حوار مع الفنان علي عسّاف:

ما زال الطريق مفتوحاً لفهم التجارب الجديدة وتذوّقها

 

كامل شياع

Text Box:  قبل عشرين سنة، حين كانت حماسة (علي عسّاف) للتعبير بالرسم قد فترت إلى حدّ كبير، أجريت معه حواراً ظهر بعد سنوات في نشرة الرابطة التي كانت تصدر عن فرع (رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين) في إيطاليا. في ذلك الحوار أخبرني أنه لا يتوانى عن استخدام جميع المواد المتاحة، وأنه يكتشف عبر البحث، ويبحث في الاكتشاف. أدركت حينها أنه اختط لنفسه مساراً يميّزه عن أقرانه الفنانين العراقيين في الخارج، وخـمّنت أن بحثه واكتشافه يقودانه نحو لغة بصرية جديدة، لم أكن افقه منها، ولو بالحدس، شيئاً.

مرّت السنوات وأنا أتابع المنحى التجريبي لهذا الفنان يبسط نفسه في نقلات متتابعة من الاشتغال على الصّورة الفوتوغرافية إلى المواد الجاهزة، ومن العروض الحيّة والفيديو إلى الأعمال المركبة. Text Box: لقطة عامة للمعرض ـ روما 2003لقد غدت سيرته الفنية شاهداً على حساسية معاصرة سواء بمصادرها وتأثراتها الثقافية، أو برؤيتها لماهية الفن ووظيفته.

بين حوارنا الأول في (ميلانو)، وحوارنا هذا الذي سبق معرضه الشخصي الأخير في (روما)، ثمة هاجس لا يفارق علي عساف، هو هاجس العمل التشكيلي بوصفه حلقة اتصال وتواصل مع الجمهور. الأمر هنا يخص الروح المعاصرة للعمل، أي شرطه التاريخي والثقافي السريع التغير والشديد التناقض. والاستجابة لهذا الشرط، من زاوية نقدية، أعمق بكثير من اختلاف التقنيات وتنوع وسائل التعبير:

 

منذ عقدين من السنوات وأنت توظّف في أعمالك الفنّيّة تقنيات جديدة كالصور الفوتوغرافية والعمل المركّب والأداء الحي..، من خلال تجربتك هذه كيف تنظر إلى التغيرات الحاصلة في موضوع الفن وبتقنيات التعبير؟

إن الفنّانين المعاصرين، وفي كل أنحاء العالم تقريباً، وبالأخص الشباب ذكوراً وإناثاً (إذ ازداد عدد النساء الفنانات بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة)، يعملون على تعميق فكرة إزالة الحدود الفاصلة بين مختلف الأجناس الفنية. وتلك فكرة بدأها الفنان (مارسيل دوشا) و(الدادائية) مروراً (بجوزيف بويز) و(مانزوني) و(حركة فلوكسس) و(الفن الفقير) وغيرها، ووجدت تجسيداتها في بينالة فينيسيا منذ السبعينات حتى يومنا هذا. إن الفنان المعاصر يجد نفسه على تماس مباشر ويومي مع الإنترنيت والفيديو والتلفزيون والموسيقى وما تعرضه الأسواق التجارية من سلع متطورة من كل صنف، إضافة إلى التنقّل والسفر. زخم المعلومات المتنوعة (سياسية، اجتماعية، علمية وتكنولوجية) الذي تحمله هذه الوسائط، يؤثر، بشكل أو بآخر، على رؤى هذا الجيل الفنية والمعرفية، بدرجة تفوق بكثير ما كان يحصل في حالة الأجيال السابقة. بفضل هذه المعلومات والبيئة الجديدة تتبلور مواقف الفنانين المعاصرين، وهو ما ينعكس بالضرورة على مواضيع أعمالهم وتقنياتها، وكأني بهم يرددون مقولة لا شيء يسمو على الحاضر. لا الماضي ولا المستقبل عادا يشغلان هؤلاء الفنانين. فمواضيع أعمالهم، في أغلبها، نقدية هجائية ذات طابع أدبي، ومنها اللاذع والساخر والذكي والمأساوي. وسواء تجلت هذه الأعمال في خلق فضاء أو حدث، كما هو الحال في العمل المركّب، أو الأداء الحيّ أو العمل المنفرد، فإنها تنطوي على روح نقدية لكل ما يعتقد الفنان أنه يعيق أو يعرقل الوضع الإنساني.

 

لم يستغن بحثك في الشكل عن اللوحة ذات المواصفات التقليدية، كيف تفسر لجوءك بين حين وآخر إلى اللوحة ذات السطح الواحد والإطار؟ السؤال يخص أساساً استخدامك للحرف والرمز في اللوحة.

أعتبر لجوئي، من وقت لآخر، إلى اللوحة محطة استراحة في سفر مضنٍ، واكتشافاً تطبيقياً، وليس نظرياً فقط، لأسباب ابتعادي عنها بعد فترة نسيان جزئي، واختباراً للإمكانية المتوفرة فيها للتعبير عن أفكاري المركبة والمتحولة باستمرار. إن حالتي معها كحالة زوجين مطلقين أو عشيقين مفترقين مازالا يكنان الودّ والاحترام لبعضهما رغم الطلاق أو فشل علاقة الحبّ. يمكن لأحدهما أن يلجأ إلى الآخر، في وقت من الأوقات، للقيام بسفرة سياحية لبضعة أيام Text Box:  مثلاً، وقد يأخذهما الحديث إلى الأسباب الخفيّة والعميقة التي أدت إلى افتراقهما، وإلى إمكانية إعادة علاقتهما كما كانت في بدايتها، رغم تصدعها.

إن استخدامي للحرف (وتوخياً للدقّة أقول الكلمة أو الجملة لأنني لست تشكيلياً حروفياً) يتعلق فقط بإعادة كتابة أقوال لمفكرين وكتّاب وشعراء، أجد فيها تطابقاً مع ما أؤمن به من أفكار، واقتراباً من مواقف أميل إليها إزاء الحياة والمجتمع والفن.

 

Text Box: علي عساف بفن أدائه الخاص تعكس أعمالك حساسية خاصة لكل ما هو جديد ومتغير في وسائط التعبير الفني، هل تعتقد أن الإمكانية الوحيدة المتبقية للفنان التشكيلي المعاصر تنحصر في انفتاحه على فنون العرض والصورة؟ أقصد هنا مسألة اعتبار اللوحة التقليدية جزءاً من ماضي الفن المودع في أرشيف مؤسسة المتحف أو المعروضة في الغاليريات لإشباع ذوق كلاسيكي وليس لإنتاج فن يقيم في عالم متناقض، ويتزامن مع كل ما هو متجدد فيه.

هناك عدد محدود جداً من الفنانين في مختلف البلدان ممن ينتج فنّاً يتزامن مع عالمنا المتناقض والمتجدد عبر اللوحة التقليدية، ومنهم (محمود صبري) والأمريكي (دافيد سال) والبلجيكي (فرانسوا أوكتاف) إضافة إلى فنانين من السّنغال والصين وجنوب أفريقيا وغيرها. وهؤلاء الفنانين (وهنا أحصر حديثي على العقدين الأخيرين) تقدّم أعمالهم في العديد من التظاهرات المهمة في العالم جنباً إلى جنب المحاولات التجريبية في الفن التشكيلي غير الخاضعة لقواعد اللوحة التقليدية. وذلك ما تعكسه بينالات فينسيا، دوكومنتا في كاسل، وبينالات إسطنبول وداكار وليون وسيدني وشيكاغو. بعض هؤلاء الفنانين يبحث في المشاكل البَصَريّة والشكل مستعيناً بآخر التطورات العلمية والتكنولوجية، وبعضهم الآخر يبحث في المشاكل الوجودية والاجتماعية الآنية والمستجدة. وكلاهما قد يحوّر شيئاً من قواعد اللوحة المتعارف عليها منذ عصر النهضة الإيطالية إلى التكعيبية، أو يضيف إليها أو يلغي منها. وراء ذلك البحث الذي لا ينقطع دافع أساسي هو إيصال أفكارهم بطريقة أفضل. رغم ذلك فإنهم بقوا مخلصين للعديد من قواعد اللوحة. وأعتقد أن لبعضهم القدرة على التأثير في المشاهد الجادّ المعني بالشأن الفني والثقافي، وليس المشاهد الذي يلاحق الموضة والصرعات المتغيرة باستمرار. وهذا هو المهم، أمّا اختلاف التقنيات ووسائل التعبير فقضية ثانوية. إن لفنانين كهؤلاء مكانة معترف بها في تاريخ الفن المعاصر، جنباً إلى جنب العديد مع نظرائهم ممن قدموا إبداعاً متميزاً باستخدام الفيديو أو الفوتوغراف أو الأشياء الجاهزة والأعمال المركبة.

 

كيف تردّ على من يقول بأن التجارب الفنية المعاصرة التي تعمل في سياقها تتعارض مع جوهر الفن، لأنها تبحث في الشكل، وأحياناً تلعب به، حد العبث، إرضاء لغايات شكلية بحتة، وضمن سياسة محددة للعرض؟

ليس هناك عبث على الإطلاق في أشكال أعمالي. ما هو جوهر الفنّ عند من يقول إن التجارب الفنيّة التي أعمل في سياقها تتعارض مع جوهر الفن؟. إن جوهر الفن هو شيء نسبي يختلف معناه وتفسيره باختلاف الأمكنة والأزمنة. ثمّ ألم يتنوع تاريخ الفن التشكيلي في مسيرة الإنسانية نتيجة البحث والتأمل المتواصلين لابتكار أشكال جديدة. هل إن الاختلاف والابتعاد عن حلقات المتحزبين أو المتدينين أو المتعصبين، والابتعاد عن جمهور المستهلكين وهواة الموضات العابرة تعتبر جريمة بحقّ الإنسانية كجريمة إشعال حرب مثلاً؟ دعنا نذكر، دون تفكير طويل أسماء نخبة من الفنانين والأدباء كبيكاسو وموندريان وجواد سليم وجاكوميتي وفيلليني ومحمود صبري وأندريه بريتون وكافكا وستانلي كوبريك وبازوليني وبرخت. هؤلاء جميعاً قد ابتكروا أشكالاً إبداعية مميزة وجديدة ومختلفة عن الأشكال التي كان يعمل عليها معاصروهم. وهي أشكال لم تنشأ عبثاً، وإنما كنتيجة حتمية ومنطقية لظروف موضوعية وذاتية أحاطت بهم.

 

تتصف الاتجاهات الفنية التي تعمل ضمنها بتقديم ترجمات بصرية غير مباشرة (بحكم الوسائط الشيئية والتكنولوجية) لما يدور في ذهن الفنان من أفكار وتأملات. ما هي طبيعة العلاقة بين الفكرة والأسلوب في تجربتك؟ هل تنفصل فكرة العمل عن تقنية تنفيذه أم أنهما متلازمتان منذ البداية؟

عندي لا تنفصل فكرة العمل عن تقنية تنفيذه، لأنهما متلازمتان بالضرورة. فلكل فكرة أكثر من تقنية واحدة لتنفيذها. ويجب عليّ أن أختار التقنية الأصوب للفكرة التي أشتغل عليها، تماماً كما يفعل الرسّام قبل شروعه في رسم لوحة مهمة (غورنيكا مثلاً) في تحضير المسودات (الاسكيتشات) واختيار الأجزاء الأفضل منها لتنفيذها على قماشة الرسم. قد أنجح هنا، أو أخفق هناك، لكن هذه هي المتعة الكبرى والعذاب اللذيذ، بالنسبة لي. في بعض الأحيان تومض فكرة ما في ذهني، بعد تراكم عاطفي وحسّي إزاء موضوع معين تمليه عليّ الأحداث المعاصرة، ومن ثمّ تأتي تقنية تنفيذه. وهنا ابدأ بالتفكير والسؤال وجمع المعلومات والبحث في ما قررته من صلاحية مادة بعينها دون أخرى. ويمكن أن يحدث العكس في بعض الأحيان، إذ يصدف أن أجد مادة تغريني وتحفّز ذهني على تنفيذ فكرة ما بالاستعانة بها. إن البحث الدائم عن أفضل الطرق لتنفيذ عمل جديد من أعمالي، هو تحفيز للذهن والبدن، وإضافة للمعرفة المكتسبة.

 

تخاطب أعمالك عادة جمهوراً غربياً، هل تتخيل صعوبة ما في استجابة الجمهور العربي لأعمالك نظراً لتباين الخلفية الثقافية والاجتماعية. ماذا عن الجمهور الشاب الذي هو أقرب بحكم الواقع إلى نمط الحياة المعاصرة؟

لا أستطيع البتّ حالياً فيما إذا كانت هناك صعوبة في استجابة الجمهور العربي لأعمالي، إذ أنني لم أقم، حتى الآن، أيَّ معرض فردي في البلدان العربية. لكن تجربتي في المعارض الجماعية التي شاركت فيها، كتلك التي نظّمت في دمشق والجزائر والقاهرة وبيروت، قد أثبتت أن هناك استجابة ما. ففي دمشق عام 1982 قدّمت عملين كبيري الحجم، الأول يتكوّن من عشر صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود ألصقتها على شرشف أبيض بعد أن مَحوت أجزاء منها، ولوّنت أجزاء أخرى صغيرة. أما العمل الثاني فكان عبارة عن قطعتين، الأولى غطتها صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود، والثانية احتلتها صورة مكبّرة لمقطع من قاموس المورد. وقد تمّ إلصاق القطعتين على لوح خشبي، وتغطيتهما بلاصق شفاف أصفر اللون. هذان العملان اللذان كانا من باكورة أعمالي المتخطية للوحة التقليدية، استطاعا أن يجذبا انتباه مجموعة من زوار المعرض السوريين الشباب الذين لم يخفوا إعجابهم بهما. ربما أعجبهم موضوعهما السياسي!! أما المناسبة الثانية فكانت مشاركتي في بينالة مدينة الجزائر عام 1989، وقدمت فيها عملين صغيري الحجم من الأشياء الجاهزة (Ready made) منفّذة بمواد رقيقة: قدح من الزجاج، ومطبوعات على ورق خفيف ملصقة على ورق قديم نسبياً. وقد رشّح العملان للجائزة الأولى، لكن عضويتي في لجنة التحكيم في البينالة منعتني من الحصول عليها. وقد حصل عليها فنان جزائري شاب قدّم عملاً مركباً كبير الحجم من مواد مختلفة، رافقه فن أداء طقوسي. عُرض العمل على امتداد ممرّ طويل وعريض، وكان على الجمهور أن يمرّ به للوصول إلى القاعة الأساسية حيث توزعت بقية اللوحات والتماثيل المشاركة. الجمهور المتحرك عبر العمل كان، في الحقيقة، جزءاً منه. وقد لاحظت أن هذا العمل استثار فضول الجمهور، أكثر من غالبية الأعمال الأخرى. لجنة التحكيم المتخصصة اتفقت على منحه الجائزة، بعد ترشيحي له ودفاعي عنه.

وفي القاهرة عام 1995 وجّه لي غاليري المشربيّة دعوة للمشاركة في معرض عن الفانيلات فقط... قدّمت فيه أربعة أعمال ذات أشكال اختزالية تحتوي على عبارات لبورخس وشاتوبريان وآخرين. بعد الافتتاح كتبت لي صاحبة الغاليري بأن الجمهور والصحافة اهتمّا بفكرة المعرض، وأن أحد مصانع الأقصر المتخصصة بصناعة وتسويق الفانيلات كان راغباً بطباعة أعمالي وعرضها للبيع. إلا أن الأحداث الدموية التي جرت في الأقصر إثر هجوم مجموعة من الأصوليين على حافلة سياحية، حالت دون تحقيق تلك الفكرة، فقد انتكست حركة السياحة بشدّة بعد ذلك الحادث.

Text Box:  أخيراً، في معرض الفن التشكيلي العربي في القرن العشرين الذي استضافته مدينة بيروت عام 1999 عرضت عملاً واحداً مركباً يتكوّن من كتابة (معطيات إحصائية عن النمو السكاني) بالطباشير على سبّورة سوداء واسعة وطويلة وضعت على الأرض، وأمامها حدود لمربع من الشريط اللاصق أحمر اللون. بعض الأصدقاء الفنانين المشاركين في ذلك المعرض والحاضرين فيه، ذكروا لي بأن عملي لفت انتباه الجمهور. وأبلغني صديق آخر أن صحيفة لبنانية تصدر باللغة الإنكليزية قد نشرت مقالاً عن المعرض، توقف عند عملي وأشاد به.

Text Box: أقدام من رمل 1996أعتقد أن هذه الأمثلة واضحة وكافية إلى حدّ ما للتعويل على مناسبات قادمة للعرض في البلدان العربية، والطريق مازال مفتوحاً أمام التجارب التشكيلية الجديدة لفهمها وتذوقها والتفكير فيها. وينبغي ألاّ ننسى أن العقد الأخير من السنوات شهد تزايد عدد التشكيليين العرب الذين يعملون بالأساليب والتقنيات التي أشتغل عليها، خاصة في القاهرة وبيروت والإمارات العربية وشمال أفريقيا (تونس والمغرب). أذكر على سبيل المثال لا الحصر، استضافة بينالة القاهرة لرائد الفنّ المفاهيمي جوزيف كوسث، ومنى حاطوم (التي نظّم لها معرض كبير في بيروت)، والإيطالي فابريتسيو بليسّي، أحد رواد النحت بالفيديو، ومنح عباس عبد الكاظم جائزة على عمله المركّب. أضف إلى ذلك ظهور مقالات، قد تتزايد مع مرور الزمن، في الصحف والمجلات العربية والكرّاسات الفنية بأقلام عربية أو مترجمة تتحدث عن الفن المفاهيمي وحركة فلوكسس وفن الفيديو وما شاكلها. وهذا سيساعد، بالتأكيد على خلق حالة استجابة أوسع وتذّوق أعمق من قبل الجمهور، وخاصة جيل الشباب. وأظن أن عدده سيزداد، ولو ببطء، كما حصل لحركة الشّعر الحرّ في البلدان العربية.

 

يسير عالم اليوم باتجاه التوحد أو العولمة على مستوى الاقتصاد وأنماط الحياة والذوق، لكنه أيضاً يطرح تناقضات حادة على المستويات الاجتماعية والثقافية. وفي الحالتين يبدو أنه لا يهتدي بنموذج تحرري إنساني كما كان متصوراً، بل إنه يبدو، رغم مظاهره الإيجابية، دون مُثل شاملة. كيف ترى دورك كفنان في سياق الحداثة المتأخرة القائمة على تسطيح المعاني والقيم وانتزاع بعدها النقدي وتحويلها إلى بضاعة في سوق كبيرة؟

إن دوري كتشكيلي في سياق الحداثة المتأخرة هو التأكيد على البعد النقدي للإفرازات السلبية للعولمة. فبقدر ما تتيحه لي التجربة الحياتية، أقوم برصد وتسجيل تناقضاتها الحادة على المستويات الاجتماعية والثقافية. هناك مهمة أخلاقية للفنان المعاصر في عدم الرضوخ لتسطيح المعاني والقيم. وهناك عدد لا بأس به من الفنانين من مختلف بلدان العالم، وبالأخص من الشباب، يعي هذه المهمة، ويلتزم بها.

إن عالم اليوم قد غيّر، ومازال يغير، الكثير من سلوكيات النّاس ومُثُلهم. وهذه عملية تجري بسرعة مذهلة، لم يسبق لها مثيل، سرعة دوختني وجعلتني أقدم نتاجاً لا يدعو إلى الحنين للماضي. أنا على يقين أن التاريخ لا يرجع إلى الوراء، وأن الأمور، شئت أم أبيت، لا تعود إلى ما كانت عليه سابقاً. لكن نتاجي لا يستشرف المستقبل لأنني كائن متشائم بعض الشيء، مع أنني أفضّل أن أصف نفسي واقعياً.

إن سؤالك هذا يدفعني إلى تذكر حكاية عن بيكاسو قرأتها مرة، وهي أن مجموعة من أصدقائه المقربين من الفنانين والشعراء زاروه في بيته بباريس أيام الاحتلال النازي لها. كان يبدو عليهم القلق الشديد من الأحداث الجارية، فسألوه: ما العمل؟ أجابهم: علينا أن ننتج. وهذا ما فعلوه، والتاريخ حفظ لنا ما أنتجوه