ندوة الثقافة الجديدة

التهميش الاجتماعي أبعاد الظاهرة ودلالالتها

هذا نص الطاولة المستديرة التي نظمتها " الثقافة الجديدة" بمشاركة كتاب وباحثين تناولوا ظاهرة التهميش الإجتماعي من زوايا متعددة وطرحوا أفكارأ متباينة حول أبعادها ودلالاتها في سياق التحولات التي شهدها ويشهدها المجتمع العراقي سياسياَ واجتماعياً واقتصادياً.

رائد فهمي: لابد لي اولاً من التعبير عن سعادتي البالغة لفرصة اللقاء بكم حول هذه الطاولة لمناقشة قضية ذات ابعاد متشعبة كقضية الفئات الهامشية. ونحن في مجلة "الثقافة الجديدة" نأمل ان نتناول القضايا والظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما تستحقه من الاحاطة الشاملة والدراسة العميقة مستفيدين من تعدد الآراء وتنوع المقاربات.

 أود هنا ان أركز على جانب محدد من ظاهرة الفئات الهامشية والمتمثل بالتوصيف، فكيف نعرف الفئات الهامشية؟ وبالنسبة الى اي معيار؟ في تقديري ينبغي التوقف عند العامل الاقتصادي حيث يتحدد الهامش في عدم الإندماج في نظام معين. لذلك تعتبر القوى التي لاتندمج في النظام القائم هامشية بالنسبة له. ونجد في لغة الإقتصاد مفهوم القطاع غير المنظم الذي يشير الى النشاطات التي تحقق خارج إطار القواعد القانونية المنظمة للعلاقات الإقتصادية. القوى أوالفئات الفاعلة في هذا القطاع تنشط في حيز غير منظم وغير خاضع للضوابط الإقتصادية السائدة، وتتميز بأنماط سلوكية ونفسية معروفة. غالبا ما يظهر القطاع غير المنظم في فترات الحروب ويكون الوجه الاخر لإنحسار دور الدولة في تأمين الخدمات وفرص العمل. وكلما إنحسر دور الدولة بوصفها الإطار المنظم لنشاطات شرائح المجتمع، تزايد دور مايسمى بالفئات الهامشية.

من هذه الزاوية اعتقد ان من الخطأ النظر الى ظاهرة الفئات الهامشية نظرة اخلاقية فوقية. ان من المهم جداً دراسة الطريقة التي تنظم بواسطتها هذه الفئات حياتها بموازاة النظام الإقتصادي السائد.

  أصحاب "الجنابر" مثلاً يمثلون نموذجاً للقطاع غير المنظم الذي نشأ إستجابةً لحالة معينة إرتبطت بالهجرة إلى المدينة. وكذلك هو الحال بالنسبة لبعض الشركات الموجودة في مدينة الثورة.والتي تعكس ظاهرة تهميش مركب.

  المهم بالنسبة إليّ ان نتفق في النقاش على توصيف محدد للهامشية بأبعادها الثقافية والسلوكية، ونبحث فيما يترتب عليه لغرض الوصول إلى ما نريده في هذه المرحلة الإنتقالية من أجل معالجة الظاهرة وتجاوز ما هو سيء فيها .   بوسعي ايضاً ان أضيف بأن للهامش قيمة إيجابية بمعنى مخالفة ما هو سائد. هناك في بلد مثل فرنسا من يختار ان يكون هامشياً بقصد مخالفة قيم المجتمع ورفض الإمتثال للأعراف السائدة.

الفريد سمعان: ينبغي الوصول الى تحديد دقيق للفئات الهامشية. من خلال عملي كمحام اتعامل مع قضايا ذات صلة بموضوع هذه الندوة. من هم الهامشيون ؟ أهم الخارجون عن القواعد الاساسية الاخلاقية والاجتماعية ؟ هم يمثلون فئة محددة او مجموعة فئات ؟ هل يصبح اطلاق تسمية واحدة على فئات ومجموعات مختلفة في معدلاتها العمرية وانماط  حياتهم؟

د. متعب مناف: اذا لم يكن هناك هامشيون لا يوجد تغيير اجتماعي . فالمجتمع بالنسبة اليهم عالم غريب، وهم ينزعون عادةً الى تجاوزه. وكل التغييرات العميقة التي حدثت في المجتمع صدرت من الهامشيين غير المحكومين بالعرف الإجتماعي. لنتذكر الفيلم المشهور " قصة الحي الغربي". حركة الصبية في هذا الفيلم تعبر عن كسر للقيد الثقافي او التقليدي. ما يبعث على الإستغراب ان تجد حي هارلم في نيويورك قرب جامعة كولومبيا التي هي محجة فكرية.

  علينا أن نسأل هل ان حضارتنا تقبل بدخول الهامش؟ علينا ان لا نقسو في الحكم على الفئات الهامشية التي تعبر عن ثقافة فرعية. والمشكلة برأيي لا تكمن في وجود ثقافة فرعية، بل من تحولها الى ثقافة ضدّية، اي تحولها من قوة تغيير الى قوة تخريب. لذلك اقترح ان نتحدث عن الهامشيين بوصفهم ظاهرة اجتماعية، وأن نرجع اسبابها الى المجتمع وليس الى الدولة فقط. يجب ان لا ننسى ان المجتمعات في بلدان الشرق الاوسط سبقت قيام الدولة. الحاكم الفعلي عندنا هو المجتمع، والدولة تتجاوز عليه بإسم التنمية والتغيير.  فتحدث ازاحة مؤقتة، في حين يبقى المجتمع هو الحاكم الفعلي.

في السنوات العشرين الأخيرة صار عندنا فراغ اجتماعي أثر في تركيب الأسرة واعادة توزيع الأدوار فيها. فصار الجيل الناشىء يتحكم في القرار العائلي. التغيير في المناطق الهامشية نتج عن التحرر من العشائرية والضغوط الاجتماعية القوية التي كانت تشدّها قيمياً و عرفياً واجتماعياً. في هذا التغيير في العلاقات الأسرية داخل المدينة دفع النازحين اليها من الأرياف الى أن ينشطوا في مجال السياسة والتي تمثل بالنسبة لهم، طفرة الإنتقال من الحزام الى المركز هو طفرة.

 اما الدولة فساهمت لذلك عن طريق النظام العسكري (الجيش الشعبي، التجنيد الإلزامي) وكانت هذه عملية مؤلمة جداً. المهم الآن تجيير الجيش لصالح المجتمع، والتذكير بان الدولة السابقة استندت على منظومة صارمة فرضت شعوراً بالإذلال على الفرد العراقي المعتد بكرامته كما هو معروف.

الثقافة الجديدة: أقترح أن نقصر الحديث في هذه الجولة على توصيف ظاهرة الهامشيين.

د. جواد بشارة: عند اغلب من يوصفون بالهامشيين يتجلى العنف كأسلوب للتعبير عن الذات. فالشباب العاجزون عن الإندماج بالمجتمع، والعاطلون عن العمل يعانون من الفراغ الذي يدفعهم الى سلوك العنف والتحدي ازاء الآخر.

د.حيدر سعيد: بودي ان نبقى ضمن إطار التحديد النظري للظاهرة. وأعتقد ان منطلق هذه الندوة يتمثل في مجموعة ظواهر شهدها العراق بعد سقوط الدكتاتورية في 2003/4/9.

 تحديد هذه الظواهر يرد وفق معيار المركز والهامش. هذا يعني ان هناك موقفاً مسبقاً يفترض وجود استقرار وثبات في المركز والهامش، وفي نمط الإنتاج والعلاقات الإجتماعية. ونحن هنا قد إستعرنا ثنائية المركز والهامش لوصف ظواهر في مجتمع غير مستقر أصلاً من نواحي علاقات الإنتاج ومكوناته المادية والقيمية . لذلك اعتقد ان طرح الندوة ثنائية المركز والهامش هو جزء من خوف المركز على نفسه. هل نحن مدنيون ونشعر بالمركزية المدينية . ونريد نقد ظاهرة الهجرة التي صدرت بعد عام 1958 او في فترة الخمسينات والتي ترجع الى اسباب اقتصادية وسياسية ولها تعبيرات قيمية مختلفة ؟ القضية الأخرى التي أود اثارتها هنا تتعلق بمحاولة قلب العلاقة بين التعبيرات الآيدولوجية والحركات الهامشية.

د. حسين سرمك: سأطرق موضوع الفئات الهامشية من زاوية علم النفس الذي هو مجال إختصاصي. هناك نكتة في الأدب السياسي تقول انه في الأنظمة الديكتاتورية والشمولية عندما يظهر رئيس ليخطب يقول: أعزائي المواطنين. وحين يسمع المواطنون الجالسون في المقهى ذلك يلتفتون الى الوراء لينظروا الى المواطنين الذين يعتبرهم الرئيس اعزاء! لأنهم لايصدقون ان المركز يعترف بهم.

  أعتقد أن محنة المجتمع العراقي هي محنة كارثية من ناحية التهميش الذي حصل بالمعنى النفسي وليس بالمعنى الجغرافي او الإقتصادي او الإجتماعي. لقد سبقني بعض الأخوة المتحدثين في الأشارة الى حزام الفقر الذي نشأ حول بغداد نتيجة الهجرة من الريف، واصبح وصدر الهامشية الأكبر. برأيي ان الموضوع اوسع من هذا لإن المجتمع العراقي كاد ان يكون قد همش تاريخياً بأكمله بضمنه الصفوة، اذا جاز التعبير. احياناً يجري دراسة الشخصية القومية من خلال الصفوة، ونحن كصفوة نشعر بالإنفصال بمفهوم علم النفس. لذلك اعتقد ان الهامشيين هم الناس المقهورون، أي المهددون بالانخصاء.

  هناك عالم أوربي اسمه سيكلمان قام بتجربة شهيرة جداً حيث جلب كلباً وربطه في قفص مقسم الى قسمين. وحين عرضَ الكلب الى نتلة كهربائية تحرك الكلب الى النصف الاخر لكي يبتعد عن مصدر النتلة. بعد ذلك قام العالم بربط ارجل الكلب بسلك كهربائي ليعرضه لنتلات كهربائية متواصلة. كان رد الفعل الأول للكلب العواء، لكن مع استمرار النتلات لساعة او اكثر، اضطر الكلب الى التحمل كما لو كان الامر عادياً. حين طبق العالم هذه التجربة على عدد من الناس اعطاهم مسائل معينة صعبة الحل فلاحظ حصول تبلّد عقلي وتراجع في رد الفعل وهو ما يسمى في علم النفس بالنكوص في الحالة الأعم. فان الإنسان الهامشي الموجود على حافة المجتمع يستطيع ان يأتي بأفعال مباشرة لكن بسبب نكوصه الى مرحلة طفلية يتصرف كما يتصرف الأطفال. هذا ما يجسد في حالات قيام المواطن بقلع الإسفنج في مقاعد باصات مصلحة نقل الركاب، أو الكتابة على جدران المرافق الصحية. هذه الحالات مؤشرات على الإحباطات النفسية التي يواجهها الشاب العراقي،  كالنكوص الذي سبق ان اشرت اليه والعدوان بنوعيه، الموجه الى الذات، والموجه الى المجتمع، والإتكالية والقدرية والغيبية. راجعت أمس قاموس الوسيط لأرى بلاغة اللغة في إعطاء مؤشرات التهميش، حيث ان اللغة تحمل معها ثقافتها وصراعات الناس النفسية، يقول القاموس همش الرجل همشة، كإنما همّشه اكثر في الكلام دون صواب، وهمش القول تحركوا دون نظام، همش الجراد تحرك ليثور، إهتمش القوم كثروا بمكان فاقبلوا اوادبروا واختلطوا، تهامش القوم اختلط بعضهم ببعض وتحرضوا، وتهمش الشيء تآكل وتحكك.

  اخشى اننا نحن الذين ندعي وجودنا في المركز ان نصبح هجمتنا على الهامش قوية جداً تعبيراً عن احساسنا بالخطر. والهامش هو حاشية الكتاب. فلان يعيش في الهامش، يعني انه لم يدخل في زحمة الناس. أعتقد ان بلاغة اللغة تعفينا من الكثير من الكلام وان ظاهرة الهامشية اوسع من ان تقتصر على الجانب الجغرافي او الإقتصادي.

  اعتقد ان تحديد ظاهرة الهامشيين تتجاوز النطاق النفسي الإجتماعي الى ما هو انساني. ونحتاج الى تخصيصات عديدة في العلوم الإنسانية لكي نصل الى تعريف جامع لها او على الأقل نظرة شاملة لتفسيرها. ارتباطاً بملاحظة د. متعب مناف اعتقد ان الهامشيين يمثلون ظاهرة ومشكلة في آن واحد وانا أعمل حالياً على دراسة ظاهرة اطفال الشوارع التي غدت ظاهرة مستفحلة بعد سقوط النظام، وهي في الوقت نفسه مشكلة مستعصية جداً. وهي تنطوي على بعد انساني لأنها لاتقتصر على فئة اجتماعية محددة او جماعة سياسية، فهناك الموظف المهمش والسياسي المهمش.. الخ.

  بالنسبة لظاهرة اطفال الشوارع التي ادرسها حالياً، فانها ناتجة عن التنشئة الإجتماعية المتمثلة بالتفكك والإنحلال في العلاقات الإجتماعية حيث لعبت سياسات النظام السابق دوراً كبيراً في ذلك وهذه السياسات تفسر سبب إنهيار البنية الإجتماعية وما نجم عنها من تدمير عائلات بكاملها في جميع المحافظات وتفكك العلاقات الأسرية بحيث أصبح الأخ لايبالي بإخوته، والأب بأبنائه.

  بشكل ملموس لاحظت اثناء دراستي لهذه الظاهرة أطفالا لم يروا عوائلهم منذ سنتين او ثلاثة، وعدم اكتراث الأب بإبنه عندما اجلبه اليه فلا يستقبله بحرارة ولا يسأله لماذا تركت البيت. لقد نشأت بين أفراد العائلة حالة جفاء واضحة، نتيجة تعثر وإنحراف التنشئة الإجتماعية.

جمال العميدي: الحقيقة ان الذي يفاجئني اننا جميعاً نتكلم عن هوامش، وانا افهم ان المهمشين ليسوا نوعاً واحداً. وان هناك جماعات مهمشة تربطها ببعضها روابط محددة. لغرض توصيف المهمشين أجدني ميالاً الى الأخذ بالتعريف السلبي لهم، اي اعرفهم بما ليس فيهم.

 فلتعريف مجموعة من المهمّشين علي ان اذهب الى الطرف المضاد لهم وهو المركز والفئات المحسوبة عليه، استناداً الى هذا الإطار المرجعي استطيع ان أقرأ تاريخ حرمان المهمشين في السنوات الخمس والثلاثين السابقة. وأعتقد سيكون مجدياً للنقاش لو تساءلنا ان كان هناك مركز في الوضع الحالي، وان كان هذا المركز فكرة متخيلة او واقع ملموس. فهل هناك مركز في العراق حالياً ؟ وهل يمثل هذا المركز الأساتذة الجامعيون والباحثون والصحفيون؟ اخشى ان تصب مساهمة هؤلاء في مجال الهامش لا المركز! واخشى ان تكون فئة النخبة مهمشة بنفس درجة تهميش الفئات الدنيا! في هذه الحالة لماذا لا نفترض وجود تعدد في المراكز بحيث تلغى المسافة بين المركز والهامش؟.

علاء: لاأريد ان اقفز على ملاحظات السادة الحاضرين، لكن الذي لفت انتباهي هو توصيف الهامش والهامشيين. فأنا أتصور ان الهامش قوة رفض ومحاولة عودة. من جانب آخر أتصور ان للبعد الجغرافي صلة بالتوصيف المطلوب فالمدن الكبيرة تخلق هوامش خاصة بها ! وهكذا هو الحال في بغداد او البصرة.

هل سيقيّض للمدينة ان تستوعب التصورات الغيبية او الاسطورية ذات اللون الريفي بحيث يستطيع الهامشيون التكيف مع شروط الحياة في المدينة، وتكون هذه الأخيرة وسيطا لتأهيل المهمشين.

الفريد سمعان: اعود ثانية للسؤال من هو المهمش ؟ ولماذا يوجد هامشيون ؟ أحد الأسباب الرئيسية هنا يعود الى التربية الأسرية وكذلك الى التربية المدرسية التي قد تكون ظالمة لبعض الطلاب.

 أعتقد ان الوضع الإقتصادي له دور كبير في تهميش الناس. الأب الذي ينجب عدداً كبيراً من الأبناء والبنات ولايستطيع إعالتهم، سيهيء شروط تحول بعض منهم الى هامشيين، فالحاجة تدفع الأبناء الى سوق العمل في سن مبكرة وذلك بعرضهم الى عدوانية المجتمع، والهامشيون الكبار يصنعون هامشيين صغار على غرارهم. اثناء فترة الحرب التي شهدها العراق ارتفعت نسبة الطلاق والافتراق فأدى ذلك الى ارتفاع عدد الأطفال السائبين دون رعاية. كذلك فان الآباء البعيدين في جبهات الحرب، تركوا الأمهات مع الأبناء والبنات دون السيطرة عليهم وتوجيههم لحمايتهم من ضغوط المجتمع ومغرياته لذلك لااعتقد ان الهامشيين يشكلون فئة استثنائية في المجتمع لانهم موجودون في كل بلد، لكن وجودهم في بلد مثل السويد لايقارن بوجودهم في بلدنا. لقد شهدنا طيلة السنوات السابقة وقائع قريبة لأسر متعبة، أطفال حفاة، رجال يقوم بعضهم ببيع الحصة التموينية ليراهن في سباق الخيل.

 بإختصار استطيع ان اصف الهامشيين بانهم الفئة الرافضة لتقاليد المجتمع والفاقدة لأي اهتمام ايجابي بالحياة والمستقبل.

رائد فهمي: أعتقد ان المداخلات سلطت الضوء على مستويات متعددة من الموضوع، ومن الضروري حصر الظاهرة من اجل فهمها. لذلك ينبغي الإتفاق على حدود دراسة الظاهرة مع الاقرار بانها متعددة المستويات. وهذا الإجراء لايتضمن تبسيطاً، بل تمليه عملية البحث وليس الإختزال. ما تفضل به د. حيدر سعيد عن المركز والهامش موجود ضمنياً في التفكير بالظاهرة. النموذج الأقرب بالنسبة لي هو نموذج غير الممتثل، اي ان الهامشي هو من لايقبل بقيم الانظمة السائدة. عندما يكون لديك آلية مجتمعية معينة (سياسية او أخلاقية) تقصي بعض الناس فتبقيهم خارجها وتعجز عن دمج آخرين فتتركهم على هامشها، انا اتحدث عن الدولة كنظام، ولكنها ليست المعنية وحدها، فهناك القيم والسلوكيات التي تنزع الى اقصاء من يخالفها. في حالتنا الراهنة نشهد حالة صعود ثقافة ضدية. وهنا تبرز مشكلة عملية الدمج التي بينما تتأصل وتتجذر تثير قوى مضادة للإندماج.  المتمردون على الثقافة لديهم موارد لذلك يعيشون الرفض كرفض للاندماج. هذه الفئة من الناس تثور وتتحدى ولا تطالب بالاندماج وتأخذ مساراتها، وهذه إشكالية نحن بعيدون عنها ونحن بصدد ظواهر أخرى مثل ظاهرة الأحزمة والتي يمكن ان نسميها ظاهرة اقتصادية إجتماعية. وهذه تتعلق بالسياسات والدمج وغيرها مثلا يوم أمس كنت في مدينة الثورة حدث نقاش حول مجموعة من الناس وطرح تساؤل من أين أتى   هؤلاء؟ وتصرفات المشار إليهم خارج حالة الدعة والطمأنينة، أي ان من لا يعرفهم يعتبرهم هامشيين لأن تصرفاته تبدو له غير طبيعية. فالعجز عن تفسير الظاهرة يدفع إلى اعتبارها هامشية. اعتقد اننا إزاء  ظاهرة تعدد المراكز قائمة والدولة تريد ان تفرض شكلاً من أشكال المركزية عليها.

نعود الآن إلى قضية الدين. ما هو الخطاب الذي يمكن ان تستجيب له الجماعات الهامشية؟  في الغالب هو خطاب شعبوي كما هو حاصل في الغرب. وهو خطاب يستجيب إلى حاجة أو مجموعة حاجات. لذلك من الضروري توصيف الظاهرة وفق ضوابط  موضوعية لا علاقة لها بالأحكام القيمية. فبوسعنا أن نتحدث عن كيفية قيام هذه المجموعات بتنظيم نفسها والتعبير عن نفسها. فظاهرة التهميش في المجتمع العراقي يمكن أن تعزى إلى تعدد المراكز أو عدم وجود مركز. واعتقد ان نظام القيم السائدة هو نظام محافظ، كما أن النظام الأبوي السائد لا يقتصر على الأسرة فقط، وانما له مرتكزات في السياسة والاقتصاد وفي مختلف أوجه الحياة. وحسب ما قلت قبل قليل حيث هناك موظف مهمش أو إنسان مهمش أو هناك شخصية متميزة ولكنها مهمشة ويمكن ان نحصرالمركز والهامش في نظام محافظ غلى جانب نظام قيم رافض.  أرجو ان تكون هذه الفكرة محور الحديث.

د. جواد بشارة : الأخ اسماه نظام قيم ولكننا يمكن ان نقول ان المركز  هو الذي يمتلك القرار او الذي ينطلق منه القرار تجاه من هو في الهامش. كل من هو خارج هذا القرار يعتبر بشكل ما مهمشاً حتى لو كان برجوازياً متمكن مادياً أو أستاذاً جامعياً أو سياسياً قديراً. القرار يؤثر على حياة المجتمع بأكمله، وكل من هو خارج القرار يعتبر مهمشاً هذا إذا كنا لا نريد ان نركز على فئات لديها مشاكل اجتماعية ونفسية من طبيعة ما. إذا نظرنا من هذه الزاوية، فان صاحب القرار هو من يفرض نمطاً معيناً من السلوك أو وضعاً اقتصادياً وما شابه ذلك من خلال قرار مصيري يؤثر على جميع فئات المجتمع بكل مستوياته. هو هذا المركز الذي ليست له صفة جغرافية كأن يكون المدينة التي تضع الهامش خارج أطرافها. فانك تجد في أرقى الأحياء أناساً يمكن أن يكونوا في موقع هامشي ليس لانهم جائعون أو فقراء، بل لانهم خارج عملية القرار.

د. حيدر سعيد: سمعنا الكثير من المداخلات لكن هناك ملاحظتين أساسيتين تستحق ان نتوقف عندهما، الأولى هي أن أحداث السلب والنهب والتي حصلت بعد 3004/4/9 أوجدت شعوراً واسعاً بأن الفئات التي قامت بهذه الأعمال هي الفئات التي لم تستطع ان تندمج في المجتمع المدني الذي لم يفرض حضوره بعد بسبب هيمنة الدولة الشمولية. أما الملاحظة الثانية تتعلق بجيش المهدي الذي يوجد ميل واسع لتفسيره على أنه حركة مهمشين. وقد ساقنا الحديث حتى الآن إلى تحديد الفئات الهامشية بكونها الموجودة خارج إطار الدولة، وهذا البعد السيوسولجي للظاهرة، وكذلك إلى تحديدها من زاوية ثقافية بوصفها تعكس خيار الفئات الخارجة عن قيم الطبقة الوسطى التي تآكلت وتقلص دورها منذ قرابة عقدين من الزمن.

الثقافة الجديدة: أقترح هنا أن نخوض في جولة جديدة حول اوجه التهميش في المجتمع العراقي منطلقاً من تعريف يرجع ما هو هامشي إلى عدم الاندماج مع المؤسسة. علينا الآن أن نقف عند اوجه التهميش في المجتمع العراقي وملاحظة تجلياته من خلال أوضاع الأطفال والنساء والمهاجرين والشباب.

د. جواد بشارة: أحد الاخوة قال ان عملية التهميش هي عملية تهميش للمجتمع بأكمله أنا اتفق مع هذا الرأي. إذا أردنا تحديد أهم جوانب التهميش وانطلقنا من نقطة انطلاق محددة هي الطبقة الوسطى وقيمها، لوجدنا أن التهميش تفرضه المؤسسة صاحبة القرار. هذه المؤسسة ذات الصلاحيات الاقتصادية و السياسية تروّج لأنماط قيم محددة وترفض أنماطاً أخرى. والأعتراض عليها قد يأخذ أشكالاً مختلفة معبّر عنها أو صامتة. كذلك قد يكون التهميش إرادياً او قسرياً بحيث ان هناك من يختار بنفسه التهميش إزاء ما هو مفروض عليه من الخارج، في إطار رفض السياق المركزي السائد.

دكتور حسين سرمك:  لدي مداخلة بسيطة على فكرة وردت قبل قليل ليس كل هامش طارئ، ويبدو من صلب قوانين المجتمع أن كل حركة اجتماعية تخلق هامشها. توجد الآن دراسات عن الهامش تعتبره مكملا للمتن الإجتماعي.

في بداية التسعينات تشكلت ظاهرة غريبة وهي ان الاقتصاد العراقي المُدمَّر، قد انتعش من خلال الفئات الهامشية التي دخلت الى الشورجة والتي تقوم بنقل السلعة من التاجر إلى باعة المفرد. بعض هذه الفئات تكمت في السوق بشكل غريب حيث سيطرت على أسعار الرز والسكر والطحين. هناك حالة آخرى في 1999 وفي منطقة سكني إنقطع بائعو الغاز عن المجيء إلى المنطقة مما أثر على العائلة العراقية كثيراً وأجبر بعض العوائل على الاعتماد على النفط. ان الهامش العراقي مؤثر بطريقة مدمرة جدا ولا أريد ان أنسى المثل الذي طرحته في بداية الحديث حول ان رئيس الدولة عندما يقول أعزائي المواطنين، نحن كنا نعتبر تاريخ المجتمع العراقي تم على أيدي الطبقة الوسطى بحيث ان الطبقة الوسطى هي مصدر نهضة العراق الحديث. بالعودة إلى فكرة صراع الحضارة والبداوة الذي تحدثت عنه الراحل علي الوردي، اعتقد ان اشد غزوة للبداوة تمت في عقد التسعينات. وآمل أن لا يؤخذ الكلام بشكل عنصري أو طائفي، فقد صارت جماعات من محافظات مختلفة تلبس مثل أهل تكريت وتتكلم بلهجته. وهذا يحيلنا إلى موضوع خطير جدا هو تماهي الهامش مع السلطة القاهرة التي تزيحه خارج دائرة المجتمع لكنه يبقى يتعامل بقيمها والتي أولها العنف الذي عندما يتطور يصبح انتحارياً، والذي يتراكم تدريجيا ويُخزن إلى ان يتولد بهذه الطريقة المدمرة للفرد والمجتمع. إذا اعتبرنا الدولة مركز القرار الذي يزيح الهامش داخله، يزاح التهميش إلى عمق المجتمع. نذكر مثلا حالة الموظف الذي عندما يختلف مع مديره لا يستطيع ان يرد عليه ، ولكن عند عودته إلى المنزل تقول له زوجته اجلب لك الغداء يرفض ان يسلم عليها ويرد عليها بجفاء. وهكذا تتم إزاحة العدوان إلى مستوى آخر غير مستواه الفعلي.

الثقافة الجديدة:  في هذه الجولة الثانية حول اوجه التهميش أو تجليات التهميش ينبغي أن أشير إلى وجود فئات مهمشة بشكل مزمن نتيجة الأعراف والقيم السائدة في المجتمع، وثمة فئات همشت بسب ظروف سياسية حيث لم تجد من يمثلها في السلطة. وضع المرأة في مجتمعنا نموذج لفعل العامل الثقافي المضاف إلى العاملين الإقتصادي والاجتماعي. أود أن نقوم الآن بالتوقف عند هذا الوجه وسواه من أوجه التهميش.

زهير الجزائري: نحتاج الى مراجعة تاريخية للتهميش. ففي الخمسينات نلاحظ ان القيم الكبيرة والمؤثرة نبعت من المدن الكبيرة في العراق وهي ثلاث او اربع مدن.  وفي الحياة السياسية نلاحظ من تسلسل الوزارء وروؤساء الوزراء أنهم ينحدرون من ست أو سبع عوائل، وهم الذين تحكموا بالحياة السياسية وقاموا بخلق السلطة التي كونت الثقافة المركزية التي على ضوئها يتقرر ما هو هامشي.

الهجرة التي بدأت من الارياف الى المدينة في اواسط الاربعينات خلخلت هذه المعادلة ، وبدأت العوائل المحافظة في مركز المدينة تشكو من الغزوة الريفية، من ثقافة الاطراف التي أفسدت ثقافة المدينة ولم ينظر إلى أي مدى أفسدت ثقافة المدينة ثقافة الريف وتقاليده. ولو نظرنا إلى التشكيلة الثقافية لمحيط المدن التي نشأت نلاحظ أنها تغيرت تدريجياً، وتغيرت معها البيئة المدينية، فشكل البيوت في الأطراف غدا مزيجاً من البيت الريفي السابق وبيت المدينة التقليدي حيث يمكن أن يوجد فيه حيز للزراعة أو لتربية المواشي. وهناك أيضاً مزيج بين شكل الحياة الريفية والحياة في المدينة في التعبير الغنائي حيث دخلت الأبوذية الحياة الثقافية وصارت جزءاً من الغناء المديني،  وتحولت التقاليد الريفية إلى مدينية. المغني الريفي الذي يرتدي العقال ويحمل المسبحة دخل إلى التلفزيون وبدأت نساء المدينة يستجبن للأغاني الريفية يرقصن على أنغامها. إضافة إلى ذلك يوجد ريف معزول داخل مركز المدينة مثل مدينة الثورة التي هي قريبة جداً من بغداد ولكن لا توجد علاقة بين العوائل الأصلية في بغداد والعوائل في مدينة الثورة، حتى أن تلك العوائل تحذر أبناءها من الذهاب إلى مدينة الثورة باعتبارها من المناطق المفسدة ... الخ. أتذكر أن في رواية فؤاد التكرلي " الرجع البعيد" وصف لحادث شخص يعتدي على خالته. عندما سألت الكاتب مرة وهو قاض بالمهنة لماذا أخذت هذا الحادث. أجابني لا يمكنك أن تتصور سعة هذا النوع من الاعتداءات في المناطق الريفية التي يجب أن تكون محافظة على التقاليد اكثر من مركز المدينة. ان الإنسان بطبيعته مرتبط ببيئته أو محيطه الاجتماعي، وعندما ينتقل من بيئته الريفية إلى المدينة، فان الكثير من القيم التي يحملها تصبح بلا رصيد. ويمكن القول أن المدينة بدورها " أفسدت" هذا المحيط، اي انها غيرت من طباعه وغيرت من شكله وغيرت من علاقته الريفية وثم تمسكه بهذه العلاقات الريفية.

 هذا هو الجزء الاول من حديثي، اما اذا تكلمنا عن الجزء الثاني وهو فترة حكم حزب البعث، فإنه من الصحيح القول بانه حصل تهميش اجتماعي كامل ولكن بقيت هناك مركزة شديدة بحيث انه حتى هذا الهامش تم دمجه بالدولة عن طريق العسكرة او عن طريق التحزيب(الانتماء بحزب البعث). والتحزيب بحد ذاته هو شكل من اشكال المشاركة بالمركز واتذكر في بدايات العمل البعثي (أوائل السبعينات) كانت القيادة البعثية تصدر أوامرها لكوادرها بالتركيز على ابناء العوائل الفقيرة والابتعاد عن أبناء العوائل البرجوازية فكانت عملية انتماء أبناء العوائل الفقيرة سهلة نسبيا لكون هؤلاء يحسون بنوع من أنواع المشاركة التي ترفعهم للأعلى عند انتمائهم للجيش أو للحزب ومن ثم للجيش الشعبي بحيث شكّل هؤلاء، الجمهور الفعال للبعث في بدايته. الناس الذين كانوا يخرجون في المسيرات البعثية كانوا من هذه النماذج، في حين نرى ان أبناء الأسر البرجوازية كانوا يتحاشون هذه المظاهر ويتجنبون الاشتراك في السياسة. لقد حاول البعث خلق خلل في داخل العائلة، ان كل الأحزاب السياسية كل تعمل على مستوى المنطقة (كتنظيم) أو على العمل ماعدا حزب البعث فقد عمل على مستوى العائلة، واتذكر في إحدى تصريحات صدام عن خلق عين للحزب في كل عائلة، وكيف نخلق ابناَ للبعث في كل عائلة. ذلك خرب التشكيلية الثقافية داخل العائلة والتي كانت تتمثل بثقافة الأب والأبناء الكبار. فركز البعث جهوده على الأبناء الصغار مما جعل التشكيلة الثقافية محددة بثقافة الأب وثقافة الابن الصغير، واصبح الابن الصغير يخيف اكثر من الأب باعتبار ان صلة الابن بالدولة هي أقوى من صلة الأب بالدولة، لا بل اصبح الأب يخاف من ولده الصغير. كما أصبحت مركزية الابن داخل العائلة اكبر من مركزية الأب لكون الابن يستمد سلطته داخل العائلة من علاقته بالحزب. وكظاهرة شائعة أصبح الابن الأصغر مركز العائلة بالأخص في العوائل غير المحافظة أو التي ليس لها تقاليد عريقة، إضافة الى مسألة ثانية وهي زحف المراكز الهامشية على بغداد وبالأخص الهوامش الشمالية والتي استقرت في بغداد وغيرت من طباعها.

د. متعب مناف : لقد استمتعت حقا بالطروحات التي تفضل بها الأخوان ولكن أود إثارة نقطة بخصوص تقسيم مجتمعنا العراقي الى مركز وأطراف ومحور وهوامش واعتقد ان هذا التقسيم لا يصح تماما على مجتمعنا مثلما يصح على المجتمعات الغربية التي لديها مثل هذا التوازن أو الاستقرار أو الفرز في تقييم مجتمعاتها. أما مجتمعنا فيمر في طور تجريبي لما يمكن أن يكون المحصلة الأخيرة لعملية الفرز، واعتقد انه من المهم التركيز على دراسة ثقافة التهميش والابتعاد عن محاولات التقسيم والتحليل الطبقي، لكون مسألة المركز والأطراف هي مسألة نسبية فقد يكون المركز طرفا أو ان يكون الطرف مركزا، بمعنى ان هناك عملية تبادل أدوار وبالذات في المجتمعات المترجرجة التي ليس فيها تمايز طبقي.

انني دكتور ومع هذا اذهب الى عمي في الريف واستشيره في مسائل كثيرة اعجز عن حلها وقد اجد الحلول لديه، وبالنتيجة فلا يمكن الاستغناء عن هذه الهوامش. ينبغي القول أنه ليس لدينا طبقة وسطى حقيقية وفعالة بحيث تكون فوق الطبقة الفقيرة، وفي نفس الوقت، تمثل مفتاحا للطبقة العليا. كل ما لدينا عبارة عن فواصل هلامية هي كما يقول د. سعد الدين ابراهيم تحجز ولكنها تعجز، اي انها لاتستطيع أن تفرض قيمها. اما مسألة لماذا اهتم صدام حسين بأولاده  اقول ان هناك جملة اعجبتني في كتاب "اوكار الهزيمة" انه استمع لمقالة بعض اهالي عنه وحديثه بأن الحكم يجب ان لا يعتمد على الرعاع ولا على السوقة وانما يجب ان يعتمد على اكابر الناس مما جعله يستمرىء صفة الحكم، وجعله يعتقد ان الحاكم يجب (ان يهمش والا فأنه سيهمّش) عاجلا أم آجلا. فمستشارو السوء الذين ترجع أصولهم الى هذه المناطق أوصلوا عبد الكريم قاسم إلى نمط التهميش الذي يمكن ان يبقيه في الحكم ومن المحتمل ان البعثيين انتبهوا الى هذه المسألة فقلبوا المعادلة بان يصلوا الى الريف أولا. وفعلا استوعبوا الريف ابتداء بالحزبيات وإنتهاء بالغجر (الكاولية). واعتقد ان (كاولية البعثية) خاصة بهم وهي جزء مهم في الترفيه عنهم ومكمل لصورتهم العامة. ولكن لو نظرنا الى الأمور بحيادية وخرجنا من كوننا مركزا حتى نتمكن من استقراء الظاهرة اجتماعيا، واقتصاديا، فلسفيا (لأننا لو بقينا داخل الظاهرة ستتحول اهتماماتنا بها الى نوع من القلق وهو قلق مشروع). لابد ان نطرح السؤال على أنفسنا: هل نحن مهمشون؟ وهل أن كل ما نفعله هو إزاحة شعورنا النفسي لنلقيه على الآخرين؟ هنا أرى من الصحيح ان نخرج من كوننا مركزا ونترك ما يسمى بالمسافة الموضوعية للفهم .إذا نظرنا الى تاريخنا فأننا نجد حالات من التهميش، فقد همش الإسلام الجاهلية (الإسلام يجبّ ما قبله)، كما همش أهل الجماعة الشيعة التي بدورها همشت الخوارج، وهؤلاء همشوا بدورهم فئات عدة من ضمنها الإسماعيلية، كما همشت المعتزلة الحنابلة ووضعت ابن حنبل في محنته. وقد يحدث أن يصبح المهَمش مهمِشاً كما في حالة صدام حسين.

رائد فهمي: اعتقد ان الطروحات تتجه بالتفكير الى ان التهميش هو مرادف للسلطة واسأل هل ان التعريف المطروح للتهميش هو التوصيف المناسب! هل يجوز أن نتجه بالاتجاه الخاطىء؟ هل يجدر ان تكون هذه هي المقاربة المناسبة؟ هل نحن نتحدث عن هامشية، ونستبطن ضمنيا نوعاً من تراتبية القيم؟ فنحن حين نرفض الريف فذلك لكوننا لاشعوريا نفترض ان قيم المدينة هي ارقى من قيم الريف، السؤال هو هل هناك عدة ثقافات مرتبة تصاعدياً ، ام هناك مجموعة ثقافات مساوية لبعضها في القيمة والوظيفة؟ لكن لدينا في كل لحظة معطاة هناك مايسمى بالثقافة السائدة، واتفق مع ماطرح من اننا لسنا كفرنسا او بريطانيا التي وجدت فيها  قيم كبيرة اكتسحت وأشادت كياناتها، لكن لدينا ما يسمى بالطبقة الوسطى والتي نقرن وجودها غالبا باتساع دور الدولة ومؤسساتها. هذه الطبقة لديها قيم خاصة بها تمارس من خلالها تهميش الفئات التي دونها. ينبغي أن نعود الى جوهر الموضوع. اعتقد ان بامكاننا ان نترك مسافة للنظر عند تناول ظاهرة الهامشيين، وان نضع وصفا دقيقا لتعبير (الهامشية). وهنا اسال هل ان في علم الاجتماع  مصطلح دقيق ومحايد للهامش؟ ما يهمنا، في المطاف الاخير، من الموضوع هو السلوك الجمعي للفئات التي نعتبرها هامشية.  تحدث بعض الاخوة عن قضايا هامشية الفرد لكن الذي يقلقنا هو السلوك الجمعي لفئات نعتبرها هامشية استناداً إلى تناقضها مع  السلوك والقيم الجمعية. رغم ذلك فأن الهامشيين يجتمعون أيضاً في قضايا معينة مع ما هو جمعي. لذلك علينا البحث والنظر في آليات التهميش حيث اننا نلاحظ انه حتى في هذا الوضع الجديد تجري عمليات تهميش ضمن عملية التشكيل الجديد الحاصلة.

 الثقافة الجديدة: اعود مرة ثانية لأوجه التهميش وانا افترض ان هناك اوجهاً اجتماعية و ثقافية و سياسية للتهميش ، واود لو نعمل دورة سريعة حول الجانب السلبي لظاهرة التهميش باوجهها المختلفة الاجتماعية، والسياسية، والثقافية.

د. جواد بشارة: من الاوجه السلبية لعملية التهميش السلوك ازاء المرأة في المجتمع العراقي . السلوك الجمعي (الذي تفضل بذكره الاخوان الذين تحدثوا قبلي) مرتبط اصلا بمجموعة من القيم التي لها علاقة بالدين . ان شيوع المعتقد الديني ، او بالأحرى  التأويل الديني، فرض على المجتمع الحالي عملية عودة الى الوراء في الموقف تجاه المرأة . لقد كانت المرأة العراقية قبل خمسين سنة او اربعين سنة احسن حالا على كل الاصعدة وعلى كل الجوانب من المرأة في الوقت الحاضر ، سواء كان على المستوى الوظيفي او على مستوى الملبس او السلوك داخل البيت او الوظيفة او الشارع . عملية التقهقر هذه مرتبطة بسلوك جمعي، بمعنى ان المرأة السافرة في فترة السبعينات لا تعتبر نشازاً. قد تتقبلها اولا تتقبلها في داخلك ولكنك لا تتصرف ازاءها بعدوانية. في حين تتعرض المرأة السافرة في اماكن عديده لحالة رفض واعتداء عليها، اعتداء فيزيائي. من الصعب على إمرأة سافرة ان تمشي لوحدها وان تسوق سيارة او حتى ان تستأجر تاكسي. هذا السلوك الجمعي ضد المرأة السافرة مرتبط ليس فقط لكونها قد اختارت ان تتصرف هكذا ، وانما قد غلبت عليها منظومة قيم مرتبطة بتأويل للظاهرة الدينية. يجب علينا ان لانفصل بين الظاهرة الدينية والظاهرة الاجتماعية والتي هي ايضا تنعكس على السلوك الاجتماعي مما يؤدي الى تهميش مجموعة من الناس والتي قد يصل مجموعها الى 65 % من تعداد الشعب العراقي، واقصد هنا المرأة . هذه احدى الظواهر الملموسة في قضية التهميش وهي اكبر الضحايا واول الضحايا.

د. حسين سرمك: اثناء حضوري مهرجان المربد الأخير والذي والذي اقيم في مدينة البصرة تجولت في عصر احد الايام لمدة ساعتين. الشيء الذي لفت انتباهي هو اني لم الاحظ امرأة سافرة واحدة في الشوارع، وحين تساءلت عن السبب جاءني الجواب من لافتة صغيرة ملصقة في الفندق الذي اقيم فيه مكتوب فيها " ان الرجل الذي تخرج امرأته سافرة هو عدو للامام الحسين".  وانا اعتقد ان من المؤشرات المهمة لدراسة موضوع القهر هو وضع المرأة. فالإنسان الهامشي هو الإنسان المقهور. فحتى هذا الحزام الجغرافي حول بغداد لم يأت من الرفاهية وانما حدث نتيجة وجود قهر في مكان آخر،  وبالنتيجة فوجود قهر في مكان معين يجبر بعض الناس على أن يكونوا هامشيين، ولكن في مكان آخر، فالمرأة كانت وما زالت مؤشرا للقهر الاجتماعي، بمعنى ان المرأة العراقية تتعرض الى قهر السلطة وتتعرض الى قهر زوجها، وفي نفس الوقت تتعرض الى قهر اقتصادي وقهر معرفي وحتى قهر جنسي.

حيدر سعيد: الحديث عن الأوجه السلبية للتهميش يجعلني اطرح فكرة غير مختبرة جيدا ولكن لا بأس  من طرحها، لاادري لماذا اصبحت بغداد مشهدا لصراع طبقات (وهو بالتأكيد ليس الصراع الطبقي المتعارف عليه) الموجود داخل المجتمعات الرأسمالية . يبدو لي ان الصراع هنا اصبح شيئاً اخر، صراع بين مجتمع مدينة ومجتمع بادية ومجتمع ريف (اذا اخذنا تقسيمات المرحوم د. علي الوردي) وانا هنا افسر ثورة 1958 بأنها ثورة (المتريفين) بمعنا وجود حلف بين الطبقة الريفية وبين نظام قيم شكلته الاحزاب اليسارية، ان فكرة معاداة الغرب تحالفت مع القيم الريفية، وانا دائما اقول اننا نحن العراقيين لم ندرس وبتحليل طبقي هذه الثورة بقدر ماقام به المصريون واشير هنا الى كتاب (تأملات في الناصرية) لرفعت السعيد الذي يطرح مدخلا لتحليل الخلفية الطبقية لثوار 1952. هذه الخطوة لم نقم بها نحن العراقيون . يبدو لي ان بغداد بعد عام 58 اصبحت متاحة لصعود ريف جنوب العراق مضافا اليها الهجرة من الجنوب الى بغداد والتي كانت مدعومة من السلطة، حتى انني قبل فترة قصيرة جدا حين زرت مدينة العمارة لفت انتباهي كثرة وجود صور الزعيم عبد الكريم قاسم . بعد عام 79 تحديدا حدثت الضربة الثانية بصعود بادية غرب العراق الى بغداد، بحيث ان اثارها بدت حتى على اسماء المطاعم مثلا (مطعم الكهف ) تحول الى (مطعم الولائم او العزائم) ، العامل السلبي الآخر في ظاهرة التهميش هنا هو صعود قيم الريف وقيم البادية في داخل المدينة، وابرز نتائجها هي بروز قيم (المرجلة)  .. هنا يجب ان نتكلم عن السلطة ولانتكلم عن اي شيء اخر، بمعنى ان مشهد ظهور صدام وهو يحمل بندقية (البرنو) ويطلق النار في الهواء، هذه الفكرة كانت تغذي صورة  الشارب الكث الذي تحدث عنه الكثيرون وكتب عنه الكثيرون. فكرة المرجلة والتي ترجمت الى  الفتوة والطلائع.

د. حسين سرمك:لا اعرف لماذا يشدني موضوع عبد الكريم قاسم (رحمه الله) ، فبعدما قتل بالطريقة البشعة المعروفة، بدأت الناس تراه في القمر وبجانبه غزالة وكأنه في فيلم سينمائي . صورته تطبع على الاواني.  أخطر مظاهر التهميش هو ان يختلق المقهور جلاده و" يؤلهه" . وقد حصل هذا مع صدام حسين فمن غير المعقول ان يكون هذا المد الطوفاني الهائل الذي خرج ليصفق لصدام هو نفسه الذي حمل سيارة عبد الكريم قاسم ! ولكن لنر رد الفعل بعد مقتل عبد الكريم قاسم : فقد بقي الناس -ولفترات طويلة- يتحدثون عن رؤيته في القمر. واعتقد ان هذا يمثل تظاهرة رهيبة للقهر والتهميش تؤثر على المجتمع ويمكن ان تعطل حركته الاجتماعية لمرحلة تاريخية كاملة. اعتقد اننا دخلنا الآن في طور تهميش جديد مصحوب بتمزيق القيم، فمنذ عام 1980 تحديدا بدأ عمل مبرمج لتمزيق قيم المجتمع، وتم الان تمزيق النسيج القيمي العراقي بشكل يصعب علينا ان نحدد حتى المفاهيم الاجتماعية : ما هو المركز؟ وما هو الهامش؟ لقد اصبحت الحدود غير واضحة. ففي الستينات والسبعينات من القرن الماضي كان للمعلمة مكانة متميزة في المجتمع العراقي حتى انها كانت لا تقبل بالزواج الا برجل ذي مكانة اجتماعية او ثقافية او مهنية، اما في التسعينات فقد قبلت بالزواج حتى من سائق التكسي او من (فيتر)،  بل قبلت بالزواج حتى من فلاح امي من منطقة نائية ولا يتمتع بأي شرط من شروط الثقافة ولا حتى النظافة- مع احترامي لهذه القطاعات. 

د.شاكر البيضاني: موضوع بحثي هنا هو مجموعة من الاطفال المشردين التي كانت تؤويهم (دار الرحمة) في مدينة الرشاد والتابعة للدولة. عانت  هذه المجموعة من سوء المعاملة والقسوة الشديدة. وقد انتهزت المجموعة فترة سقوط النظام وانقطاع الكادر الاداري للدار اعلاه، ففرت لا تلوى على شيء واستقر قسم منها في منطقة البتاويين . يقدر عدد هذه لمجموعة ما بين (25-50) فرداً يتكونون من اطفال غير شرعيين او ابناء عوائل معدمة او متحللة اجتماعيا. وتعاني  هذه المجموعة من آثار النظام السياسي المترهل والذي لم يكن نظاما سياسيا بالمعنى المتعارف عليه، كان نظاما عبثيا لا بعثيا . اقول ان الذي استقر من هذه المجموعة في منطقة البتاوين اختلط مع اقرانه المتواجدين في تلك المناطق اصلا مما ادى الى ما يعرف بـ (الثقافة الفرعية)، وكما هو معروف فان للثقافة الفرعية تأثير وقوة اكبر من الثقافة العامة من الملفت للنظر - وهذه ملاحظة سجلتها اثناء معايشتي لافراد هذه المجاميع -وجود روابط خفية بين افراد هذه المجموعة، رغم وجود العدوانية والمنافسة والحصر والمكر. وتتجلى هذه الروابط الخفية في الحمية الي تظهرها المجموعة حين يتعرض احد افرادها لاعتداء من الخارج. كما ان أفراد المجموعة  يتقاسمون الطعام والملابس. وهناك خاصية تميزهم جميعاً، فلا احد منهم يمتلك اويحس بامتلاك اي شيء. الامتلاك ياتي من الخارج، وهذ يجعل افراد هذه المجاميع تمارس الاستجداء، او بيع الذات او بيع الجسد في سبيل الحصول على معشيتهم اضافة الى ممارستهم اعمال النشل بحيث ان الواحد منهم يحاول نشلك حتى عندما تحضنه. وبسبب تعرضهم الى الاذى الجسدي لجأ الكثير منهم الى المواد المخدرة (السيكوتين، الثنر ... الخ). تناول المخدر يجعل الواحد منهم  يفقد اي شعور بالعالم الخارجي ويجعله يؤذي نفسه بواسطة شفرة الحلاقة او اي شيء آخر متوفر في حال تعرضه للاهانة. الاذى الجسدي ترك آثاراً على اجسادهم، ومع ذلك نراهم  يلجأون الى وشم اجسادهم. انفصال افراد هذه المجموعة عن ذويهم وعن المجتمع، بل وكراهيتهم لذويهم والمجتمع، جعلهم يرفضون الانتماء والولاء لاي قيمة او تقليد او عرف او قانون، بحيث ان اي فرد منهم، ولكي يبقى حراً، يفضل العيش  في الشارع لا يتقبل اي قيد، ويتردد كثيرا في الذهاب الى دار الرعاية الاجتماعية (رغم الوعود الشخصية الكثيرةالتي قطعناها لهم بتغير المعاملة في داخل دور الدولة). وحين سؤالهم عن سبب عدم بحثهم عن اهلهم واقرابهم (ومعظمهم يعرفون اماكن اهلهم واقاربهم) يكون الجواب تخوفهم من ارجاعهم الى الملاجىء. والسبب الآخر لاعتبارهم كائنات لا اجتماعية هو اتخاذهم موقف المتفرج مما يحصل حولهم دون أن  يشاركوا في فعليات المجتمع. النقطة الجوهرية في هذا الموضوع هي نظرة المجتمع الى هؤلاء ومعاملته لهم  كـ "فضلة"، في حين يعامل الآخر نفسه كـ" انسان فاضل"، والهوة بين الفاضل والفضلة هوة كبيرة ما يجعلني اطلق تسمية (صنف) على هذه المجموعة ولم اطلق عليها شريحة او فئة، هو عدم امتلاك هذه المجموعة حقوق او واجبات تميزها عن غيرها. وفي الوقت الذي ينظر المجتمع إلى الإنسان الآخر كأنسان فاضل لامتلاكه عائلة واصدقاء وحضور اجتماعي مما يترتب علية حقوق وواجبات ويفرض له احترام، نرى ان افراد المجموعة موضوع البحث تفتقد هذه الميزة.

زهير الجزائري: أعتقد ان السلبية الاساسية في الموضوع هي ان الهامش الان هو الذي يحكم المركز وليس العكس، وابرز مثال على ذلك تحول منطقة الباب الشرقي ، التي هي مركز العاصمة بغداد ومركز السلطة وملتقى الناس والتي تضم  فيها نصب الحرية لجواد سليم، والذي هو نموذج للفكر الثقافي العراقي الجامح ، اقول تحول الباب الشرقي والمناطق المحيطة به (البتاوين مثلا) الى مركز للمهمشين  الذين لايريدون الارتباط بأي شيء. اختيار هذا المركز  جاء لكونه مكاناً للجميع ، وليس لاحد ، و حيث لا احد يعرف الآخر .. هذا هو المكان الذي تحركت منه عصابات السلب والنهب وعصابات الخطف. اختيارهذا المكان مهم جدا لكون هذه المنطقة تضم  خليطاً من الناس غير المعروفين، مما يسهل على القيام بفعالياتهم دون ان يعرفهم احد، وهذا ما لا يجدونه في مناطقهم الاصلية.

اختيار هذا المكان له قيمة رمزية وقيمة واقعية، القيمة الرمزية تتجلى في انهم مسيطرون على مركز بغداد، اما القيمة الواقعية فتكمن في ان كل القطاعات التي كانت مؤثرة على الشارع العراقي، ومنها القوى السياسية وبقايا السلطة والاخرين،  قد تم تهميشها من قبل هذه الجماعات الهامشية! فالاحزاب سابقا كانت توثر في الشارع وتخرج المظاهرات، اما الان ، وبعد تحكم وسيطرة الهامش على الحياة وبروز ظاهرة ثقافة العنف في الشارع، فقد ادى كل ذلك انكفاء الاحزاب السياسية في مقراتها وعدم قدرتها على  اخراج جماهيرها الى الشارع خوفا من عنف الهامش.

وبرأيي فان عنف الهامش اتى من:

1-لحظة سقوط التمثال ومن ثم توجه الجمهور نحو رموز محدودة (القصر الجمهوري... اولمبية عدي .. الخ) وهي رموز تمثل هزيمة عائلة واحدة هيمنت على مجريات الدولة، اما الشعب فهو هامش، فيما بعد تركزت ثورة الهامش على الدولة نفسها التي أصبحت هدفاً للدمار، لان الدولة لاتعني احد، ثم توجهوا الى تاريخ البلد (المتحف الوطني، المراكز الثقافية الاساسية) مع العلم انه من المفروض ان هذه المراكز تعني جذورهم واجدادهم، ولكنهم وبسبب سياسة الدولة اصبحوا يحسون بانهم بلا جذور وكرهوا انتماءهم التاريخي لكون دولة البعث صورت لهم ان بداية التاريخ هي لحظة صعود البعث الى السلطة، لدرجة اننا لو سألنا من هم في عمر الشباب عن عبد الكريم قاسم مثلا تكون الاجابة بانه الشخص الذي حاول صدام حسين اغتياله (لاحظ ارتباط كل الاحداث التي يعرفونها برموز السلطة)، وعندما تسال عن 14 تموز سيجهلونها أو يرونها من خلال علاقتها بـ 17 تموز .. لايعرفون اي تارخ قبل البعث. مفهوم الثقافة لدى هؤلاء الشباب يعني الحزبية، والمدرسة تعني للبعض المرحلة التي تسبق الالتحاق بالخدمة العسكرية، في حين يرى البعض الآخر ان الدراسة غير مجدية لأنك مهما بذلت من جهد وتحضير فسوف يأتي من هو اقل اجتهادا، إذا كان ابوه صديق القائد وسوف تضاف اليه بموجب ذلك درجات اضافية ويتفوق عليك، او انني ادرس بالنهاية لا أجد العمل الذي يرضي طموحاتي بعد التخرج، وبالنتيجة اصبحت الحياة عبثية، فلا يوجد امل لا في الدراسة ولا في الثقافة ولا في اي شيء، المهم ان تحصل على لقمة العيش لك ولعائلتك.

2-الشارع هو الحاضنة الحقيقية لهولاء الشبان المهمشين، والشارع هو  مركز المدينة وهو انفصال عن البيت وعن المحلة وعن تأثيرات المقربين، يتيح لهم البقاء خارج البيت والمحلة منفصلين عن دولة لايعرفونها ولا تعرفهم، ويتيح لهم الشارع خلق قيم في المكان الذي يقفون فيه، واعتقد ان هذا هو الاساس الذي تتكون بسببه العصابات.

3-أخطر ما في ذلك هو العداء بين هذه الشرائح الهامشية الكبيرة وبين مشرع للدولة القادمة . فمن الناحية  العملية لن تسمح اي حكومة قادمة بوجود هذه العصابات، وبالمقابل تشكل هذه الزمر رصيدا هائلا للارهاب. وكما نرى الآن فإن الجريمة تتحرك بأيقاع واحد مع الارهاب .. الارهابي يستفيد من الانفلات لزيادة حركته في حين ان العصابات غير المنظمة تستفيد من انكفاء السلطة السياسية وانكماشها بسبب الارهاب لتفرض سيطرتها على الشارع.  هناك عملية تبادل ادوار فيما بينها وغالبا ما يكون المصدر واحدا. وقد وردتني معلومات بان بعض عصابات الخطف لها علاقات بالارهابيين الذين نفذت مصادر تمويلهم فلجأوا الى سجلات المخابرات القديمة لمعرفة الاثرياء واصحاب الاملاك، وبالنتيجة هناك توافق ما بين الاثنين اضافة الى عدائها للدولة. لا يكنّ الهامشيون العداء للدولة التي همشتهم فقط بل للمدينة الكبيرة التي آوتهم. وبالأحرى سكان المدينة القدامى الذين ينظرون للهامشيين باحتقار كونهم غرباء و(شراكوه) لا اخلاقيين. والذي يحث الان ان كثيرا ممن يطلق عليهم (الحواسم) بدأوا بتبيض اموالهم لصعوبة بقائها لديهم كعملة، فبدأوا بتحويلها الى اشياء كالسيارات او العقارات وبدأوا بشراء الدور في مناطق كانت محجوزة لغيرهم. ومنطقيا بدأوا يحسون بالمحيط المعادي حولهم وذلك لعدم امتلاكهم لعلاقات اجتماعية مع المحيط الجديد. والمشكلة اننا نحاول بناء الدولة كما بنى الذين من قبلنا الدولة في العشرينات من القرن الماضي، وأمامنا  خياران:

الخيار الاول عن طريق العسكرة والاجهزة الامنية القوية التي تسيطر على المجتمع وتعاقب الناس بشدة ولا تعرف الى ماذا يؤدي هذا العنف،  ومن هو الخارج عن القانون.

 اما الخيار الثاني فهو اتباع طريقة تبادل المصالح بين الدولة والمواطن، اي ان يكون هناك وضوح وتحديد لحقوق الدولة تجاه المواطن وحقوق المواطن تجاه الدولة بحيث ان جميع المواطنيين، سواء كانوا في المركز او في الهامش، يجدون ان مصلحة الدولة هي مصلحتهم بالاساس. والسؤال هو كيفية توافق مصلحة الهامش مع مصلحة الدولة، واعتقد بان الاجابة تكون بان تقوم الدولة بايجاد وتوفير فرص عمل وكذلك احترام حقوقه المدنية ومعاملة الجميع كمواطنين سواء أمام  الدولة. 

جمال العميدي: بودّي ان امر سريعا على التحديد الذي ورد ذكره قبل قليل، بحيث اتكلم عن ثلاثة مستويات أو أصعدة هي السياسي والاجتماعي والثقافي. فعلى صعيد الفئات الاجتماعية اعتقد اننا نستطيع التكلم بشكل عام عن ثلاث فئات: فهناك المحتل وهناك جماعات العنف المسلح، وهناك عموم الناس الذين لا يقفون مع الفريق الأول ولا الثاني. ها هنا يقع فعل التهميش الحقيقي على الفئة الاخيرة والتي لاتعرف مع أي الفئات تكون، ويمكن لأي من الفئتين الأخريتين أن تتكلم باسمها، وتصادر حقوقها. وعلى الصعيد السياسي تظل الجماعات التي اعلنت عن نفسها كجماعات سياسية تعلن عن انتماءات تصنف في ما دون الدولة. إنها جماعات دينية أو مذهبية أو قومية أو عشائرية، وسوى ذلك. هذا يعني أن الولاء لن يكون للأمة ـ الدولة بل إلى الدين أو المذهب أو القومية أو العشيرة. وها هنا سيقع التهميش على كل الفئات التي تؤمن بمفهوم الأمة ـ الدولة، وتؤمن بأن الولاء ينبغي أن يكون للهوية العراقية أولا وأخيرا. والخطورة تكمن هنا في أن كل جماعة صغيرة تحاول ان تكون هي المركز، لا بل المركز الطارد لبقية الجماعات. ويمكن للجماعات المهمشة هنا أن تتعرض لشتى أنواع المصادرة، ولا سيما حين لا تملك سقفا تعبر به عن نفسها. أما على الصعيد الثقافي فالسؤال سيكون: من يهمش من؟ لقد خرجنا توا من اسوأ انواع الدولة المركزية، لتشيع بيننا فجأة أفكار من نحو الفيدرالية والدولة اللامركزية، تصاحبها تلك الجرعة الزائدة من الحرية والديمقراطية. هذه الأفكار المفاجئة قد تصيب المجتمع بالدوار، لأنه غير مهيأ بعد لتقبلها وتمثلها. حين ذاك يمكن للأفكار أن تظل كلمات يتم ترديدها بشكل ببغاوي. العبرة هنا في تحول الأفكار إلى سلوك وممارسة، وهذا غير متوفر مع الأسف. أقول ذلك لأعطي مثلا على سلوك المثقف العراقي الذي يتوقع منه أن يكون الممثل الأول لما تشهده الدولة العراقية من تغير. فلو تكلمنا عن مؤسسة كان اسمها بالأمس وزارة الثقافة، نجد أنها كانت (تحتضن) كل المثقفين (وهنا اضع مئة قوس على كلمة تحتضن)، بفعل مركزية الدولة. واليوم ما زال المثقف العراقي يفكر بأن على وزارة الثقافة ان تستوعبه، كونه يفكر وفق نموذج الدولة المركزية السابق، اي ان على المجلة ان تنشر للجميع وبدون استثناء، مهما كان نوع الانتاج (غثا ام سمينا). هذا يعني أن المثقف العراقي لم يع بعد عملية الانتقال الى الدولة اللامركزية. فليس من مسؤولية الدولة ان تعطي رواتب لكل المثقفين وتنشر للجميع، لكن الواقع يقول عكس ذلك، وذلك ما يفرضه اللاوعي السياسي الذي لم يزل مرتبطا بذلك النموذج القاسي جدا للدولة المركزية. ها هنا يمكن للمثقف، وتحت وطأة هذا الوعي الزائف أن يشعر بالتهميش إذا لم يستلم راتبا من الوزارة، إو إذا ما رفض إنتاجه الأدبي أو الفكري. وتلك صورة واحدة من الشعور بالتهميش الثقافي، بالمعنى الخاص للثقافة. أما المعنى العام لها، وأعني المعنى التقني الذي نجده في الموسوعات والكتب المتخصصة، فيفرض علينا أمثلة أخرى لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة.

د. متعب مناف: احاول اولا ان اعطي درجات لكل نوع من انواع التهميش الاجتماعي والسياسي والثقافي، وانا اعتقد ان المجتمع ككل هو مهمش المهمشين لكون السياسة الحاكمة،  سواء اكانت منطلقة من الريف ام من البادية، هي بالضد من المدينة وبالضد من الحضرية وبالضد من تاثير القانون، وبذلك انتهى القانون حتى ان معيار نجاح المحامي اصبح يقاس بمقدار تمكنه من الممارسة العشائرية والنجاح عند الفصول والصلح الشخصي وليس بمقدار تفهمه للقانون، وبالنتيجة  فان قانونية المجتمع هي التي انتكست وبرزت بدلا عنها عرفية المجتمع وبالتالي فان عملية الضبط الاجتماعي اختلت، فمهمة القانون هي الضبط وليس الحكم، وحين نسحب القانون ونجعل عملية الضبط تجري بشكل غير رسمي اي (عرفي) ومعنى عرفي هو ان المجتمع ياخذ عملية الضبط على عاتقه، ونتيجة لذلك وصلت الامور إلى ان الدولة السابقة (بموجب قرارات رسمية) اخذت تتغاضى عن حوادث القتل وتترك حلها للعشائر. وارى ان قيام الدولة نفسها بترك القانون واستعمال العنف هو تهديم ممنهج للمجتمع. واعتقد شخصيا ان شخصية الفرد العراقي تكره السلطة بطبعها، ولكنها تحب الحكم القاسي، واعتقد اننا لو رجعنا الى عام 2002- 2003 سنرى التقهقر.. لم يأت هذا التقهقر عبثا، فمثلا لو نظرنا الى ظاهرة البداوة فالكل يعرف ان البداوة انتهت في العراق ولم يبق منها سوى شكليات واخذت القالب الزراعي، ونرجع الى موضوعة العنف لنستنتج انه تم تسيس العنف لاغراض الدولة البعثية، وتم الاعتراف ضمنيا بالعرف مما ادى الى انتهاء دور القانون، وعليه فأن اكبر من تعرّض للتهميش هوالمجتمع نفسه وليس شرائح محدودة منه، وان الجانب الجيد الذي بقي يتحرك في المجتمع هو السوق، فالسوق لدينا لم يعد - وكما هو معروف في بلدان العالم كافة ( market ) وعرض وطلب وتنوع معروضات وتنوع رغبات ، بل اصبح(  SUQسوك) اي بمعنى (امشي!)،  اي ان البائع لا يعرف قيمة ما يعرضه وكذلك المشتري لا يعرف ما يشتريه. ومما يدل على الانكسار القيمي لدى المجتمع هو انه كان لدينا سابقا نوع من الضوابط (ضوابط موروثة او متفق عليها) وحدود ادنى من التعارف، وقد بدأت تتكسر وعوضت عنها قيم ( الغنيمة، الجسارة، البطولة) وشعار ( فاز باللذات من كان جسورا). ولكن مع هذا نعتقد ان السوق قد تحرك فعلا، بدليل ان مركز بغداد تحرك لثلاث مرات، أولها عندما انتقل من منطقة الميدان الى حافظ القاضي ، ومن ثم الى الباب الشرقي . ان تغير المركز عملية حضرية، ولكن المشكلة تكمن في كون هذا المركز مشحوناً رمزياً، والشحن الرمزي يتجسد في ان السلطة عادة ما تكون حاضرة اما عن طريق اشخاص (المخابرات او الاجهزة الباقية) أو عن طريق التمثيل، وعليه غدت سيطرة الدولة التعسفية على المواطن كاملة.

د. جواد بشارة: ثقافة الهامش ليست سلبية بكاملها. حين تحدث الأخوان أحسست ان هناك جلدا للذات وان هنالك نظرة سوداوية، مما يعطي انطباعا بأن هناك تشويها كاملا للمجتمع واعتقد ان هذا غير صحيح تماما، فمجتمعنا والذي تركته قبل ربع قرن ، هو نفسه الذي وجدته بعد عودتي ، فأمي هي نفسها واخوتي وأصدقائي لم تنل منهم تشوهات السلطة، على الأقل ليس بنفس السوداوية التي صورها الأخوان، وان كثيرا من العراقيين وقسم منهم ولد بعد مجيء البعث إلى السلطة، رفضوا منظومة القيم السياسية التي فرضها النظام، واليوم تراهم قد انتموا لعدة أحزاب جديدة ، بضمنها العلمانية، كما ان لديهم بديلا للطرح السلطوي السابق رغم انهم لم يروا غيره سابقا.