شيعة العراق

الدور السياسي وعملية الاندماج في المجتمع

 

حنا بطاطو

 

حين نشأت الدولة الحديثة في العراق عام 1921، لم يكن الشيعة يؤلفون كياناً وثيق التماسك من البشر. ورغم أنهم كانوا يمتازون بعدد من الخصائص المشتركة، فقد كانوا منقسمين، شأن غيرهم من سكان العراق، الى عدة جماعات متمايزة، قائمة بذاتها. وفي إطار حالات عديدة، لم يكونوا يعتبرون أنفسهم كشيعة أولاً. فالولاء الأول والأقوى كان للقبيلة والعشيرة. ويصح هذا بشكل خاص على الحال في القرى والسلف (حزمة من المساكن الريفية).

وحتى لو أخذنا الوضع في النجف، المركز الرئيس للمدارس الدينية الشيعية، لوجدنا أن الانتماء الى القبيلة، أو الانتماء الى المحلّة (حيّ المدينة)، كان، من الناحية السياسية، أقوى من رابطة المشاعر الشيعية. لقد هبّ أهالي النجف في العام 1915 في انتفاضة على الأتراك وطردوهم من المدينة. وبقوا متحررين سياسياً مذذاك، الى أن جاء الإنجليز واخضعوا النجف عام 1917. خلال فترة التحرر هذه لم تتحول النجف الى - دولة - مدينة شيعية (بالمعنى الديني) أو إسلامية. الواقع أن كل واحد من أحيائها الرئيسية الأربعة بات مستقلاً. وما يزال دستور أحد هذه الأحياء، وهو حي البراق، محفوظاً. وقد جاء في فقرته الأساسية: نحن سكنة حي البراق... قد اجتمعنا وصرنا متحدين، ومن دم واحد، نتبع بعضنا البعض إذا ما حصل أي طارئ لمحلتنا من المحلات الأخرى(1).

وتشير الفقرات الأخرى في الدستور، بجلاء، الى أن التنظيم الاجتماعي للمحلة (الحيّ) يقوم على القبيلة، وأن قيم هذا التنظيم قبلية في الجوهر. وتركزت السلطة في يد رئيس الحيّ. ولم يسند الدستور أي دور سياسي للمرجعية (أعلى سلطة دينية للشيعة)، بل إنه لم يأت على ذكر هذه المؤسسة الدينية، التي تؤلف قوام أي كيان شيعي حقيقي.

وبالطبع فإن سكان النجف كانوا واعين لأنفسهم باعتبارهم شيعة. غير أن تشيعهم لم يكن من النمط الديناميكي، من الناحية السياسية، في الأقل. بتعبير آخر، لم يشعر أهالي النجف أنهم بحاجة الى أن يعطوا هويتهم الشيعية تعبيراً سياسياً. وينطبق هذا القول بقوة أكبر على الفلاحين الشيعة الذين يؤلفون غالبية السكان الشيعة.

أما فكرة النظام السياسي الشيعي، أو الدولة الإسلامية التي يشرف عليها مرجع من المراجع نيابة عن الإمام الغائب، فقد كانت موجودة كتصور مثالي، غير محدد، لدى العلماء.

لاينبغي الاستنباط من هذه الأحكام السالفة أن المراجع الشيعية - أي كبار الفقهاء الشيعة النافذين - كانوا بلا أي نفوذ سياسي على اتباعهم المؤمنين. الواقع أن عدداً منهم لعب دوراً قيادياً في تحريك ثورة العشرين (1920) التي قام بها رجال القبائل الشيعية في الفرات الأوسط على الإنجليز. ولكن ينبغي أن نتذكر دوماً أن هذه المناطق التي كانت متاخمة للعتبات المقدسة في النجف وكربلاء، تجاوبت مع رغائب المراجع في الثورة، كما كانت لها أسبابها الخاصة في التذمر(2). فالفتوى التي أصدرها المراجع وقتذاك بالجهاد ضد المحتلين لم تحظ، مثلاً، بأي تجاوب من القبائل الشيعية البعيدة عن العتبات المقدسة، والقاطنة على ضفاف دجلة أو نهر الغراف أو شط العرب.

ويرجع ضعف تأثير المراجع على الفلاحين الشيعة القاطنين على ضفاف هذه الأنهر (دجلة والغراف وشط العرب) الى غياب أي أثر للدين المنظم.

وعلى سبيل المثال لم يكن هناك أي أثر، حتى أواخر عام 1947، لأي مؤسسة دينية واحدة في المناطق الريفية الشيعية على ضفاف دجلة والغرّاف(3)، أي غياب أي جامع أو مدرسة دينية أو حسينية(4). لكن السادة القبليين، المقيمين، استخدموا مضايفهم كنوع من جامع أو حسينية. أما القرى الأخرى فقد كان الوعاظ الجوالون يفدونها من المدن القريبة. لكن الكثير من هؤلاء الوعاظ أو السادة لم يكونوا مبعوثين مخولين من المراجع، وكانوا يروجون، في غالب الأحوال، الخرافات. ويمكن أن نعزو جهل أبناء القبائل الفلاحين بالمعتقدات الأساسية للمذهب الشيعي، وضعف التزامهم بالصلاة وغيرها من فروض الإيمان، الى قلة الجوامع والمدارس الدينية وسطهم.

إن ضعف سلطة المراجع على غالبية الفلاحين الشيعة يرجع في الواقع الى أن أغلب العلماء وطلاب الدين الشيعة في العراق هم، خلافاً للفلاحين، من أصول غير عربية. وهذه حقيقة يعترف بها الأصوليون الشيعة صراحة، ويتأسون عليها تماماً(5). ويروي العراقيون حكاية من عام 1920 عن أبو القاسم الكاشاني، أحد أبرز المراجع الدينية يومذاك. لقد أُرسل من كربلاء الى منطقة من مناطق الفرات الأوسط لإقناع رؤوساء العشائر فيها للثورة بالسلاح، لكن تمكنه من العربية كان على درجة من الضعف بحيث لم يفقه أحد من الحاضرين مايريد إبلاغه لهم. غير أن لغة الإشارة التي استخدمها أسعفته آخر الأمر على إيصال المعنى المطلوب.

أدت كل هذه العوامل الى ضعف الحس بالهوية الشيعية، والافتقار الى تلاحم طائفي بين الشطر الأعظم من الفلاحين الشيعة، مما أفضى بدوره، بفعل عوامل إضافية منها ضعف أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتشبثهم في مناطق ريفية معزولة، أو ضعيفة الاتصال، إلى انعدام فاعليتهم السياسية بشكل محسوس.

أما الشيعة الحضر فقد كانوا يحملون مشاعر شيعية أقوى، إلا أن وزنهم العددي لم يكن بذي بال، بالمعايير النسبية، وبخاصة حيث يمكن لهذا الثقل أن يكون حاسماً من الوجهة السياسية - أي في بغداد.

قبل الحرب العالمية الأولى، كان اليهود يتمتعون بالأغلبية، ويقدر عددهم على الأرجح بنحو 53 ألفاً من إجمالي سكان بغداد الذي يقدر بنحو 150 ألفاً، وكانوا علاوة على ذلك يبسطون سيطرتهم على التجارة في المدينة(6). غير أن السنة كانوا الأهم من الناحية السياسية. وكانوا يشكلون العمود الفقري لطبقة ملاك الأرض، ويؤلفون الأغلبية في الإدارة الحكومية. أما الشيعة فلم يزيدوا عن خُمس سكان بغداد، وكانوا ينتمون، على العموم، الى أفقر فقرائها. وكانوا يسكنون في أحياء منفصلة، ويعيشون حياة مستقلة خاصة بهم، ونادراً ما يختلطون بالسنة أو يتزاوجون معهم.

ولعل المنعطف الأبرز لعملية التكامل الاجتماعي السياسي للسنة والشيعة يتمثل في الغزو الإنجليزي خلال 1914 - 1918، أو بالأحرى المقاومة التي أذكاها هذا الغزو والتي بلغت ذروتها في الانتفاضة المسلحة عام 1920. فقد تنادى الشيعة والسنة لكي يعملوا وينسقوا معاً، وذلك لأول مرة منذ قرون. وشهدت بغداد احتفالات دينية شيعية - سنية مشتركة لا سابق لها في بغداد في كل الجوامع الشيعية والسنية على التوالي: ونظمت الموالد النبوية (حفل ديني في ذكرى مولد الرسول) كما نظمت التعازي الشيعية (في ذكرى استشهاد الإمام الحسين) عل التعاقب في المسجد الواحد. وبهذه الصلة التي أنشئت بين السنة والشيعة، مهما كانت طفيفة، انطلقت صيرورة جديدة هي: النمو العسير، الواهن حيناً، والمتقطع حيناً، للوحدة الوطنية العراقية.

يرجع التعاون بين الشيعة والسنة في ذلك المنعطف التاريخي الى الوضع الناشئ عن الاحتلال الإنجليزي، غير أن الفضل في الفعل الواعي وراء هذا التعاون يرجع بالأساس الى التاجر الشيعي، البغدادي، جعفر أبو التمن. وقد ركز فكره ونشاطه لتحويل هذا التعاون الظرفي الى واقع سياسي دائم. إذ لم يكن هناك، برأيه، من سبيل آخر لكسر النفوذ الإنجليزي. وقد حاول بعض السياسيين الشيعة جره مراراً، الى النشاط الطائفي، فأدار لهم ظهره بإصرار. وكرس جعفر أبو التمن جهود الحزب الوطني لتحقيق هذين الهدفين المترابطين، وهما وحدة الشيعة والسنة، وتصفية النفوذ الإنجليزي. ولعب الحزب الوطني دوراً هاماً خلال العشرينيات، والنصف الأول من الثلاثينيات في ترسيخ الوعي الوطني العراقي.

ولعب النظام الملكي الهاشمي، الذي تأسس عام 1921، دوراً هاماً في هذه العملية. وبرغم أن هذا النظام كان صنيعة الإنجليز، فإنه عمل، باختياره أو بحكم الضرورة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الربط بين الشيعة والسنة، ودمج الشيعة في النظام السياسي. وتحقق ذلك بفعل عمليات بادرت الملكية إليها، أو عمليات شاركت فيها.

تحركت الملكية الهاشمية، بفعل ارتباط مصالحها كأسرة مالكة بمصائر الحركة العروبية منذ مبتداها، لتركز كل غريزة البقاء، خلال العقدين الأولين من عمرها، على تطوير حركة بناء الأمة في العراق، (بحدود ما كانت تسمح به وضعيتها التابعة). انطلاقاً من هذا التصور، كما من ضرورات تلبية حاجاتها الإدارية، وسّعت الملكية المنشآت التعليمية القائمة في المناطق الشيعية والسنية توسيعاً كبيراً، وعملت بصورة منهجية، على اذكاء مشاعر الوطنية والتعاطف الحي مع المثال العروبي وعبر مناهج الدراسة. وكان الملك فيصل الأول حريصاً، حرص جعفر أبو التمن، على وجوب زرع الروابط المتينة، لوحدة الشعور والأهداف، بين مختلف عناصر المجتمع العراقي. وإذا كان يدرك مدى أهمية كسب ثقة الشيعة لمستقبل البلد، وينزعج أيما انزعاج من نصف الحقيقة الواردة في عبارة إن الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والوظائف للسني (التي سمعها آلاف المراتحسب قوله في المذكرة السرية التي كتبها)(8) فقد بذل قصارى جهده لربط الشيعة بالدولة الجديدة، وتسهيل دخولهم في السلك الحكومي. وقام الملك فيصل الأول بإجراءات أخرى، بينها إدخال الشباب الشيعي الواعد في برنامج تعليمي مكثف، وفتح الفرصة أمامه للارتقاء الى مواقع المسؤولية. وجاهد الملك أيضاً، (الذي كان يعتبر الجيش العمود الفقري لبناء الأمة(9)) لتعميم مبدأ الخدمة العسكرية على النطاق الوطني كله وذلك، جزئياً، لتخفيف العبء المالي عن الدولة، ولكن أيضاً بأمل تحويل القوات المسلحة الى وسيلة فعالة في خلط الشيعي مع السني، والقبلي مع الحضري، بما يضعف حبال ارتباط الجماعات بمراسيها الطائفية، ويضعف سلطة شيوخ العشائر على فلاحيهم، ويزيل الحواجز، الثابتة، الصلبة بين العشائر - وهي جميعاً شرط مسبق لاندماج هؤلاء في الحياة الوطنية.

وباختصار، كانت الملكية، في المستهل، تقف رسمياً وتمارس عملياً النشاط في سبيل المثل الأعلى لتكامل الجماعة الوطنية، أي الشعب العراقي الواحد.

غير أن التوجه السياسي للملكية تغير بعد عام 1941. لقد انحازت الأسرة الهاشمية الى صف الإنجليز في خلال الحرب الأنجلو - عراقية في تلك السنة، فقوضت بذلك وضعها كرمز للأمة في نظر الوطنيين وسكان المدن. وإذ فقد العرش قبول أهل المدن، فقد ربط مصائره ربطاً وثيقاً بمصائر الإنجليز وشيوخ العشائر، فطور بذلك مصلحة حية باستمرار الصلة مع الإنجليز واستمرار النظام القبلي. علاوة على ذلك، أتاح العرش انتقال أراضي الديرة القبلية، وأفضل الأراضي الأميرية (الحكومية) الى حيازة الشيوخ الحصرية. وبهذه الزيادة في سيطرة الشيوخ الطفيلية أساساً، على الزراعة، وابقاء القرى خالية من أية سيطرة حكومية، أتاحت الملكية للشيوخ أن يثقلوا كاهل الفلاحين بدرجة أكبر. وأصبح الشيوخ رمزاً لاحتدام اللامساواة الاقتصادية التي غدت، في العقد الأخير من العهد الملكي، تعرقل، بقوة أكبر مما تفعل القبلية، تكامل الأمة، واندراج الفلاحين الشيعة والسنة في النطاق القانوني للحياة الوطنية.

بتعبير آخر، كفت الملكية عملياً عن لعب دور اجتماعي توحيدي، رغم أنها استمرت في ترسيخ العوامل المادية التي تعزز الدولة وتزيدها قوة، وذلك من خلال شق الطرق، وبناء السدود والخزانات، وتوسيع أجهزة الأمن، وأجهزة الإدارة الحكومية، بفضل الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط.

ونشأت تطورات أخرى هامة في العهد الملكي أدت، بصرف النظر عن نوايا العرش، الى خلق أثر تراكمي زاد من الأهمية الكامنة للشيعة، وقلل في الوقت نفسه، من حسّهم بالانتماء الديني، وعزز عملية اندماجهم في المجتمع.

فمن جهة، راكمت العوائل الشيعية، الحضرية والقبلية، ذات المداخيل العليا، جبروتاً اقتصادياً معتبراً. من ذلك صعود التجار الشيعة الى المرتبة الأولى في التجارة ببغداد بعد تسفير اليهود عام 1949. ففي السنة المالية 1935، لم يكن هناك سوى تاجرين شيعين من ثمانية عشر مقعداً في الهيئة الإدارية لغرفة تجارة بغداد، لكن عددهم ارتفع في السنة المالية 1957 الى 14 من 18 مقعداً(10). ولما كان بلوغ مناصب حكومية شديد الصعوبة على الشيعة عموماً، فيما مضى، قياساً الى حال الحضر السنة، فقد توجه كثرة من شيعة المدن الى التجارة وابدعوا في فنها أيما ابداع. وأدى ما أصابهم من ثراء الى تعزيز دور أقرانهم الشيعة في شؤون الدولة، علماً أن مواقع هؤلاء الأخيرين نشأت بفضل ارتفاع مؤهلاتهم التعليمية. وهكذا نجد أن نسبة الوزراء الشيعة لم تزد عن 17.7% من الحقائب الوزارية خلال العقد الأول من العهد الملكي، في حين أنها بلغت 43.7% خلال العقد الأخير من هذا العهد(11). غير أن دورهم في الحكومة لم يكن حاسماً.

هناك تطور آخر ينبغي تسليط الأضواء عليه: لقد كان الشيعة يشكلون الأغلبية في البلاد كلها، لكنهم، بحلول ثورة تموز 1958، باتوا يشكلون أغلبية في العاصمة بغداد أيضاً (وما يزالون الى الآن يشكلون الأغلبية فيها، إذا ما أقصينا الـ600 ألف عامل مصري ممن تدفقوا على العاصمة وجوارها منذ عام 1973). وجاء تكاثر الشيعة عددياً ليصبحوا الأغلبية في بغداد ثمرة الهجرة الهائلة للفلاحين من أبناء العشائرمن الريف، بفعل عوامل عديدة بينها جاذبية الحياة في المدينة، وعظمة الفارق في دخل عامل المدينة عن دخل فلاح الريف، والطابع القمعي لنظام الشيوخ في لوائي الكوت والعمارة الشيعيين، وجفاف النهيرات المتفرعة عن دجلة نتيجة التطور العاصف لنظام السحب بالمضخات في مناطق الكوت وبغداد.

إن الهجرات الكبرى للفلاحين، وما رافقها من تيارات تضخمية (نشأت عن شح السلع خلال الحرب العالمية الثانية والطفرة النفطية في الخمسينيات) أثرت تأثيراً عميقاً على شغيلة المدن الفقراء، ودفعتهم الى التأثر، سوية مع أعداد كبيرة من المهاجرين، بنفوذ الشيوعيين، الذين نمت صفوفهم أواخر الأربعينيات وخلال الخمسينيات، وتغلغلوا عميقاً في صفوف الشيعة الى درجة أن خلاياهم تكاثرت حتى في مدينة النجف الأشرف، مما أثار خوف العلماء الشيعة، المحافظين. وأخذ الشيعة يلعبون، من خلال موقعهم في الحزب الشيوعي، دوراً ملفتاً للنظر في تاريخ العراق.

فخلال الفترة الثورية (1958 - 1959)، التي بلغ فيها الشيوعيون ذروة النفوذ، شغل الشيعة معظم المواقع الحاسمة في جهاز الحزب الشيوعي، بما في ذلك موقع السكرتير الأول ومواقع مسؤولي مناطق بغداد والفرات الأوسط، والمكتب الفلاحي، والتنظيم العسكري. وبالطبع فإن الشيوعيين الشيعة تصرفوا كشيوعيين، إلا أنهم في انتمائهم هذا لم يكفوا تماماً عن كونهم شيعة.

وكان ثقل الشيعة في حزب البعث كبيراً أيضاً في الفترة من تأسيس فرع الحزب في العراق عام 1952 حتى سقوط أول حكم للبعث في تشرين الثاني 1963. فمن مجموع 52 عضواً قيادياً في البعث خلال هذه الفترة، كان 53.8% منهم من الشيعة(12)، بمن في ذلك فؤاد الركابي، الأمين العام للحزب من 1952 حتى 1959، وعلي صالح السعدي، أمينه العام من 1960 حتى 1963. وبالمناسبة فإن السعدي من أصول فيلية، أي من الأكراد الشيعة.

إن انتشار الأفكار والقيم العلمانية الشيوعية والبعثية وسط المثقفين الشيعة، وشرائح من شيعة المدن، أضعف، بالطبع، سطوة المعتقدات الشيعية القديمة عندهم، كما أضعف تمسكهم بالمعايير والممارسات التقليدية.

وقد عززت ثورة 1958 هذا الميل في البداية. كما رسخت عملية اندماج الشيعة في الجسم السياسي. فقد عملت أولاً على ادراج الفلاحين سكنة الأرياف وسكان المدن - شيعة وسنة - تحت مظلة قانونية واحدة. والمعروف أن جل سكنة الأرياف كان يخضعون، قبل 1958، الى ضوابط قانون المنازعات العشائرية، التي وضعها الإنجليز عام 1918، وأصروا على تشريعها قانوناً رسمياً في العهد الملكي. وحين ألغت ثورة تموز قانون المنازعات العشائرية، فإنها أخضعت سكنة الأرياف السنة والشيعة لمفعول القانون الوطني العام. زد على هذا أن الثورة عززت آفاق وقيمة تلاحم الفلاحين الشيعة والسنة مع بقية المجتمع، وذلك بتحويل الكثير منهم الى ملاكي أرض، وتقديم العون لهم، على قلته، في ممارسة الزراعة، وتأمين التعليم، والكهرباء، والخدمات الصحية للقرى، وتقويض السلطة الاجتماعية لكبار الشيوخ.

غير أن ثورة تموز عنت أيضاً بداية الهيمنة السياسية لضباط الجيش، أي عنت، في الواقع، الصعود المحتوم لتلك العوائل التي ينحدر منها ضباط الجيش الى مواقع غانمة - نعني عوائل الطبقة الوسطى القاطنة في البلدات الطرفية لمناطق الشمال والشمال الشرقي، العربي السني، أو العوائل التي انتقلت قريباً من هذه البلدات الى بغداد. أما بعد سقوط نظام حكم الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1963، فإن هذه العوائل تحولت عموماً الى الوسط المحدد الذي ينحدر منه شاغلو مواقع المسؤولية في الحكومة والجيش.

لقد كان الزعيم عبد الكريم قاسم نسيج وحده. فهو ينحدر من الجنوب، من أبوين مختلطين، أب سني عربي وأم كردية فيلية (شيعية). ولم يستمد المساندة من ضباط مناطق الشمال والشمال الشرقي، لكنه استطاع أن يسود لفترة بأن يوازن ثقل هؤلاء الضباط وحلفائهم القوميين بالثقل المضاد لقوى الشيوعيين، كما اعتمد أساساً على عامة الجنود، وبخاصة جنود لوائه هو، الذين ينحدر أغلبهم من أوساط فقراء الشيعة.

كان عام 1963 عاماً بالغ الأهمية لسببين آخرين. فهو العام الذي شهد تصفية الكادر القديم للحزب الشيوعي على يد البعثيين. وقد أدى ذلك الى إضعاف الحزب الشيوعي بدرجة كبيرة، مما شكل، بمعنى ما، إضعافاً للدور السياسي للشيعة. وأن عام 1963 هو أيضاً العام الذي فقد فيه الشيعة نفوذهم في حزب البعث، الذي تميز قبلئذ، وبدرجة ملحوظة، بمعلم الشراكة الأصيلة بين الشباب العروبي، السني والشيعي على حد سواء. وقد هبطت نسبة القياديين الشيعة من 53.8% أعوام 1952 - 1963، الى 5.6% خلال فترة 1963 - 1975(13).

ومن أسباب هذا التدهور الكبير في مواقع الشيعة داخل قيادات حزب البعث طرد العديد منهم من الحزب بسبب تأييدهم القائد البعثي علي صالح السعدي خلال تصادمه مع الجناح العسكري للحزب في تشرين الثاني1963. لكن السبب الرئيسي لهذا التدهور في المواقع القيادية للشيعة في حزب البعث يرجع الى الممارسات التمييزية التي اتبعتها أجهزة الأمن. فقد عمدت هذه الأجهزة، بعد انقلاب عبد السلام عارف عام 1963، على ملاحقة الشيعة بقسوة أكبر قياساً الى رفاقهم السنة، ومعاملتهم معاملة ضارية لدى القبض عليهم. وإن هذا السلوك التمييزي من جانب الأمن يجد تفسيره في التحامل الطائفي لدى القائمين على أجهزة الأمن، كما يجد تفسيره في واقع أن البعثيين السنة ينحدرون من نفس بلدة أو محافظة أو حتى قبيلة أفراد الأمن، نظراً لأن أقسام المديرية العامة للأمن كانت تعجّ بضباط ومراتب من المحافظات الشمالية والشمالية الشرقية التي ينحدر منها أولئك القادة.

أدت هذه التطورات كلها الى تأثر الشيعة المتضررين بأفكار حزب الدعوة الإسلامية، وهو حزب شيعي أصولي، أخذ نشاطه يزداد في أواخر الستينيات. واكتسب حزب الدعوة، الذي يقوده علماء دين يتحدرون من الفئات الوسطى، زخمه خلال فترة الجفاف التي ضربت المناطق الشيعية أواسط السبعينيات إثر بناء سد الطبقة في سوريا، وما تلاه من انخفاض منسوب المياه في نهر الفرات. أدى الجفاف الى دمار بساتين الثمار ومحاصيل الرز، وإنزال الأضرار بمئات الآلاف من الفلاحين الشيعة. وجاء اندلاع الثورة الإيرانية 1978 - 1979 ليعطي حزب الدعوة محفزاً إضافياً، يدفعه باتجاه التجذر الراديكالي في أساليب الصراع(14).

تحركت حكومة البعث، التي وصلت الى السلطة عام 1968، بسرعة وشراسة لمواجهة تحرك الدعوة. واتبع قياديها الأول، صدام حسين، تاكتيكين. فمن جهة ضرب اتباع الدعوة بعنف، ومن جهة أخرى، عرض على العلماء الشيعة المكافآت، وانفق ملايين الدنانير على العتبات المقدسة، والجوامع، وغير ذلك من الشؤون الدينية. وقد نجح في إضعاف حزب الدعوة بشكل حاسم عشية اندلاع الحرب بين العراق وإيران.

زد على هذا أن صدام حسين، الذي لا ينطلق من تفكير طائفي، بذل جهوداً محمومة لكسب الشيعة الى حزب البعث وإدخالهم في صفوفه، وربطهم بنظام حكمه. الواقع أن هناك، الآن، عدداً كبيراً من الشيعة في المراتب الدنيا والوسطى من تنظيمات الحزب، لكن حضورهم في المواقع الحاسمة ضعيف. فخلال الفترة 1968 - 1977 لم يكن هناك شيعي واحد في مجلس قيادة الثورة، وهو الهيئة الأعلى لرسم السياسة. أما خلال الفترة 1977 - 1979، فلم يكن هناك سوى ثلاثة من الشيعة في هذا المجلس، المؤلف من 22 عضواً وهناك الآن عضوان شيعيان من مجموع تسعة أعضاء. كما أن هناك أربعة قياديين شيعة في القيادة القطرية المؤلفة من 15 عضواً. ولكن خلافاً للبعثيين الشيعة في مرحلة ما قبل 1963، لا يتمتع القياديون البعثيون الشيعة حالياً بأية قاعدة سلطة خاصة بهم. فنفوذهم غير أساسي، وهو ينبع أصلاً من ارتباطهم بصدام حسين أو ولائهم له. ولكن هذا الحال يصح أيضاً على السنة من أعضاء مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية للحزب.

بتعبير آخر، إن غياب أية مشاركة فعلية للشيعة في العملية السياسية هو عاقبة من عواقب سلطة صدام حسين المطلقة.

هذا الوضع يحمل بذور متاعب كامنة للحاكم العراقي، وقد يؤدي الى إحياء حزب الدعوة، والتشيع السياسي، في حالة تعرض العراق الى هزيمة حاسمة على يد إيران، أو إذا أدى المأزق العسكري المستمر بين البلدين الى إضعاف القدرات الاقتصادية والسياسية للنظام بصورة نوعية.

 

ترجمة: فالح عبد الجبار

 

هوامش

* نشر هذا البحث كفصل في كتاب: ISlamic Impulse، لندن، كروم هيلم، 1987. حرر الكتاب باربره فراير ستوواسر.

(1) للإطلاع على نص هذا الدستور انظر، بريطانيا العظمى، تقارير الإدارة لأقسام ومناطق أراضي وادي الرافدين المحتلة، للعام 1918 (1919).

وللإطلاع على مقتبسات من هذا الدستور، انظر كتابي: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق، پرنستون، 1978، ص1920.

(2) انظر كتابي: الطبقات الاجتماعية، ص174175.

(3) للاطلاع على المزيد بصدد العوامل التي تفسر ندرة المؤسسات الدينية في الأرياف الشيعية، انظر مقالتي: الحركات الشيعية السرية في العراق: خصائصها، أسبابها، آفاقها مجلة Middle East Journal السنة 35، العدد الرابع (خريف 1981)، ص582584.

(4) الحسينية مؤسسة شيعية يؤمها الشيعة، وبخاصة في شهر محرم الحرام، حزناً على استشهاد الإمام الحسين.

(5) انظر: أحمد الكاتب: تجربة الثورة الإسلامية في العراق، طهران، 1981، ص155151.

(6) انظر كتابي، الطبقات الاجتماعية، حواشي ص244.

(7) المرجع السابق، ص294297.

(8) للاطلاع على نص المذكرة التي كتبها الملك فيصل الأول في آذار 1933، انظر، عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، طبعة صيدا، 1953، ص286293.

(9) المرجع السابق، ص290.

(10) كتابي: الطبقات الاجتماعية، ص271.

(11) المرجع السابق، ص47.

(12) المرجع نفسه، ص1080.

(13) المرجع نفسه.

(14) للمزيد عن حزب الدعوة، راجع مقالي المذكور في: Middle East Journal ص578594.

 back