الملكية الحاكمة بإسناد الوزارة إلى رئيس أركان الجيش نور الدين محمود، وبإعلان الأحكام العرفية وإنزال الجيش ودباباته إلى الشوارع لقمع المتظاهرين، وشن أوسع حملة اعتقالات شهدتها البلاد حتى ذلك التاريخ. إذ شملت قادة الأحزاب وجمعاً غفيراً من نشطائها وأغلقت الأحزاب والعديد من الصحف. وجيء بعدها بوزارة جميل المدفعي وكان قطبها الفعّال نوري السعيد، التي واصلت الإرهاب وبلغت به مديات فظيعة بارتكابها مجازر سجني بغداد (حزيران 1953) والكوت (آب - أيلول 1953) التي قتل وجرح فيها العشرات من السجناء الشيوعيين العزّل، حتى سقطت "تحت ثقل أوزارها" كما كتب الجادرجي في جريدة الأهالي.

وتحت ضغط الحركة الوطنية جرت انتخابات مجلس النواب في حزيران 1954. وخاضتها الحركة الوطنية لأول مرة في جبهة وطنية انتخابية ضمت الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال والحزب الشيوعي (باسم ممثلي العمال والفلاحين) وأنصار السلام وبعض المستقلين. وأفلحت الجبهة في فرض فوز عشرة نواب للمجلس الجديد. "وكان في الإمكان أن تفوز الجبهة بضعف هذا العدد" كما يقول عبد الرزاق الحسني في كتابه "تاريخ الوزارات العراقية" (ج9 ص125). ويقول كامل الجادرجي في (ص636) من مذكراته "إن عدد مرشحي الجبهة في مختلف أنحاء العراق 37 مرشحاً.. ولولا التزوير، أو بالأحرى منع الناس من الانتخابات لوصل إلى مجلس النواب ما لا يقل عن 30 نائباً من مرشحي الجبهة الوطنية بالإضافة إلى عدد آخر ممن كانوا سيتعاونون معهم"، (نقلاً عن نفس المصدر).

وبرغم قلة عدد نواب الجبهة الفائزين جراء التدخلات الحكومية، ضد مرشحي الجبهة الوطنية، فقد كانوا مدعومين من جمهرة واسعة من أبناء الشعب مما أرعب الفئة الملكية الحاكمة والدوائر الاستعمارية التي خشيت من تكرر ما حدث في إيران عندما ترأس الدكتور مصدق جبهة وطنية أممت النفط. ولذا جرى تعطيل المجلس بعد أول جلسة له. وجيء بنوري السعيد ليؤلف الوزارة في 3 آب 1954 بناء على تدخل السفير البريطاني الذي قال لعبد الاله بشكل فظ: لابد من جلب نوري السعيد ليتدارك الوضع. فطار عبد الاله إلى باريس ليعود بنوري السعيد ويكلفه بتأليف الوزارة. فألّف الوزارة وحل مجلس النواب دون مواجهته ولو لمرة واحدة. ولجأ لفرض ما يريد عن طريق استصدار المراسيم. فأصدرت مرسوم "وما شاكل ذلك" الذي يقضي بالحكم بالحبس لمدة سبع سنوات أو الحبس المؤبد أو الإعدام لكل من يروج الشيوعية "سواء كان ذلك مباشرة، أو بواسطة هيئات أو منظمات تهدف إلى خدمة أغراض المذهب المذكور تحت ستار أي اسم كان: كأنصار السلام والشبيبة الديمقراطية وما شاكل ذلك"!

ومرسوم إسقاط الجنسية خلافاً لما يقضي به الدستور عن المحكوم بتهمة الشيوعية واعتقاله وإبعاده عن العراق، ما لم يقدم تعهداً خطياً بنبذ المبدأ الذي حكم بسببه.

وكان ممن أسقطت جنسيته العراقية بموجب هذا المرسوم: عزيز شريف وعدنان الراوي والدكتور صفاء الحافظ وكاظم السماوي وكانوا كلهم خارج العراق يومذاك، وكامل قزانجي وتوفيق منير اللذين ألقي القبض عليهما وأُبعدا إلى تركيا.

- ومرسوم النقابات العام الذي حُلَّت بموجبه كل النقابات التي كان العمال قد ألغوها سابقاً.

- ومرسوم للجمعيات ألغت وزارة الداخلية بموجبه كافة الجمعيات والنوادي ودور التمثيل المجازة في العراق. وبلغ عدد الجمعيات والنوادي الملغاة 465 مؤسسة كانت منتشرة في بغداد والحلة والديوانية والبصرة وكركوك والموصل.. الخ (تاريخ الوزارات ج9 ص150).

- ومرسوم المطبوعات الذي ألغيت بموجبه إجازات الصحف والمجلات الممنوحة سابقاً على أن يتقدم أصحابها بطلبات جديدة للحصول على امتيازات جديدة. ولم تمنح إجازات لإصدار أكثر من سبع صحف في بغداد بينها واحدة تصدر باللغة الإنجليزية (نفس المصدر ص151).

- والمرسوم الخاص بالاجتماعات والمظاهرات الذي حصر حق إجازة التظاهر والتجمع بوزير الداخلية. كما أعطى للموظفين الإداريين حق تفريق المظاهرات "إذا كان المتظاهرون أو قسم منهم يهتفون هتافات معادية ضد نظام الحكم.. أو يحملون لافتات من هذا النوع".

- احتجت على مرسوم إسقاط الجنسية أحزاب الوطني الديمقراطي والاستقلال والأمة الاشتراكي. وأصدرت بيانات ضده. وكانت نتيجة إصدار بيان الحزب الوطني الديمقراطي في 1/9/1954 أن ألغيت إجازة الحزب في اليوم التالي لصدور بيانه وعطلت جريدته.

- أجرى نوري السعيد الانتخابات في 12 أيلول 1954 وهو "يأمل أن يكون المجلس (الجديد) من حزب واحد قوي ليتمكن بالاستمرار في العمل والحكم" كما ورد في رسالة محمد فاضل الجمالي إلى عبد الاله (تاريخ الوزارات، ج9 ص156). ولاتضاح نواياه بحل المجلس السابق وإصدار المراسيم المناقضة للدستور فقد قاطعت غالبية الأحزاب الانتخابات وحتى حزب الاستقلال الذي شذ عن الأحزاب العلنية وشارك في الانتخابات فقد اضطر رئيس الحزب محمد مهدي كبه على الاستقالة من عضوية المجلس النيابي.

يقول السيد عبد الرزاق الحسني عن هذه الانتخابات ما يلي:

"انتهت الانتخابات الجديدة بمأساة لم يشهد تاريخ البرلمان العراقي نظيراً لها. لعل أغربها أن الشرطة كانت تعتقل كل مرشح غير مرغوب فيه من قبل الحكومة. وعلى هذا فقد فاز بالتزكية مئة وواحد وعشرون نائباً من أصل مئة وخمسة وثلاثين. أما الباقون وعددهم أربعة عشر نائباً فقد فازوا بالانتخاب الصوري" (تاريخ الوزارات ص161).

ولذا سمي هذا المجلس بـ"مجلس التزكية"!

وهكذا ألغت الفئة الملكية والحاكمة بقيادة عبد الاله ونوري السعيد أي مظهر من مظاهر الديمقراطية المشوّهة التي كانت موجودة في العراق. وسدت منافذ تخليصها من التشوه والتعسف والدكتاتورية المبطنة أو المغلفة بغلاف "ديمقراطي" زائف.

وأكدت ذلك بقمعها الدموي لانتفاضة شعبنا تضامناً مع الشعب المصري الشقيق في خريف 1956 واحتجاجها على موقفها المشين الممالئ للعدوان الثلاثي الانكلو فرنسي الصهيوني على مصر الشقيقة. وفرضها حلف بغداد العسكري العدواني على الضد من إرادة الشعب قبل ذلك.

فهل بعد كل هذا يجوز أن ننعت ما قام به النظام الملكي من تشويه للديمقراطية واعتداء على حقوق الشعب وخدمة السياسات الإمبريالية المعادية لمصالح شعبنا والشعوب العربية وشعوب المنطقة، بأنه "تجربة ديمقراطية رائدة"؟!

* * *

أما المعلومات الخاطئة التي وردت في المقال موضوع النقاش قوله: "وقد استمرت الحياة الحزبية بشكلها العلني حتى ثورة 14 تموز 58". إذ لم يكن يوم 13 تموز 1958 هناك أي حزب يمارس عمله بشكل علني.

يقول السيد فاخر جاسم "في أحيان كثيرة تغيب عن الخطاب السياسي المعارض (هكذا بشكل مطلق - الصافي) المهام الأساسية للنضال الديمقراطي في المرحلة الراهنة مثل إزالة الدكتاتورية ورفع الحصار والعقوبات الدولية ومقاومة مشاريع الهيمنة الأجنبية على العراق. ويرجع ذلك إلى مصالح حزبية وفئوية ضيقة تضمر ميول للمصالحة مع السلطة أو تتخوف من إحراج القوى الدولية ذات الاهتمام المباشر بالقضية العراقية". ولا أدري من أين جاء بهذا التقدير المعمم على جميع قوى المعارضة بهذا الإطلاق في حين أن الغالبية الساحقة من قوى المعارضة، إن لم تكن كلها، تضمن خطابها السياسي هذه المهمات؟

ويطالب السيد فاخر جاسم بتقييم "التجربة الديمقراطية في العراق" بعيداً عن "الاحتكام إلى التعصب الإيديولوجي والمصالح الحزبية الضيقة" متهماً "كل القوى السياسية العراقية" بفعل ذلك! فهل فيما عرضته مصالح حزبية ضيقة، وتعصب إيديولوجي، وما هي هذه المصالح؟..

وأخيراً آمل أن يتسع صدر الزميل فاخر جاسم لهذه الملاحظات راجياً أن يعيد قراءة تاريخ العراق الملكي بدقة أكبر.

وإذا كان لابد من تقييم النظام الملكي ككل، وليس "التجربة الديمقراطية الرائدة" المزعومة فيه، فيمكن القول إنه برغم إقامته من قبل الدوائر الاستعمارية البريطانية وخدمته لمصالح هذه الدوائر ومعاداته لمصالح الغالبية الساحقة من أبناء الشعب طيلة ما يقرب من أربعين عاماً، فإنه لم يكن يخلو من بعض الإنجازات التي فرضها نضال شعبنا، وقواه الوطنية الديمقراطية وتضحياتها الجسام.