مقدمة لكتاب بغداد في العشرينات

تأليف عباس بغدادي صادر عن

المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت1998).

عبد الرحمن منيف

هذا الكتاب ( بغداد في العشرينات ) بالغ الاهمية، شديد الغنى، وهو من الكتب القليلة في هذا الموضوع. انه ليس مذكرات شخصية، ولا كتابا في السياسة، كما انه ليس من الكتب (الخطط)، كما يطلق على بعض الكتب التاريخية- الجغرافية التي تتناول المدن. وليس كتابا بحثيا، نتيجة الدراسة والتقصي لمدينة في مرحلة تاريخية معينة. انه، بالدرجة الأولى، كتاب صادر عن العقل والقلب معاً، وهو بمثابة شهادة، قبل ان يكون كل الموضوعات التي أشرنا اليها، واخرى غيرها.

وبقدر أهمية هذا الكتاب في إعادة رسم خلال مرحلة محددة، بحيث يمكن على ضوء المعلومات التفصيلية الواردة فيه استعادة ملامح تلك المدينة، وبحيث يذكر المسنين بالتالي ويطربهم، فانه بالقدر نفسه بالغ الشأن للأجيال الحالية، لأن اكثر ما ورد فيه بمثابة ذاكرة إضافية تستند وتقدم العون لقراءة الحاضر على ضوء المقدمات والأسباب التي كانت من قبل.

اما بالنسبة للمستقبل، بعد العشرات من السنين، وربما المئات أيضا، حين يراد استعادة تاريخ مدينه بغداد وملامحها، وحين يراد استعادة التفاصيل المتعلقة بحياة الناس، فلا بد من الرجوع إلى هذا الكتاب، كما يرجع الآن إلى كتب ابن إياس والجبرتي وعلي مبارك لقراءة أحوال مصر في القرون الثلاثة الأخيرة، أو كما يرجع إلى كتاب البديري، الحلاق الشامي الذي سجل حقبة من أحوال دمشق خلال القرن الثامن عشر.

ربما يقال ان وسائل البحث والتدوين الحديثة في قراءة التاريخ الاجتماعي لبلد أو لمرحلة، جعلتنا على معرفة أوسع، وربما أدق، لهذا البلد وتلك المرحلة، خاصة من خلال اعتماد السجلات المدنية واحكام القضاء ودوائر العقارات ومدونات الكنائس، ومن خلال دراسة المهن والحرف وأسباب المعاش، وطريقة ملكية الأراضي وأنتقالها، وما إلى ذلك، لكن هذه الوسائل، رغم أهميتها، غير كافية، وقد يحصل تعسف في قراءتها أو تحليلها، وقد تقود بالتالي إلى نتائج تهدف، بالدرجة الأولى، الى تزكية أسلوب في القراءة والتحليل أكثر مما تعكس الواقع الذي كان قائماً فعلاً. والسبب في ذلك غياب الشاهد، أي غياب الإنسان الذي عاش وعاين وعانى، ومضى دون أن يدلي بشهادته، دون أن يقول كلمته.

هذه الثغرة في القراءة يحاول سدها في احيان كثيرة، عن طريق الرحالة والقناصل وبعض رجال الدين والتجار، الذين مروا، أوعاشوا، في ذلك المكان وتركوا أوراقا كتبوها عما رأوا

أو سمعوا.

فأذا عرفنا ان الكثيرين من الذين استهواهم الشرق من الرحالة والكتاب والرسامين الغربيين، كانوا يبدأون فعلا رحلتهم إلى هذا الشرق، لكن ما أن يصطدموا ببعض الصعوبات أو تستهويهم بعض الشؤون حتى تنتهي تلك الرحلات، عملياً، في الموانئ، رغم أن الكتابة عن الشرق، في مذكراتهم، لا تتوقف. لكن أغلب ما يكتب ليس نتيجة المعايشة أو المشاهدة، وأنما هو كلمات مبعثرة التقطت من أفواه السكارى والدجالين، أو من أفواه بسطاء الناس، ليعود هؤلاء الرحالة والكتاب والرسامون (بثروة) من المعلومات عن الشرق الغامض، الخطر، المتعصب الذي رأوه!.

لقد لاحظنا ذلك بوضوح فيما خطه بعض الكتاب الغربيين عن الشرق أو فيما رسموه من صور. اذ كان هؤلاء يكتبون أو يصورون ما يرغبون فيه، ما ترسب في ذاكرتهم من صور مصدرها بالدرجة الأولى ألف ليلة وليلة.

وحتى الذين كتبوا دون تحيز، وبعد اطلاع، كانت مشاهدتهم للمجتمع من الخارج بشكل سريع وجزئي، ومع ذلك فأن الكثير مما سجلوه يعتبر، في بعض الأحيان، دليلاً، وبالتالي شاهداً، على وضع مرحلة معينة.

أن غياب العنصر الإنساني في قراءة التاريخ، يحول التاريخ، في حالات كثيرة، إلى مادة صماء، إلى سببٍ ونتيجة، بمعزل عن الكثير من العناصر والعوامل التي ساهمت في صنع هذا التاريخ. قد يكون العنصر الانساني متحيزا، متعسفاً، ذا هوى، لكن حين تجتمع تحت أيدينا شهادات  كثيرة، ومن مصادر متعددة، يمكن ان نصل الى الحقيقة، ونرجح احتمالاً أكثر من آخر، ونكون بالتالي أقدر على فهم ما حصل.

كانت هذه الصيغة في التعامل مع التاريخ عامة، وتنطبق على حقب قديمة، أما في العصر الحاضر فقد تغيرت الامور كثيرا، بسبب المواصلات والصحافة ووسائل الاعلام، إضافة الى العدد المتزايد من الكتابات والمعلومات التي تصدر عن الافراد والاحزاب والقوى المناوئة، بحيث لم يعد بالأمكان، كما يقال، إخفاء الحقيقة إلا لبعض الوقت وليس لكل الوقت، وهكذا اصبحنا قادرين على قراءة التاريخ المعاصر بيسر، أو بمشقة أقل من السابق.

ورغم الإقرار بهذا التطور ومدى أهميته، تبرز أمامنا عناصر إضافية: أن الاعلام السائد هو الإعلام القوي، وهو الذي يعيد تشكيل ذاكرة الناس. أما المذكرات السياسية فأنها تعبير عن موقف أو تبرير له، أكثر من كونها تهدف إلى الحقيقة، ولذلك فأنها غالبا ما تكون منحازة، ويحسن أن تقرأ بحذر، وأن تقرأ بالتوازي مع وجهات النظر الأخرى، لكي تستقيم الوقائع وتوضع في اطارها الواقعي من اجل الوصول الى الحقيقة.

أما الكتابات المختلفة بالرأي أو المناوئة فأنها تبحث لنفسها عن موقع أقوى، ولاترى في الطرف الآخر، الخصم،  إلا النواقص والمثالب، وبالتالي لا تهمها الحقيقة الموضوعية إلا بقدر ما توصلها أو تقربها من الهدف الذي تسعى للوصول إليه.

( بغداد في العشرينات) طريقة في الكتابة أقرب إلى الشهادة، وهي خالية من الدوافع التي تكمن غالبا وراء الكتابات من النوع الآخر، الكتابات السياسية أو الشخصية.

وهذة الطريقة لاتهدف الى مطمح او مطمع، كما لاتلجأ إلى التبرير أو التستر على الحقائق. ربما لم تقل كل شئ، لكن ما قالته فيه حد كبير من الدقة والتفاصيل والمناخ، وهذا يساعد القارئ على المشاركة في إعادة رسم المشهد، وقد امتلك المزيد من المعلومات التي توصله إلى قراءة لواقع كان في يوم من الأيام.

فإذا اضفنا الى ما تقدم أن الكاتب لايتحدث عن مدينة عادية، وأنما عن بغداد، التي تعني الكثير في الذاكرة والواقع، والتي بمجرد أن تذكر يضج التاريخ، وتمتلئ المخيلة بالصور والحنين. عدا عن أن الفترة الزمنية التي يتناولها الكاتب لها أهمية استثنائية: فترة سقوط الإمبراطورية العثمانية فالاحتلال الإنكليزي، ثم قيام الدولة العراقية الحديثة، فان كل هذه الاسباب تجعلنا في مواجهة كتاب استثنائي، فما ان ندخل إلى فصوله حتى نفاجأ، بل ندهش، لهذا الكم الهائل من التفاصيل الدقيقة حول كل موضوع من الموضوعات التي تناولها. ففي البداية، يوجز حوادث بغداد في تلك الفترة خاصة السياسية،ليدخل إلى رحاب العالم الأثير بالنسبة له، أو لما يعتبره جديراً بالتسجيل. فيبدأ بالشخصيات الشعبية. ورغم انه يشير الى أسماء كثيرة معروفة، كالزهاوي والكرملي وإبراهيم صالح شكر وعبود الكرخي، فانه يتوقف وقفات غير قصيرة عند شخصيات طريفة وهامشية، وربما لولم يرد ذكرها هنا، أو في ثنايا كتب مماثلة، لضاعت وأتنهت، مثل توفيق أجانص، الإخباري، وجاسم أبو الهيزي، وعرب، وهذا الأخير صاحب مقهى، وتروى عنه الطرائف ويتذكره الكثيرون من ابناء الجيل الحالي. وكذلك سائق العربة شيخان، الذي يعتبر أمهر من يخرج (الزيق) أي يصدر من شفتية صوتاً، يعتبر بمثابة تعريض وأهانه. وعباس حلاوي المنادي على الأفلام، وكان أحد أبرز معالم شارع الرشيد. وهكذا بالنسبة لعدد آخر من الشخصيات الطريفة.

وحين ينتقل الى اطباء بغداد في تلك الفترة، فأنه يرسم صورة عن الاطباء ومدعي الطب والاطباء الشعبيين. فالدكتور سامي سليمان، مثلا يضع على عيادته لوحة كتب عليها ( سامي سليمان طبيب العيون والابدان). وكذلك الحال بالنسبة لاطباء آخرين أيضا، أو بالنسبة للذين يمارسون الطب الشعبي.

وكان اغلب هؤلاء يعالجون المرضى في بيوتهم، ولايترددون في اجراء العمليات الكبيرة داخل البيوت، أما الصغيرة فيتركونها للحلاقين!

أما حول المستشفيات في تلك الفترة، وقد كانت قليلة، فيكفي ان نشير إلى الجناح الخاص بالأمراض العصبية في مستشفى المجيدية، إذ كان فيه ممرض أرمني أسمه سيروب، وكان هذا، بشواربه المفتولة، لايخيف المرضى وحدهم، بل يخيف ايضا الاطباء ومدير المستشفى، وله الكلمة الأولى والأخيرة.

حين ينتقل الكاتب إلى الصناعات التي كانت رائجة في العشرينات، فأنه يذكر عدداً منها يصعب على الأجيال الجديدة تصور وجودها، مثل خياطي الصحون، وقاطعي الطوب، وصانعي الحصر، والطماسين ومبيضي القدور، مع تفاصيل طريفة متعلقة بكل مهنة، خاصة بالنسبة للحرف التي اندثرت، بما فيها اضاءة فوانيس الشوارع، أو ملؤها بالنفط. وفي أطار الحديث عن المهن يرسم صورة المدينة خلال الربع الأول من القرن العشرين الذي نعيش فيه.

أما وهو يتطرق إلى التجارة والأسواق والصيرفة وباعة الجملة والمفرق، ونوع المعاملة السائدة في الاسواق التجارية وأبرز المسيطرين عليه، خاصة من اليهود، فانه يتحدث عن الموضوع بمعرفة مميزة، لأن الكاتب من عائلة تمارس التجارة، وقد احتك بنفسه بذلك الجو منذ نعومة أظفاره.

وفي هذا الفصل، كما في فصول أخرى، نتعرف عن كثب كيف تكونت الثروات، وكيف تم الحصول على الأمتيازات، ثم كيف تداخلت التجارة مع السياسة. ولانه يرسم طيفاً كبيراً لمعاش الناس فان الأسماء التي ترد في هذا الفصل من الكثرة والتنوع إلى درجة نرى معها حركة المجتمع وطريقة تدبير الرزق، كما نعرف علاقات بغداد بمحيطها القريب والبعيد، ثم علاقات العراق بالدول والاسواق الأخرى.

وبسبب معرفة الكاتب الوثيقة بهذا العالم، ولأنه ابن سوق، إذا صح التعبير، فقد استطاع من خلال ما قدمه من معلومات أن يوضح تأثير العامل الأقتصادي في تكوين المجتمع العراقي وحركته، الأمر الذي يعجز عنه الكثير من الدراسات الأكاديمية، إذ غالبا ما تكتفي هذه الدراسات بمقولات عامة، وتضع اطاراً نظرياً، يفتقر الى المفردات، فقط لتؤكد أو تسند وجهة نظر بالدرجة الأولى. فقانون تسوية الاراضي الذي وضع في بداية الثلاثينات، لم يكن مجرد قانون لتنظيم الملكية، وأنما لعب دورا هاما في صعود طبقة، وتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية، وأدى إلى تراكم سريع لثروة بعض على حساب بعض. لقد وضع الانكليز هذا القانون وطبعوه بطريقة معينة لتستفيد منه فئات محددة بالدرجة الأولى، مما غير في المواقع والقوى الذي ستظهر آثاره وتنعكس في فترات لاحقة.

ومع ان السوق وملكية الأرض لعبا الدور الأهم في التطورات اللاحقة، فان الكاتب يخصص فصلا عن المهن النسائية. وهذا الفصل الذي يصور الاقتصاد البدائي، المنزلي، والحرف الصغيرة ، يعكس الوضع الاجتماعي، وواقع المرأة بشكل خاص خلال تلك المرحلة.

ويخصص الكاتب فصولا عن: التمثيل والملاهي، الطرب والغناء والاعياد، ومقاهي بغداد، وهذه الفصول تطلعنا على عالم بالغ الغنى، يستأثر باهتمام الناس، ويسري عنهم، كما تشير بدقة لافتة إلى بداية ظهور المسرح والممثلين، ثم السينما، ومدى تأثير العراق بمحيطه العربي، خاصة بمصر، ومن خلال الجرائد، ووصول الفرق المسرحية. ورغم أن الغناء العراقي تكون في بيئة خاصة، وتأثر بالغناء الفارسي والتركي، إلا أن بداية القرن أعطته ملامح خاصة، ثم بدأ التأثر أكثر بالمحيط العربي، من الموجات الوافدة، سواء للإقامة أو للزيارة.

المقاهي في بغداد مدارس وأحزاب، أدب وطرب، مستويات وطقوس، فيها تكون الصداقات، وفيها أو بالقرب منها تؤخذ الثارات، وفي المقاهي تجري عمليات البيع والشراء، أو المراهنة على الخيول، وفي مقاهي السوق تتحدد اسعار السلع، وأسعار صرف العملات، ومنها تبدأ المغامرات والأسفار البعيدة. بكلمة واحدة: بغداد هي المقاهي. والكاتب يورد الكثير من المعلومات والطرائف عن عالم المقاهي.

وحين ينتقل الى الملابس يرسم خارطة كبيرة، ليس لبغداد وحدها، وانما لأجزاء أخرى من العراق: أشكال الملابس، الوانها، انواعها، ملابس الاغنياء وملابس الفقراء، ملابس الرجال والنساء. وهو حين يرسم هذه الخارطة يقدم خدمة كبيرة للأجيال القادمة، إذ مثلما حفظت لوحات العصور الوسطى الاوربية الكثير من التفاصيل التي تحدد ملامح حياة تلك الأيام: كيف يلبس الناس، وكيف يزينون بيوتهم، وأية الحيوانات كانت المحببة والمقربة، فكذلك تفعيل التفاصيل الدقيقة التي قدمها عباس بغدادي في هذا الكتاب. وغداً أو بعد غد، حين يراد بناء أجواء مسرحيات أو ديكورات أفلام لتصوير هذه المرحلة، سوف يكون هذا الكتاب واحداً من المراجع التي يمكن الأعتماد عليها.

وكذلك الأمر بالنسبة للأطعمة والحلويات والمرطبات. إنه يتكلم عن هذه الموضوعات من موقع الخبير الضليع، حتى ليتفوق، في أحيان كثيرة، على أصحاب الاختصاص، وهذا الذي أقوله لمسته بحكم المعرفة المباشرة، وليس فقط نتيجة التفاصيل الوفيرة الواردة في الكتاب.

ولكي لا تفسد متعة المعرفة والاكتشاف التي يمكن أن تتأتى من قراءة هذا الكتاب، لابد من الدخول إلى رحابه، والتمعن بهذا الكم الهائل من التفاصيل الكثيرة والذكية الواردة فية، وهذا ما يجعلنا ندهش ونتسائل كيف أتيحت لرجل بمفرده أن يلم بهذا القدر من الآسماء والوقائع والتفاصيل، وفي الوقت الذي يتطلب ذلك عدداً غير قليل من من الاختصاصين والمهتمين، لكنها العين المدققة، والرغبة في أن تنتقل المعرفة من جيل إلى جيل.

لكي تكتمل صورة ( بغداد في العشرينات) لابد من الحديث عن الكاتب، وربما تكون المقاربة الشخصية مدخلا

ملائماً.

منذ وقت مبكر، قبل خمسين سنة أو يزيد، كان يتردد في محيط الأسرة، حين يجري الحديث عن الأقرباء في بغداد، اسم سيد عباس. كان يتردد مع علامات الاستغراب والتساؤل، لأنه خرج عن مهنة العائلة، أي التجارة، وانساق وراء السياسة والصحافة والمغامرة، حتى أنه أمتلك سيارة خاصة، وكانت تلك السيارة مكشوفة! ليس ذلك فقط، بل كان ينتقل من عمل لآخر، من مكان لآخر، مما يعتبر تبديداً للحياة.

كان الحديث عنه يجري في ذلك الحيز الرمادي الواقع بين اللوم والأسف، والذي يخلو من اعجاب ضمني أيضاً، خاصة من الصغار، مع الاشارة إلى أن كل شئ في تلك المرحلة كان يتحرك، يتغير، لا يثبت على حال، وربما كان عباس بغدادي يمثل هذا النموذج.

مرت أيام كثيرة والأسم يتردد دون أن تتاح لي فرصة لقائه.

عام 1952 ذهبت إلى بغداد للدراسة، وبحكم القرابة التقيت السيد عباس بغدادي: قامة مبسوطة، أقرب إلى الطول، أناقة في الملبس، نظرة مرحة، وقد تحمل بعض الاستهتار، لكن أبرز ما استوقفني: لهجته الشعبية المليئة بالأمثال والتي لاتخلو من بعض الشتائم! ثم ذلك الولع بالسؤال والتدقيق، خاصة حول القضايا الاجتماعية، والاهتمام بالتفاصيل، بما في ذلك اقتحام مطبخ خالتي والكشف عن قدور الطعام، كأنه مراقب أغذية، للتأكد من أنها تطبخ حسب الأصول! ورغم الحاح خالتي عليه بالبقاء لتناول الطعام، في تلك المرة ثم في مرات لاحقة، إلا أنه كان لديه أغلب الأحيان ما يفعله في مكان آخر. وهكذا، وبعد ان يخلق زوبعة من الهرج والمرح ، يغادر إلى دائرته القريبة، إذ كان في ذلك الوقت مديراً لمؤسسة التمور.

كانت زياراته قصيرة سريعة، لكن حافلة أغلب الأحيان: خالتي تلح عليه بضرورة أن يتزوج، وهو يطلق النكات والضحكات الصاخبة، لكي يخلص من الحاحها، فاذا واصلت يتحول إلى الأسئلة خاصة عما أعدت من طعام لذلك اليوم ! يسألها كيف حضرته، وما اذا اضافت له المادة كذا أو كذا لكي يهرب من ارهابها !

ولان طبيعة بغداد في الخمسينات عاصفة فقد ظلت علاقتي بعباس بغدادي محدودة ومتباعدة، وإن تكاملت صورته في ذاكرتي. ولان طبيعة المرحلة هكذا لم يتسن لي البقاء في العراق، ولذلك تفرقت بنا الطرق وتباعدت الى ان عدت لبغداد مرة أخرى عام 1975.

بدءاً من هذه السنة، وبعد ان استنفد كل منا تجارب وعلاقات متعددة ومتنوعة، ورسا على صيغة للحياة، أصبحنا أنا وعباس بغدادي، بالأضافة الى القرابة، أصدقاء. وهذه الصداقة نمت بالتدريج وعلى مهل، لكن مع كل يوم يمر كنت اكتشف في الرجل صفات ومزايا غابت عني طوال الفترات السابقة.

لقد اكتشفت في عباس بغدادي خلال هذه المرحلة أمرين إضافيين: إنه يصلح ليكون شخصية روائية، كما ان لديه اشياء كثيرة يمكن أن يقولها.

وإذا كانت الشخصية الروائية تختمر وتتكامل مع الزمن، ومن خلال عوامل كثيرة، فإنها ظلت مؤجلة، مما جعلني ألح على الأمر الثاني: أن يكتب عباس بغدادي مذكراته.

وفي هذه الفترة، وبعد أن تعرف جبرا على عباس بغدادي، واكتشف ما لدية من (ثروة) معلومات عن بغداد، لم أعد وحدي الذي يلح عليه بضرورة أن يكتب، أن يقدم شهادته، أوقراءته لبغداد، خاصة في المرحلة المبكرة. في المرحلة الجديدة، وفي ليالٍ كثيرة، حين كنا، جبرا وأنا، نسمع سيد عباس بغدادي يتحدث ويستعيد وقائع ايام كثيرة مضت، صرنا نواصل ضغطنا، واذا صح التعبير، لكي يقول ما لديه، وبتواضع جم كان يعتبر أن ما يعرفه وما يرويه يعرفه الكثيرون، وبالتالي لاحاجة لأن يدون !

ازاء عزوف عباس بغدادي عن الكتابة، فكرت وجبرا، لكي لا تضيع المعلومات التي لديه، أن نحاول (شيئاً) ما. لكن لم يتبلور هذا الشئ في ذلك الوقت. وكما هي صيغة تلك الايام، بقدرتها الفائقة على تفريق البشر، وعلى دفن الكثير من المشاريع، وتغييب الذين يفكرون، فقد انقضت مدة إقامتي الثانية في بغداد دون أن يتسنى لي إقناع عباس بغدادي بالكتابة، ودون أن نصل إلى صيغة لكي يستفاد مما لديه من معلومات، وفرقتنا الأيام.

أثناء زيارات جبرا الى باريس تذكرنا مرات كثيرة سيد عباس، وأسفنا أننا لم نستطع إقناعه بالكتابة. راودتنا فكرة أن نكتب معاً رواية جديدة عن بغداد، بعد تجربة (عالم بلا خرائط)، لكن هذه المرة ليس من خلال اللقاء المباشر، والمناقشة اليومية، حول ما يجب ان يكتب وكيف يجب ان يكتب، وإنما باعتماد طريقة جديدة: الكتابة من بُعد، بعد ان حددنا إطار الموضوع، وأن نلتقي بفترة لاحقة، ونكون قد انجزنا جزءاً من الموضوع، لكي نعرف كيف يجب أن يتطور وينتهي. هكذا كانت الفكرة، وورد اسم عباس بغدادي كرواية لأحداث سلفت !

لكن الفترة التي تحدثنا خلالها كانت مليئة بالأعباء، بحيث لم يتسن لناأن نتوصل إلى بلورة صيغة عملية، وظلت الفكرة حلماً أو احتمالاً. وفي أحيان كثيرة تبقى الأحلام أحلاماً، وتبقى الاحتمالات مفتوحة، ويبقى الموت سيفا مرفوعا فوق الرؤوس، وهكذا غرق جبرا في ( البئر الأولى) ليقول من خلالها طفولته، ثم جاء (شارع الأميرات) ليقول جزءاً من حياته في بغداد، بعد ان سجل أجزاء أخرى في رواياته الأخرى، قبل أن نتفرغ معا لما يجب أن نقوله عن بغداد.

ولأن الموت غيب جبرا مبكراً، وفي وقت كنت احتاج اليه فيه كثيراً، فقد انصرفت إلى كتابات رأيت أن لها أولوية، وظل موضوع بغداد هاجساً لايفارقني: كيف يمكن أن أوفي هذه المدينة ما تستحقه، وما أستطيع عليه؟ إنه رهان.

وعباس بغدادي يغرق في الصمت، وبغداد بعيدة الى أقصى حد، ومن يبقى حياً كسب كبير. وهكذا لم اعد قادراً على أن أحرك الشجون أو أثير المواجع من أجل تسجيل وقائع بغداد، عن مرحلة تنزلق بسرعة إلى الغياب. بقي رهاني مع الذين ألتقيهم وأتحدث معهم، واعتبرت أن ما يملكه عباس بغدادي من (ثروة) لن يقدر له أن يرى النور، وبالتالي سوف ينتهي كما انتهت أشياء كثيرة جميلة في هذه الحياة.

في ظل وضع عربي كالذي نعيش الآن، لم يكن لدى الكثيرين سوى التأمل والمراقبة وانتظار شئ لا يأتي، وبين فترة واخرى السؤال عن الأصدقاء، من بقي منهم حياً ومن مضى، وأصبحت ممارسة فضيحة الحياة، كما يقول الباهي محمد، هي ما تبقى وما يمكن ممارسته. كما غابت من النفس والذاكرة، القدرة أو الرغبة في تحريض الآخرين على الكتابة، على الإدلاء بشهادتهم، فالواقع الذي يعيشة الجميع أكثر بلاغة من أي كلام يكتب، وأشد تأثيراً من أي درس من دروس التاريخ.

وإذا كان عباس بغدادي قد عزف عن كتابة ما شهده وما عاشه في فترة الرخاء، وصمد في مواجهة الضغوظ الأدبية التي مارسناها، جبرا وأنا، وكان في عمر يمكنه من تذكر كل شئ، فهل يرد بالبال أن يكتب الآن؟ أن يتذكر وقد تجاوز الخامسة والثمانين؟.

كنت أكتفي، حين ألتقي أصدقاء يعرفون عباس بغدادي، بالسؤال عن صحته، ولا أتجرأ على أكثر من ذلك. لم يعد أمر المذكرات، أو الكتابة عن بغداد، شأناً وارداً أو ميسورا. وفي هذا الجو، وفي مناخ الحصار والصعوبة والتحديات جاءت المعجزة: كتب عباس بغدادي مذكراته.

كان صوت فيصل حبيب الخيزران، وهو يزف إلي هذا الخبر، فرحاً أقرب الى النشوة، وطلب إلي أن أكتب تقديماً لهذه المذكرات.

الوعد الذي طالما أنتظرناه تحقق الآن، وقد تجسد في هذا الكتاب، واذا كان عباس بغدادي قدم شكره للذين حرضوه على الكتابة، خاصة لزوجته سولانج تقلا، وللصديقين فاتك الصافي ويوسف العاني، فان اصرار هؤلاء الثلاثة، ومتابعة الامر دون كلل، يستحقان تقدير كل من سيقرأ الكتاب الآن وفي المستقبل، إذ لولا هذه المثابرة لضاعت معلومات كثيرة لا يُدرى إن كانت يمكن تعويضها أم لا.

كلمات إضافية عن الكاتب والكتاب .. وعن الآخرين أيضاً؟

لدى عباس بغدادي أشياء اخرى كثيرة يمكن أن يقولها، غير تلك التي وردت في الكتاب، يتمنى الإنسان لو تدون. وإذا كان قد أشار إلى بعضها إشارات عابرة، وقال إنها أُشبعت بحثاً، فهي لاتزال بحاجة إلى المزيد من الأضواء تلقى عليها، لكي تظهر الحقائق بجلاء أكبر، وحبذا لو أن الذين حرضوه على كتابة ما كتب، يستمرون في ممارسة التحريض، عله يفعل ويقدم شهادة للتأريخ، خاصة وأنه سيكتشف بنفسه مدى اللهفة والحنو اللذين سيقابلان كتابه هذا، إذ لدى الناس ظمأ لمعرفة ما حصل، وكيف حصل.

هذا ما يجب استذكاره لاكمال صورة مرحلة تأريخية.

أما فيما يتعلق بطريقة قراءة الكتاب الذي بين أيدينا، بغداد في العشرينات، فأعتقد أنه بحاجة لأن يقرأ أكثر من مرة، لكي نضع أيدينا على العصب، ونملك المفاتيح التي تمكن من الوصول إلى الجوهر، لأن الكتاب ، كما أفترض، خلاصة  عمر وتجربة، رغم أنه ليس مذكرات شخصية بالمعنى المألوف.

يتراءى لي ان وراء سطور هذا الكتاب الكثير الذي يجب أن يبحث عنه، وأن يقرأ. أو بكلمات أخرى، أن للكتاب مستويات عديدة، في ما أورد وفي ما أهمل، في ما أفاض وما أوجز، الأمر الذي يتطلب الكثير من الأناة في القراءة أولاً، ثم إعادة بناء المشهد، اعتماداً على ما ورد فيه وعلى العناصر الإضافية التي يعرفها الكثيرون، كل من زاويته.

وإذا كان لابد من كلمات أخيرة، فالكلمة الأولى لسولانج تقلا، اللبنانية التي اقترنت بعباس بغدادي، والتي دفعته لكتابة ما كتب، رغم أنها لم تعش تلك المرحلة، ولم تعرف ذلك المكان قبل الزواج، لكن شعورها أن لدى زوجها الكثير الذي يمكن أن يقوله، وهو بمقدار ما سيكون زاداً لأولادها وللأحفاد، فقد ادركت ما يعنيه ذلك لشعب ولمنطقة هامة في هذا الوطن، دفعها لأن تثابر وتصبر إلى أن وصلت لهذه النتيجة.

ثم هناك كلمات للذين حرضوا عباس بغدادي على الكتابة، خاصة فاتك الصافي ويوسف العاني. فإذا كان سيد عباس قد أنجز جزءاً من المهمة المنوطة به، وهي الكتابة عن بغداد في العشرينات، فإن بيننا وبين تلك المرحلة سبعين عاماً، الأمر الذي يتطلب تصدي آخرين للكتابة عن بغداد بعد ذلك العقد، كل من موقعه، ومن الزاوية التي رأى الأشياء من خلالها، خاصة وأن لدى الصديقين، الصافي والعاني، الكثير ليقولاه، وقد تشجع مبادرتهما الآخرين أيضاً.

أما الكلمة الأخيرة فهي للسيد عباس بغدادي، إذ بالإضافة إلى التقدير الكبير للجهد الذي بذله من أجل استحضار صورة بغداد التي كانت في العشرينات، وقد برع في رسمها، وأضفي عليها النبض الحي، فإن الرغبة، والأمل، يدفعاننا لأن نسمع المزيد من ( هذا الذي رأى) حسب ملحمة كلكامش، لأن شعباً دون ذاكرة كالمركب دون قبطان، وهناك الكثير الذي يمكن أن يقال، ويجب أن يقال.