مات حّنا بطاطو وفي نفسه بقايا عراقية الصلة:

ذكريات صداقة

 

صالح جواد الطعمة

 

تعود علاقتي الشخصية بالمرحوم حنا بطاطو (1926 2000) إلى عام 1953 حين بدأنا دراستنا معاً في جامعة هارفرد في حقلين مختلفين : حقله بادئ الأمر الدراسات الروسية وحقلي ما يسمى في العراق بالطرق الخاصة (في تدريس اللغة والأدب) وقد بعثت لدراسته على نفقة وزارة المعارف بإصرار المرحوم الدكتور ناصر الحاني / مدير البعثات آنذاك، بينما كان حنا يدرس على نفقته الخاصة بشيء من المشقة.

وقد بدأت علاقتي به من توقع، إذ التقيت به أول الأمر عاملاً في مطعم، وازدادت عمقاً عندما عشنا معاً سنتين (1955 - 1957) في شقة تقع في شارع اليري ELLERY القريب من الجامعة، والتقينا حين زار العراق 1957 1958 للقيام ببحثه الميداني المشهور، وأتيح لي أن أتحدث إليه آخر مرة قبل رحيله بأشهر في أوائل 2000 بعد محاولات عدة للاتصال به بمناسبة زيارة صديقنا المشترك المفكر المصري الأستاذ تحسين بشير لمدينتنا " بلومنكتن" في كانون الأول (ديسمبر) 1999، وكان يود التحدث إلى المرحوم حنا قبل عودته إلى مصر.

 

ـ 1 ـ

تعرفت على الصديق حنا أول الأمر في مطعم صغير يقع على مقربة من مكتبة وايدنر الشهيرة حيث كنت أتناول الغداء مع بعض الأصدقاء العرب، وكان حنا كما عرفت فيما بعد مضطراً إلى أن يعمل في المطعم خلال سنته الجامعية الأولى مسؤولاً عن تنظيف المواد فتوقف وقد سمعنا نتحدث بالعربية عند مائدتنا للتعرف علينا.

ولا أظن أني بحاجة إلى الوقوف طويلاً عند محنة حنا وأمثاله من اللاجئين أو المشردين الفلسطينيين لا سيما في السنوات الأولى بعد نكبة 1948، وحسبي أن أشير إلى أن الصديق حنا قضى شطرًا من حياته يعمل في مجالات مختلفة من أجل مواصلة دراسته في جامعة باهظة التكاليف كجامعة هارفرد، وإنه بالرغم من تفوقه الأكاديمي لم يجد آنئذ دعماً أو مساعدة من مؤسسة عربية، وأن الفضل في دعمه أو مساعدته بعد سنته الأولى يعود إلى جامعة هارفرد التي منحته عددًا من الزمالات مما أتاح له التفرغ النسبي لدراسته حتى عام 1960 حين نال شهادة الدكتوراه.

لقد كان في الجامعة عدد قليل من الطلاب العرب يدرسون مثلي على نفقة حكوماتهم أو نفقتهم الخاصة إن كانوا من ذوي اليسر. وأذكر على سبيل المثال لا الحصر ابراهيم يوسف المنصور، عبد الرحمن الحبيب، عباس النصراوي وعبد الواحد لؤلؤة (من العراق) وتحسين بشير ومحمد عبد الحي شعبان (مصر) وزيد الرفاعي وجوزفين بشارات (الأردن) وزياد الشواف (السعودية). وكنّا نلتقي بين حين وآخر نتبادل الحديث حول قضايا الساعة وهمومنا العربية، أو نقوم ببعض الفعاليات الثقافية التي تسعى إلى التعريف بحقوقنا المشروعة في فلسطين والكفاح الوطني ضد الاستعمار في مصر والمغرب العربي الكبير، وإسهامات العرب أو المسلمين الحضارية مؤمنين بشيء من التفاؤل أو السذاجة بقدرتنا على الحدّ من الصورة المشوهة لقضايانا وحضارتنا. وكان للصديق حنا دور فعّال في إلقاء المحاضرات العامة أو المشاركة في مناظرات أو ندوات محورها غالباً القضية الفلسطينية.

ولعلني لا أبالغ إن قلت بأنه كان موضع إعجاب كل من عرفه من الطلبة العرب، لا بفضل مؤهلاته العلمية المتعددة بما فيها كفاءته اللغوية وخطابه الهادئ المتزن فحسب، بل لما عرف به كذلك من دماثة الأخلاق والاستقامة وعزة النفس والتواضع في علاقاته الشخصية.

 

ـ 2 ـ

لقد ازدادت معرفتي بالصديق حنا عمقاً بعد انتقالنا إلى شقة عشنا فيها سنتين (1955 - 1957) حاولنا خلالهما التعاون في تحمل المسؤوليات: وكانت مسؤوليتي الرئيسة إعداد الوجبات وشراء ما نحتاج إليه من المواد الغذائية بينما تحمل الصديق حنا مسؤولية غسل الصحون وأدوات الطبخ أو "جلي الأواعي" كما يقول في لهجته الفلسطينية المحببة، كما حاولنا - قدر المستطاع التعاون في سبيل توفير الجو الهادئ الذي يكفل له التفرّغ إلى دراسته، وفي سبيل تجنّب اللقاءات الاجتماعية في شقتنا إلاّ عند الضرورة القصوى وذلك لأنه كان ينشد استغلال وقته إلى أبعد حد ممكن في متابعة مساعيه الأكاديمية معتزلاً في غرفته ساعات طويلة كل يوم، أو لعدة أيام أحياناً. ولهذا كان يحرص أشد الحرص على ألاّ يجد نفسه مقحماً في جلسات سمر، أو ما لا يجدي نفعاً من الأحاديث أو التعليقات. ومن المعلوم أن هذا اللون من الحرص والميل إلى العزلة ظلاّ يلازمانه في مختلف مراحل حياته.

ليس من حقي التحدث عن مدى نجاحي الشخصي في توفير ما كان يطمح إليه حنا من العزلة والانقطاع إلى دراسته في الشقة ولكني أعترف بأنه لم يكن من اليسير دائماً تفادي ما يكدر الجو المنشود لأسباب عدة منها زيارات الأصدقاء غير المتوقعة، واضطرارنا إلى الجلوس في غرفة الاستقبال المجاورة لغرفته.

أما ما يتصل بمسعاه الأكاديمي في هذه المرحلة (1955 1957) فلا بد من الإشارة إلى بضعة أمور:

أولاً: تحوله من حقل الدراسات الروسية بعد حصوله على درجة الماجستير إلى التركيز على شؤون العالم العربي المعاصر والتاريخ الإسلامي.

ثانياً: ما لمست فيه من اهتمام بالعراق ماضيه وحاضره، وحرص على تقصي الجوانب المختلفة لتكوينه الاجتماعي والسياسي والديني. وقد تجلّى هذا الاهتمام بصفة خاصة في أحاديثنا التي كنّا نتبادلها، يومياً تقريباً، عتد تناولنا الطعام أو في فترات الاستراحة، أو كان ما يثير من أسئلة ، أو في محاوراته مع من تعرف عليهم من الطلبة العراقيين في الجامعة وأخص بالذكر الصديق عباس النصراوي.

ثالثاً: نهجه العلمي الدقيق في البحث والدراسة وقد أعجبت به أشد ألا عجاب، كان من عادته أن يتقصى كل ما يمكن الإلمام به من معلومات أو الحقائق التي تمس أي بحث كان يعده، وأن يتريث في الكتابة، وأن يعيد النظر فيما يكتب. وكان يتذمر من ضيق الوقت المخصص لتقديم بحوثه ويطلب أحياناً إلى أساتذته السماح له بتأجيل تقديمها حتى يفيها حقها من التقصي والتحليل، علماً بأني لم أسمعه يوماً يعلن عن ارتياحه التام إلى بحث أعدّه حتى وإن نال أعلى درجة. وكان كثيراً ما يستغرب من ظاهرة تعدد المؤلفات لبعض الأساتذة أو الكتاب، مشيراً بين حين وآخر إلى رغبته في أن يستطيع تأليف كتاب واحد يتميز بأصالة إسهامه وتقصيه الشامل لموضوعه ...

إن افضل مثل يعكس نهجه كما عرفته هو بحثه عن العراق الذي بدأ به في أواسط الخمسينيات وقدمه رسالة للدكتوراه عام 1960 ثم نشره كتاباً عام 1978، وأغلب الظن انه كان يريد التأني في نشره لولا المتطلبات الجامعية لترقية الأساتذة، غير انه رحل عنّا وفي نفسه بلا شك "بقايا" مما كان يريد أن يقوله عن العراق.

 

ـ 3 ـ

حنّا بطاطو في بغداد (1957 1958)

عدت إلى العراق في صيف 1957 وعينت في كلية التربية مدرساً ومسجلاً (أو معاون عميد لشؤون التسجيل)، وتركت الصديق حنّا يستعد للقيام ببحثه الميداني في العراق، وتأمين تكاليف سفره وإقامته في بغداد، ولم يكن لديه سوى منحة زهيدة من جامعة هارفرد. غير انه استطاع بفضل معونة صديقنا المشترك عبد الحميد الدامرجي (وكان حنّا ولا يزال - موضع الدامرجي واحترامه) أن يسافر برفقته إلى العراق وأن يقيم في مسكنه في بغداد قبل انتقاله إلى غرفة للإيجار في بيت مجاور ( كما عرفنا فيما بعد) لدار الزعيم الركن عبد الكريم قاسم طيب الله ثراه -.

كان هدف حنّا أن يقضي في بغداد شهرين أو ثلاثة أشهر لجمع المواد الضرورية لرسالته، غير انه مدد إقامته حتى أوائل حزيران 1958، أي قبيل ثورة 14 تموز، بعد أن سمح له بالرجوع إلى عدد كبير من الملفات السياسية المحفوظة في دائرة التحقيقات وكان يتردد عليها يومياً أثناء الدوام لاستقاء ما يهمه من المعلومات وأٌتيح له أن يلتقي بعدد من ممثلي الأحزاب والمفكرين كما تدل على ذلك إشاراته الواردة في كتابه.

وكان من أدوات بحثه "استبيان" في بضع صفحات يحتوي على أسئلة عديدة حول موضوعات حساسة جداً تتعلق بالأحزاب العلنية وغير العلنية، والحركات الدينية ورجال الحكم وسياسة العراق الخارجية، وميثاق بغداد، وغيرها وكان يريد به الوقوف على آراء أو استجابات عينات من المواطنين في العراق وبينهم الطلاب، وأذكر للتأريخ أنه زارني في الكلية لغرض الإلقاء بمجموعة من الطلاب. فدعوته بعد استئذان عميد الكلية الدكتور محمد ناصر إلى إلقاء محاضرة على طلبتي في الصف الثالث (قسم اللغة العربية) محورها مشروع بحثه ورغبته في استطلاع آرائهم في بنود الاستبيان. غير أن الطلبة ترددوا بعد الاطلاع على الاستبيان في الاستجابة وذلك لشكهم في نواياه، وظنّ بعضهم أنه "عميل" من عملاء الاستخبارات الأمريكية، أو لخوفهم من أن يطلع بعض المسؤولين على أجوبتهم، فأكدت لهم أنه كما عرفته لسنوات عالم فاضل فوق أية شبهة، معروف بنزاهته وتوجهه العلمي السليم، وأحسب أن معظمهم شارك في الاستبيان كما ذكر لي المرحوم حنّا آنذاك.

ومما يستحق ذكره في هذا السياق أن حنّا وقف مرة (في شارع الرشيد/ الحيدرخانة كما أظن) يستطلع رأي بعض المارة من المواطنين حول موضوعات استبيانه، وفوجيء برجال الأمن يلقون القبض عليه، غير انهم أطلقوا سراحه بعد الإطلاع على رسالة كان يحملها من جامعة هارفرد تشير إلى مشروع بحثه وتدعو من يعنيه الأمر إلى تقديم المساعدات الممكنة في سبيل إنجازه.

* * *

إن النماذج التي ذكرت من انطباعاتي الشخصية عن الصديق حنّا تعكس كما أعتقد ما تميّز به من روح علمية نادرة المثال، وحرص على تكريس جهوده في خدمة مسعاه الأكاديمي بالإضافة إلى ما لمسته شخصياً في سلوكه من سمو الخلق والنزاهة والاستقامة والإخلاص.