من سِفـر النضال - حوار مع الاستاذ عزيز سباهي  - الجزء الاول - ابراهيم الحريري

- كم مضى منذ التقينا  اول مرة ؟

    طرحت هذا السؤال على الرفيق والاخ الكبير والمعلم والصديق  عزيز سباهي , كنت اعرف لم اكن اريد امتحن ذاكرته وقد تجاوز الثمانين , لعلي كنت احاول ان اجد (( تعلة)) كما يقول اللغْوين (لبلبان على حد وصف الراحل زكي خيري) ........., كما يقال, لابد حديثا يتخذ رغم مشاعر الصداقة الطويلة العميقة بيننا ورغم تقلب الاحوال, طابعاً رسمياً أوشبه رسمي.

    كنت اعاين اليه في بداية عقده التاسع, لم يستطع المرض والتقدم في العمر ان يفل من ارادته, ولا من ايمانه بالماركسية ومرة اخرى رغم تقلب الاحوال, واذا اقصد هنا الجانب الموضوعي، ولامن  انشداده الى حزب شغيلة اليد والفكر في العراق, الحزب الشيوعي العراقي .

    لم يستطيع كل ذلك ان يحجب تلك الألتماعة في العينين التي تستطيع, على وهن أحياناً, وربما بالكثيرمن الجهد، ان تخترق زجاج النظارتين السميك . ولا ان تخفت تلك الضحكة المتميزة , صحيح انها كانت يوم التقينا اعلى جلجة واقوى صهيلاً, بحيث كانت تستلفت من يسمع حتى عن بعد.

- كان ذلك عام 1953*، او أواخره ؟.

أجاب ابو سعد بلهجة المتسائل :

- لا أوائل عام 1954. صحيح، تذكرت كنا في غمرة التهيئة لاحتفالات ذكرى تأسيس الحزب، كنت فتى مولعاً بالحركة وبالموسيقى ورثت الهارمونيكا التي تركها اخوك عصام بعد ان أنهى محكوميته, وين صار؟

وهكذا تدرج الحديث بيننا بعد حوالي ستة عقود من لقائنا الاول.

***

    استقر في خاطري ان اجري معه لقاءً مطولاً منذ مدة، ليس بسبب تاريخه الطويل في  الحركة الثورية العراقية، ومساهمته الثرة في التأريخ لها (مساهمة في كتابة تأريخ الحركة العمالية في العراق حتى 1958، اصول الصابئةالمندائيين ومعتقداتهم الدينية) بل انه تجاوز التاريخ لمراحل هامة في التاريخ العراقي الى الكتابة عن (نشأة وتطوير الطبقة  العاملة في الكويت) و (نشأة وتطوير الطبقة العاملة في البحرين). ثم جاء عمله الموسوعي الكلاسيكي البارز (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي).

    ولقد الح علي هذا الخاطر: أليس ملفتاً، ان هذا الباحث، الراهب المستقبل في محراب الشيوعية العراقية، الذي كرس عقودا ًمن حياته ومن نشاطه للتاريخ لها، والعمل في صفوفها،من مواقع مختلفة،لم يجد الوقت للكتابة عن تجربته ولا للحديث عن نفسه، ولم يجد احداً يتطوع للكتابة عن ذلك، وهو لعمري، جليل، بكل المعاني؟ ولعلي اضيف،واسمح لنفسي بذلك، حافزاً ذاتياً، ففي ابان ازمة عميقة كادت تودي بي، رأيته الى جانبي هو  ورفيق وصديق العمر الراحل (سامي احمد العامري)،أخاً كبيراً حنوناً, لا يبخل في تقديم  العون والنصح.

    وانا افاتحه برغبتي في اجراء هذا اللقاء معه صفن قليلاً وتساءل: يعني تعتقد الموضوع يسوه؟

لم اجب ، هيأت ادواتي وشرعت في التسجيل والكتابة.

 

* متى التقينا أول مرة؟

- أجل أوائل 1954 في سجن بعقوبة.

 

* وقتها كم من الوقت كان مضى لك في السجن ؟

- دخلت السجن في نهاية 1948، اعتقلت في 31/11/1948 على اثر اعتراف (مالك سيف)،اعتقلت في المدرسة التي كنت مدرساً فيها في (تطبيقات دار المعلمين الريفية) واول حكم كان عشر سنوات مع ابعاد ثلاث سنوات أضافة الى سنوات السجن العشرة.

آنذاك كنت مسؤول تنظيم الكرادة الشرقية وباب الشيخ عندما اعتقلت بعد اعتقال مالك سيف وغيره.

 

* الولادة؟

- حوالي 1925 في قلعة صالح من عائلة فقيرة لا تمتلك دار.كنا نسكن غرفة في بيت مكون من عدة غرف تسكنه عوائل اخرى مبني من الطين، وبسعي من والدي عندما كان يعمل صائغاً في الرمادي واقام علاقات مع بعض موظفي البلدية هناك. في ذلك الوقت تعين احد موظفي البلدية في قائمقامية قلعة صالح ، وبمسعى من هذا الشخص حصلنا على قطعة ارض شمال قلعة صالح على نهر دجلة تبعدعنه حوالي 2 كيلو متر. عملناها مساكن حيث جزأناها الى 24 بيت عرفت بعدئذ باسم قرية " اللطلاطة " حيث أخذ هذا الاسم من لبط الماء على جرف عال. اما لماذا عرفت هكذا فبفضل مستشرقة بريطانية كانت تدرس دين الصابئة المندائيين (الليدي دراور) كانت تأتي سنوياً وتقضي موسم الاعياد والصيف، وشيئاً فشيئاً باتت هذه القرية معروفة لدى كل من اهتم بطائفة المندائيين. هكذا اذن نشأت هذه القرية.

 

* كيف بنيتم البيت ؟

- من الطين، غرفة واحدة نسكن جميعنا فيها والجزء الاخر كنا نزرع فيه النخيل وخلافه، عرف ببستان  "سباهي".

 

* والدك سباهي خلف, هل انتم اسرة دينية؟

- كلا لكن والدي متزوج من عائلة دينية، العائلة جميعهم رجال دين عشنا في كنفهم.

 

* متى بدأت الدراسة؟

- اذكر اني دخلت الابتدائية عام 1931 في قلعة صالح ، كنا نسير حوالي كيلو متر ونصف سيراً على الاقدام انا واطفال اخرين من القرية.

 

* لديك صورة للوالدة، لماذا لا يوجد لديك صورة للوالد؟

- كان لدي صورة وحيدة فوتوغرافية للوالد لكن عند سفري خارج العراق وضعت الصورة في احد الكتب (كان في نيتي رسمها) لكنها ضاعت مني.

 

* والدك كان يعمل في الرمادي وانت وبقية عائلتك تعيشون في قلعة صالح لماذا؟

- في ذلك الوقت كان الرجال يتركون عوائلهم في القرى ويذهبون الى المدن الى بغداد او البصرة او المدن الاخرى،كان اغلبهم يعمل بالصياغة ووالدي كان احدهم. ابي كان صائغا لكن ليس تلك الصياغة الحديثة أي "المينا" انما صياغة الحلي للفلاحين. طبعا هذا اثر عليه لان العراق انذاك اي في فترة الثلاثينيات الاولى 1930 وبعدئذ من عام 1937 الى 1939 حدثت ازمة اقتصادية في العالم فأنعكس هذا على وضع الفلاحين في العراق بقوة. ولان والدي كان يعتمد في كسب رزقه على الفلاحين فقد تعسرت العيشة. بالكاد كانت تطلع، عشنا فترة فقر مدقع تماماً.

 

* هل جربتم الجوع؟

- لم تصل الى حد المجاعة بهذا المعنى لكن كانت عيشة بائسة بحق، اعجب الان كيف قدر لهذه العائلة ان تعيش وان تواصل الحياة.

 

* كم فرد كنتم في البيت ؟

- الوالد والوالدة واخت اكبر مني واخوة ثلاثة يصغروني: صبري، صبيح، عبد الإله.

 

* اين اصبحت اختك؟

- تزوجت والان تعيش في اسبانيا مع اولادها. اما صبري فيعيش في موسكو وحصل على الدكتوراه (توفى مؤخراً) وعبد الاله في الدانمارك متقاعد (متعدد المواهب: صائغ وعامل مطابع، نقابي وحزبي، باحث، مؤلف له العديد من البحوث والترجمات تبحث عن ناشر)، وانا في كندا، توزعنا على العالم.

    انهيت الابتدائية في قلعة صالح، في مرحلة المتوسطة ذهبت مع والدي الى الرمادي عشنا هناك اربع سنوات، ثلاث منها انهيت خلالها مرحلة المتوسطة، في السنة الرابعة مرض والدي بـ " الدزنتري " الحاد. كان المرض شديداً عليه، تركت على اثرها المدرسة وبقيت اعتني بوالدي. في ذلك الوقت كنت فتى يافعاًلم اتجاوز الـ 15 سنة.

 

* هل برز احد من التلاميذ في قلعة صالح فيما بعد في النشاط السياسي أو الثقافي؟

- في النشاط السياسي لا اذكر احداً لكني اذكر ابن خالي زياد الخفاجي، سجن, توفى قبل اربع سنوات في بغداد.

 

* كيف كانت علاقة الاسرة في البيت ؟ الوالد ؟ الوالدة؟

- كون عمل والدي في الرمادي لم تكن علاقتهم مستقرة، فوالدتي آثرت ان تبقى في البيت، في قلعة صالح، والعيش بجانب اخوتها، كما ان أمها كانت تعيش معنا في البيت، بينما والدي يعيش لوحده في الرمادي.

    ترك لي الوالد الكثير من الذكريات. تعلقت به كثيراً، كان يجيد الشعر الشعبي ، الأبوذية بشكل خاص، كان معروفاً أنه أشبه بالحكيم ( نسبة الى الحكمة) حتى وهو شاب.تزعم اهله واقاربه،كان يتم التعامل معه من قبل الاخرين باعتباره الكبير مع انه كان اصغر اخوته، فنان في الصياغة حَدّ الابداع.كثير الأبتكار في المصاغات التي يصوغها للفلاحين من نقوش وغيرها، دقيق الحرفة يعتني بأدواته الحرفية من مطرقة،كلابة، مقص، حتى انه يصنعها بيده افضل  من الآلة لدرجة كبيرة.كما كان يتسم بشيئ من الشجاعة والجرأة. مهيب، كانت بنيته قوية لكن المرض انهكه. اخر ذكرى لي مع والدي انه مات بين يدي في الرمادي، كان عمري في حينها 15 سنه احترت في تلك اللحظه اين اخذه؟ واين وكيف ادفنه؟ كوني صغير السن، لوحدي.

 

*هل تذكر شيئا من اشعاره قلت انه شاعر؟

- نعم كنت احفظ له الكثير،اتذكر هذه الابوذيه:

 

الدنيا من تحارب رجل تنفيه

تضكه وما بعد تنطيه تنفيه

أثاري الضحك للمغبون تنفيه

تحسده الناس والعلة خفيه

*هل كان يغني ؟

- كلا مع انه كان يجيد الغناء لكن تولع بالشعر ، كانوا كثيرا  ما يحفظون له.

 

*يبدو انك تأثرت كثيراً بوالدك؟

- نعم ، انعكس ذلك في نشاطي الفني فضلاً عن الكتابة .

 

* هكذا اذن توفى الوالد وعدت الى قلعة صالح؟

- نعم حزنت حزناً شديداً الامر الذي عانيت منه فيما بعد حد المرض حتى ان الاطباء احتاروا في  تشخيص سبب الاعراض التي بدأت تظهر علي، الا انهم اجمعوا على انه وضع نفسي.كنت اسمع اختي عندما تطحن الطحين في الليل بعد ان انام تنعي ابي على طريقة النساء الريفيات بالعويل والنحيب فأستيقظ جفلاً وانخرط في البكاء، هذا فضلاً عن العببء الذي تركه لي، لم يخلف اي ثروة فأصبحت فجأة كبير العائلة.

فكان علي ان اعمل  مع اني لا اعرف اي مهنة ولا امتلك شيئاً. خطر لي ان اكمل دراستي في اقرب مدرسة تؤهلني للعمل بحيث لا يكلفني ذلك شيئاً. ذهبت الى دار المعلمين الابتدائية في الأعظمية، في تلك الفترة كنت  استدين لاعالة عائلتي على امل ان اسدد الدين بعد  تخرجي.

    السنوات الاولى للحرب العالمية الثانية كانت فظيعة خصوصاً بسبب الارتفاع الرهيب للأسعار لكن استطعت مع عائلتي ان نمضي في العيش على الرغم من العوز الذي كنا نعاني منه.

    تخرجت سنة 1943 في  عز الحرب عندما كان الاطفال يلبسون الدشاديش المرقعة.

 

* متى لبست الحذاء أول مرة؟

- في المتوسطة عندما  ذهبت الى الرمادي . أبي اشتراه لي.

 

* والبنطلون؟

- أيضاً في المتوسطة ، في الأبتدائية كنت ارتدي الدشداشة والنعال.

 

* هل تتذكر احداً من الاساتذه الذين تركوا أثراً في نفسك في الرمادي أو قلعة صالح؟

- في قلعة صالح، مدرسا (نعيم بدوي) وبقيت احتفظ له بذكرى عميقة سأعود لها خلال الحديث. درسني ايضا (غضبان الرومي) كان مديراً للمدرسة، هؤلاء الذين علقوا في ذهني من بين اساتذتي. في الرمادي كان مدير المدرسة جمال الدين الالوسي وهو عم المدرس الشهيد ممدوح الالوسي "يتوقف قليلاً ليتذكر" كان معي في المتوسطة في الرمادي سعيد صليبي!.

 

*هل التقيت بسعيد فيما بعد؟

- كلا حاول اهلي ان يتوسطوا لي عنده بعد ما انتهت محكوميتي الثانية عام 1966 ورفضت السلطات اطلاق سراحي لكون سعيد  رفض ان يتدخل لأطلاق سراحي!.

    كذلك اتذكر ابن الشيخ مشحن (ضاري مشحن الحردان) كان خبيراً في وزارة  التخطيط. ممن كانوا معي في متوسطة الرمادي: عبد الستار علي الحسين ومحمد مشحن الحردان.

    دخلت دار المعلمين الابتدائية وعمري 15 سنة، ولا املك شيئاً ولذلك لم اكن اذهب للقهوة او السينما لأني

" مفلس ".

    اذكر اني كنت املك في جيبي فلساً بقيت احتفظت به حوالي الشهرين!. في دار المعلمين برزت كطالب مجتهد، الاول على الصفوف، التقيت بعدد من الطلبة وكونت صداقات، من ابرز الصداقات هي صداقتي للشهيد حسين الرضي (ابو ايمان)، كنت معه في نفس الصف.كان حسين متميزاً في مجال المسرح وكنت ميالاً للفنون، كذلك بدأت اتعلم الخط على يد خطاط في المدرسة أسمه"محمد علوان" وهكذا برزت كخطاط وكفنان تشكيلي .

    من المعارف الذين لم يكن لي معهم صداقة ولكن معرفة، (شاكر محمود الطالقاني) الذي كان يدير دار الحكمة. من المعارف ايضاً جاسم الحلاوي (ابو جنان) من اهل الحلة، اصبح معلما في البصرة في دار المعلمين الابتدائية. بدأنا نحن الطلاب ، نحتك بالنشاط السياسي، كانوا يزجوننا مثلا في مظاهرات تأييد لرشيد عالي الكيلاني ، نرى انفسنا محشدين وطالعين الى الشارع لتأييد هذا أوذاك. اول احتكاك سياسي لنا كان مع حركة رشيد عالي الكيلاني، كنا نتدرب على الفتوة، بنادقنا على اكتافنا  ونحن صغار السن كان عمري 16 سنة آنذاك.

    أتذكرمن مدرسينا اللبناني (حمد فليفل) الذي لحن نشيد " موطني " ونشيد " نحن الشباب " كان يدرسنا الموسيقى في دار المعلمين، واتذكر جيداً الحماسة التي تمتع بها. في هذه الأثناء بدأت تتحرك لدينا المشاعر السياسية، ولكننا لم نكن موجهين الى جهة معينة. لكن في يوم من ايام سنة 1942 كنت ازور بيت احد اصدقائي من الصابئة وهو المفوض الذي ساعدني عندما توفي والدي كان بيتهم في منطقة الكرنتينة، وهناك التقيت بنعيم بدوي بعد انقطاع طويل جداً.

 

* هل تذكر اسم المفوض؟

- المفوض كان اسمه سعيد جودة وأخوه زكي الذي اصبح زوج الشاعرة المعروفة (لميعة عباس عماره)، في يوم من الايام وانا عندهم في البيت اعطاني (نعيم بدوي) مجموعة ورق مصفطة  قال لي: أقرأها. كنت  في الصف الثاني في دار المعلمين الابتدائية، كنت امشي في شارع الرشيد قلت في نفسي (شنو هذه الورقة)، فتحتها واذا هي "الشرارة"(*).

ــــــــــــــ

*صحيفة سرية كان يصدرها الحزب في تلك الاونه( المحرر) .

 

    ذهبت الى بيت قريبي (جبار عبود) وكان يعيش مع اهله في محلة الكرادة الشرقية. اخرجت "الشرارة" وبدأت اقرأها ولاول مرة اقرأ الأدب الشيوعي. مقالات هزتني من الاساس، كان هذا الادب جديداً عليَّ تماماً.استعمار انكليزي! هكذا! بهذا الشكل المكشوف! يعني تماماً كأنه واحد يصحو من غفوه. كانت طباعة المنشور رديئة حرمتني من التمتع الكامل بالمقالات.تركتها.لم ادرك خطورتها, تركتها تحت البساط على امل العودة  اليها. جبار عودة قلب البساط صدفة فوجد "الشرارة" قرأها وتفاجأ. في يومها كلانا قمنا نبحث عن الشيوعية! هو اخذ دربه وانا اخذت دربي في المدرسة. في تلك الفترة كان يدور في دار المعلمين همس عن جرائد سرية من دون تفاصيل واضحة، اما انا فلم اجرأ على التحدث عن تجربتي مع الشرارة.

    في ذلك الوقت اتت الشرطة الى دار المعلمين وفتشت خزانة شاكر محمود الطالقاني فوجدوا مطبوعات شيوعية . ودار الحديث عن تحقيق في الامر، فصل بنتيجته شاكر من دار المعلمين وكذلك الشهيد (حسين الرضي) الذي يبدو انه كانت له صلة بشاكر الطالقاني. فصل لمدة سنة وذهب الى الرطبة للعمل كرئيس عمال في شركة. رغم اني كنت على صداقة وثيقة مع حسين لكننالم نتكاشف ونظهر ميولنا السياسية. كذلك الامر مع جاسم الحلاوي الذي كانت تربطة علاقة بعبد علوان الطائي(*) كانوا جميعاً على علاقة ببعض وبالحزب لكن احداً منهم لم يفاتحني بالأمر.

(*) مناضل شيوعي منذ الاربعينات شغل مراكز حزبية عديدة وتعرض للتعذيب والاضطهاد على ايدي انظمة متعاقبة. هاجر الى السويد اواخر الثمانينات وتوفي هناك مؤخراً.

 

السنة الثالثة في الدراسة في عام 1943 تخرجت من دار المعلمين وكنت  الاول.

* الم ترجع الى نعيم بدوي والى المفوض زكي لتنظيم صلتك بالحزب؟

- رجعت الى نعيم. نعيم انذاك كان من الذين خرجوا على الحزب وانضموا الى منظمة "الى الامام"مع (ذنون ايوب) وآخرين(1).لم ينشروا شيئاً فلم يزودني بأي ادبيات .

    كلفت بالقاء خطاب في حفلة التخرج( كان عمري آنذاك 18 عاماً), ووزارة المعارف اهدتني مجموعة من الكتب. ذهبت بعد تخرجي عام 1943 الى العمارة وتعينت فيها. وهناك قابلت مدير المعارف آنذاك (ناجي يوسف)(2)، رحب بي الرجل فقد كنت الأول على الدورة، عرضت عليه ان اتعين وأهيئ صفاً تحضيرياً بآفاق طموحة لكن الراحل (ناجي يوسف) لم تكن لديه الامكانيات لان كل الذي يتم تعيينهم  يعملون في الارياف فكان ان عينني في ناحية " ام عين "  التابعة للمجر الصغير .

    تتطلب مني ان انقل عائلتي لاول مرة الى (المجر الصغير) فاستأجرنا بيتاً هناك، لكن وضع عائلتي لم يتحسن كثيراً رغم اني تعينت واصبح لدي راتب. كان  راتبي انذاك عشرة دنانير .

ـــــــــــــــــ

منظمة الى الامام: تجمع بعض المثقفين ، خرج على الحزب. كان ذنون ايوب من ابرز وجوهه.اصدرت نشرة"الى الامام" ثم مالبث ان تلاشى.

(1)   الشخصية الديمقراطية وصديق الحزب.والد المناضلة الشيوعية ثمينة يوسف زوجة الشهيد سلام عادل.

 

* متى استلمت اول راتب ؟

- كان ذلك في شهر تشرين الاول 1943 كنت افرد قسماً منه لتسديد الديون المترتبة علي ونعيش بالمتبقي، كانت عيشة بائسة، البقرة كانت تعيش معنا في الكوخ ذاته، ومنها نستدر الحليب والزبد حتى تعرضت البقرة في احد الايام للسرقة!. بقي معي صبيح وعبد الالة اما صبري فذهب الى البصرة ليعمل في الصياغة .

    كان الموظفون في المدينة كثيراً ما يلعبون "البوكر" ويتعاطون الخمر، مالك سيف كان قبل سنة في نفس المدرسة. بقيت منقطعاً عن النشاط السياسي ولم احاول اقامة علاقة ( مع الحزب)، لعله بسبب انصرافي للأهتمام بالاعباء العائلية لكن بقيت لدي اهتمامات ثقافية من قبيل متابعة مجلتي "الرسالة" و"الرواية" لاحمد حسن الزيات والثقافة لأحمد امين.

    مرّت سنة انتقلت بعدها الى "العزيز" الواقعة جنوب قلعة صالح على نهر دجلة. قرية صغيرة فيها مجموعة من اليهود يسكنون مع مجموعة اخرى في قرية الصفيح التي وصفتها في كتابي عن الصابئة.

 

* هل كنت متديناً تمارس الطقوس ؟

- كنت امارس الطقوس مع انني لم اكن متديناً.

 

* أي درس كنت تدرّس؟

- كنت ادرس كل الدروس وبشكل خاص الانكليزي في الصفوف الابتدائية الاولى.

 

* مَنْ مِن المعلمين الذين تذكرهم؟

- مدير المدرسة لا اتذكر اسمه لكنه عم الصديق الراحل  سامي احمد وجواد درباش . في تلك الفترة لم يصل الينا  اي فكر تقدمي حتى ذهبت  الى العمارة. التقى بي مالك سيف. التقينا بالقهوة لانه معلم صابئي وانا مثله.كنا نلتقي في السوق ثم نتمشى وقتاً طويلاً, لكنه لم يحاول ان يطرق امامي اي موضوع سياسي رغم علمه بأني  معلم معروف ومنعزل لا ألعب القمار ولا اشرب الخمر.

    ارتفعت وتيرة النشاط الشيوعي في المدينة بعد ان انتقل اليها الرفيق (حسين الشبيبي) الذي كان في العمارة عام 1944، لكني بقيت بعيداً عن هذا النشاط حتى ذهب قريبي الراحل زياد الخفاجي ليلتحق بدار المعلمين العالية .

    بدأ زياد  يلتقي بالشيوعيين  وينشط سياسياً، عندما عاد الى العمارة في صيف 1944 طرح علي ما استجد لديه من تطور فكري وسياسي .

    في صيف 1945 برزنشاط سياسي بين المعلمين محوره واحد من خارج المعلمين وهو فلاح واع يتميز بالحيوية والنشاط يتصل بالحزب ويقيم علاقة مع الرفيق (فهد) ويحضر الكونفرس الاول للحزب.كان يتحرك بنشاط في اللواء (المحافظة). يذهب لزيارة  المعلمين الصابئة بشكل خاص فيأتي الى قلعة  صالح، كان اصله فلاح(سركال)* أو اقرب الى السركله ورئيس مجموعته من الـ ازيرج لكنه اختلف مع  (مجيد الخليفة) وطرده هو ومجموعتة فذهبوا وسكنوا بمنطقة آل أزيرج مطلك السلمان وعمل كفلاح ونشط في تكوين جمعيات اصدقاء الفلاحين. فجاء في احد الايام الى قلعة صالح في  العطلة الصيفية الى بيتي، اتى به احد الاصدقاء المعلمين ( صابئي) رحبت بهم، فرشت البساط وقدمت لهم الشاي. بدأ يتحدث ، شدني حديثه ، بعد ان استمر ترددي طيلة سنتين، قلت له: " أنا قاري عن الموضوع ". استهواني الرجل فخرجت معه وذهبنا لزيارة طبيب قلعة صالح هو (عزت روفائيل) اخو نوري روفائيل, وهناك تحدث بلغة عامية ثم فاجأ عزت عندما قال له لماذا لا تصبح مثل أخيك؟(1)

* فعل ضمد قائد فلاحي

(1)   نوزري روفائيل من الشيوعيين الأوائل شارك في الحرب الاهلية الأسبانية في الفصيل الاحمر الذي أنشأه الكومنترن(الاممية الثالثة ) للقتال الى جانب الجمهوريين ضد الزحف الفاشي الذي قاده فرانكو.

قال له : منين تعرف اخوي؟

أجابه : اخوك  روفائيل الذي  شارك بالحرب الاهلية الاسبانية.

    انا انذهلت اكثر من هذا الفلاح  الذي له القدرة على الانتقال  من الحديث العامي البسيط واذا به متحدث لبق، يتحدث عن افاق بعيدة. انذهل عزت روفائيل ايضاً.

    ودعني هذا الفلاح لكنه اثار في اهتمامات جديدة. وقبل ان يغادر قال لي: سوف ابعث لك بأدبيات شيوعية. وفعلا ارسل لي أول مرة مجموعة من جريدة "القاعدة"(*)  وكراريس أحدها عن كونفرس الحزب والاخر عن الفلسفة الماركسية، حاولت قراءته لكني لم استوعبة كانت لغتة جديدة عليَّ ومعقدة بعض الشيئ ، حدث هذا عام 1945 .

(*)الصحيفة السرية للحزب حتى عام 1956 .

    قررت في تلك  الاثناء ان اواصل دراستي، تكفل بي قريبي( والد زوجتي فيما بعد) وواحد آخر من اقاربي على ان يساعدوا عائلتي أذا واصلت الدراسة. تركت قلعة صالح وذهبت الى بغداد من جديد للألتحاق بدار المعلمين العالية، وتقدمت بسبب افلاسي مرة اخرى  للأقامة في احد الاقسام الداخلية لتقليل المصروفات.

    في دارالمعلمين العالية وكان ذلك في عام 1945 بدأت انشط سياسياً وانكببت على القراءة السياسية، بدأت  التقي بوجوه شيوعية سرعان ما ميزوني طالباً عالي المستوى الثقافي،مجتهد.

    بدأت اقرأ ما يعطونه لي من المطبوعات. في الدار التقيت بجاسم حمودي اعجبت بالكثير من صفاته واقمنا علاقة وثيقة.كان هناك معنا (رسول الوسواسي) وهو صديق لجاسم حمودي  لكنه لا يتسم  بصفات جاسم، كان معنا ايضاً (ممدوح الألوسي) ، (انعام الدليمي)، اخت الدكتورة نزيهة الدليمي  و (بدر شاكر السياب) وعديد من الطلبة الذين كان اغلبهم شيوعين، اصبحوا فيما بعد شخصيات مرموقة على اكثر من صعيد.

    انخرطت في النشاط الحزبي ونشطت في تكوين اتحادات الطلبة. وكنت من بين العناصر التي برزت في هذا الميدان وانتخبت من قبل طلاب الصف الاول في عضوية لجنة اتحاد الطلبة. لكن الفقر لازمني وكانت رثاثة ملابسي عاملاً من عوامل انزوائي الى حد الانكماش، لكني بدأت امتلك الوعي الذي يشغلني ويفتح امامي افاقاً أخرى.

   رشحني للحزب (جاسم حمودي) وبرزت كطالب نشيط وشاركت انا  وجبار الحلفي (اعدم في البصرة عام 1970 او 1973 لا اتذكر) في قيادة  اضراب في دار المعلمين العالية ما عرضني الى الفصل.

    انتقل نشاطنا في تكوين اتحاد الطلبة الى الكليات الاخرى ولأول مرة يتكون اتحاد الطلبة في جميع الكليات ويصبح محوراً لحركة طلابية واسعة.

    اتصلنا بنشطاء من الطلبة في كلية الطب بينهم قتيبة الشيخ نوري (*) وفاروق رضاعة واخرين. ومن كلية الهندسة رضا جليل وجورج تلو، وفي الحقوق حمزة سلمان.أما جعفر اللبان فكان  معي في دار المعلمين العالية ،من بين الطلبة اللذين التفوا حولي وكنتُ محورهم . في تلك الفترة تعرضت احدى الطالبات في الدار الى  ضرب من قبل  عميد الكلية خالد الهاشمي، اثار هذا سخط طلاب الكلية واعلنت الكلية الأضراب مع طلاب الصف التحضيري، اثار الاضراب ضجة كبيرة في البلد وجرى نقاشه في مجلس النواب. المعارضة اتخذته ذريعة لشن هجوم على حكومة حمدي الباججي لكن سرعان ما تداركت الحكومة القضية باشراف  السفارة والمستشارين البريطانيين.

(*)طبيب وفنان تشكيلي . ساهم في تأسيس جمعية الفنانين التشكيلين العراقية وظل رئيسها حتى وفاته في حادث مؤسف اواسط السبعينات  من القرن الماضي.

    جرى تهديد من لا يداوم بالفصل. عاد اكثر الطلبة الى الدوام وتشكلت لجنة للتحقيق مع الطلبة الذين قادوا الاضراب ، وتعرض مجموعة من الطلبة للفصل من بينهم بدر شاكر السياب، جرى فصله لسنة كذلك جبار الحلفي، اما انا فقد فصلت لاسبوعين، ساعد في تخفيف العقوبة علي حادثة طريفة .

في مجلس الاساتذة .... احد الاساتذة ( علي حسن الدجيلي ) وذهب للدفاع عني باعتباري طالباً مجتهداً فأتهموه بانحيازه لي لأني شيعي!

حسن الدجيلي معلمي  من دار المعلمين الابتدائية ويعرفني جيداً. رد استاذ آخر وقال له هذا سني مو شيعي على اعتبار انه يدافع عني لاني شيعي وصارت "لخه" بين السنة والشيعة في مجلس الاساتذة حتى  اتو بملفي ليكتشفوا بأني صابئي، لاسني ولا شيعي! فيشتغل الضحك وكان ذلك امام الانكليز وانتهت القضية بفصلي اسبوعين .

    كنت على علاقة قوية ببدر شاكر السياب ،في صيف 1945 ذهبت الى البصرة ، عشت عند ابن خالتي الذي هو ابو زوجتي. فكنا نجلس انا وبدر في كازينوالخضراء، في مقهى البلدية في البصرة.كلفني بدر شاكر السياب بخط ديوانه "ازهار ذابلة" استنسخته بخطي ثم ارسله الى مصر. كنا نجلس انذاك: فيصل السامر وحميد جري السامر وحمزة الحجاج  واخرين في كازينو الخضراء في العشار، في الصباح كنا نقرأ الجرائد وفي المساء يقرأ بدر قصائده وانا اكتب في مقهى البلدية.

    في صيف 1946 رجعت الى اهلي لاواجه الحقيقة المرة وهي كيف سأكمل دراستي ووضعي المالي بهذا الشكل؟ قررت ان اترك الدراسة.

    وللمرة الثانية يضيع الحلم, حلم ان اواصل التعليم العالي في الكلية . انذاك اتصل بي (قاسم ناجي) مدرس الرسم  في دار المعلمين الابتدائية وكان قد علم برغبتي في  الرجوع للتعليم. قال لي: اتيت في وقتك تماماً محتاجين مدرس رسم في دار المعلمين الريفية في المحاويل .

قلت له: اني ما مدرس  بهذا المستوى... صحيح ارسم لكن ماعندي أصول تدريس الرسم.

قال لي: مايهمك تعال اليَّ كل اسبوع أعطيك برنامج منهجي. اعتمد عليَّ.

كان يحبني كثيراً، وبالمناسبة كان في دار المعلمين الابتدائية عندما  نجحت وحصلت على  المرتبة الاولى. رسم  صورة زيتية شخصية اهداني اياها, الصورة الزيتية بقت معي عندما تركت العراق اودعتها في احد البيوت حتى استقرت, في بيت اخي عبد الاله  حيث تم اخفاؤها. بقيتْ هناك حتى عدت بعد سقوط صدام، الى بغداد ، اكتشفوا في حينها  ان الفنان قاسم ناجي  ماعنده ولا صورة! قلت لهم انا املك صورة لقاسم  رسمها لي، فرحوا بها، رممها لي سلام الشيخ ( اخو زوجتي) واهداها الى نقابة الفنانين. 

 

 

 

 

الجزء الثاني

    السنوات من 45 وحتى نهاية 48 كانت بالنسبة لعزيز سباهي سنوات حافلة, ينتقل خلالها  للتعليم بين مدارس عديدة يتعرف الى  نشطاء بين المعلمين، يتسع نشالطه ويتكلف بمهام  ديمقراطية وحزبية تمتد من الكرادة الشرقية حتى الجعيفر والمشاهّدة. يلتقي الشهيد حسين الرضى الذي يرتبط معه بعلاقة تنظيمية.

أحتاجت دار المعلمين الريفية الى مدرس للرسم، رشحه قاسم ناجي ليشغل هذا  المركز. لم يكن عزيز يعرف الرسم ، قال له قاسم: "ولا يهمك اني اعطيك دروساً منهجية وهذا ما حدث". كان مدير الدار ناجي يوسف، التقى عزيزعندما كان مديراً للمعارف في العمارة.

الديمقراطي والحزبي

-: كنت التقي الرفيقين حسين محمد الشبيبي وزكي بسيم اللذين كلفاني بقيادة  نشاط حزب التحرر في الجعيفر والمشاهدة وسوق حمادة. كان  وضعي الاقتصادي سيئا, فأنا اعيش في دار قريبي، وأرسل الجزء الاعظم من مرتبي لأهلي. كنت استدين أحياناً لاغطي مصاريف انتقالي .

    تكلف من الجهة الأخرى بمهام حزبية وديمقراطية في منطقة الكرادة الشرقية. كانت  صلته الحزبية ما تزال بباسم حمودي, وتوزعت هذه المهام بين تنظيم مجموعة كبيرة من عمال النسيج يسكنون ويعملون في معمل فتاح باشا في الكاظمية، وصالح ابراهيم في الاعظمية, لكنهم يسكنون في الكرادة الشرقية.

    على الصعيد الحزبي جرى تكليفه فرعي مسؤول الكرادة الشرقية بتنظيم مجموعة من الطلبة  في الكرادة الشرقية وأرخيته (*) ونشطاء آخرين . اكتشف الحزب ثقل المهمات المكلف بها عزيز فكرسه للعمل الحزبي للكرادة الشرقية فقط التي كانت تشمل حسين الحمد والزوية حتى المسبح ومناطق أخرى.

    تشكلت لجنة صغيرة لقيادة العمل في  المنطقة ضمت عواد الجميلي وجاسم محمد , اللذين مالبثا ان تركا الحزب بعد أحداث فلسطين عام 48 والتحق بالتيار القومي ثم بحزب البعث واصبح من قادته. بل ان نشاطه الحزبي امتد الى باب الشيخ حيث تشكلت لجنة حزبية لقيادة جنوب بغداد بقيادة  (ستار الزبير),من بين اعضائها عبد الرزاق الشيخلي.

                                               

اللقاء بالشهيد حسين الراضي

    يحدث ان دار المعلمين الريفية ( مديرها ناجي يوسف) تحتاج الى مدرس  للنشاط المسرحي وكان الشهيد حسين الرضي يدرّس هذه المادة في مدرسة الفيلية الابتدائية في باب الشيخ. كان ناجي يوسف  يعرفه منذ كان مديرا للمعارف في الديوانية عندما كان الرضي معلما في مدارسها. استدعاه  والحقه مدرساً للمسرح بدار المعلمين  الريفية.

-: " كنا نلتقي بشكل  خاص بدار قاسم الخطاط وهو ايضاً, كان مدرساً للخط في دار المعلمين الريفية , هناك كان يلتقي حسين بثمينة التي اصبحت زوجته فيما بعد ", ويضل ابو سعد مسؤولا عن صلة فردية بالشهيد حسين حتى اعتقاله عام 1949  .

في سجن نقرة السلمان

لقاء لم يتم

    لم يقدر لعزيز الالتقاء بالرفيق الخالد (فهد) خلال  نشاطه الحزبي، ولما عقد اجتماع لمنظمي بغداد حضره الرفيق (فهد) , كان ابو سعد مسافراً في مهمة  للجنوب , وهكذا فاتته هذه الفرصة .

    خلال نشاطه الحزبي التقى عزيز بمنظمين عديدين فبعد اعتقال جاسم حمودي أصبح  منظمه (ابراهيم شاؤول), كان ذكياً لبقاً " يصفه عزيز " ثم بحسقيل صديق الذي كان طالباً في كلية الحقوق: نشط شجاع جرئ وديناميكي جداً في نشاطه الحزبي لكنه غير مبدع حتى أتى مالك سيف .

 

مالك سيف يرد الجميل

    بعد القاء القبض على الرفيق فهد والرفاق الاخرين  في قيادة الحزب جرى استدعاء (مالك سيف) ليتولى قيادة الحزب, وعندما التحق مالك سيف بالحزب في بغداد نزل عندي في الكرادة الشرقية . بقي لمدة يومين حاولنا خلالها ان نسكنه في الكرادة الشرقية لكنه  فضل سكناً آخر .

    عندما انهار مالك سيف كان بيت عزيز من أوائل البيوت التي قاد الشرطة اليها وعندما لم يجده هناك لان عزيز كان أنتقل بسبب احساسه بالخطر، للسكن في بيت قريب للشهيد ستار خضير في محلة الدوريين .

"عندما لم يجدني قاد الشرطة الى المدرسة التي اعمل فيها فأعتقلتني في 30/11/1948".

 

عشر سنوات سجن

    وهكذا تبدأ  رحلة ابو سعد الطويلة في مواقف وسجون العهد الملكي .

" وقفت في التحقيقات الجنائية(الامن العامة في ذلك الوقت وكانت مختصة أساسا بمكافحة الشيوعية) وقفت يستطرد - عزيز أمام بهجت العطية (مديرالتحقيقات الجنائية ذلك الوقت واعدم بعد ثورة 14 تموز بسبب جرائمه ضد الشيوعية) ونائل الحاج عيسى( معاونه واعتقل  بعد ثورة 14 تموز , لكنه فطس خوفا بعد اعتقاله بأيام).

    شهد ضدي مالك سيف ويهوذا صديق فجرى نقلي الى معتقل ابو غريب .

    ابو غريب كان مقسماً الى قسمين :

قسم أحتوى على زنزانات صغيرة شغلها الرفاق فهد وزكي بسيم وحسين محمد  الشبيبي وآخرون , والقسم الآخر ضم غرفا أكبر  قليلا  وزع عليها المعتقلون مجاميع كبيرة ضمت احداها عزيز و داود سلمان أخا الرفيق فهد.

يستذكر ابو سعد بأسف انه لم تجر الاستفادة من وجود داود سلمان  وقد كان من الشيوعين الأوائل في الناصرية , لمعرفة التاريخ المبكر للحلقات الماركسية ولنشاط الرفيق فهد  في البصرة  والناصرية. كذلك احمد علوان الذي  استشهد في  مجزرة سجن الكوت  عام 1953  هو ايضاً كان من الشيوعيين  الأوائل , عمل في  ايران مع حزب توده  زمن قيادة تقي ايراني للحزب، قبل انتقاله ( اي احمد) الى العراق .

 

الرحلة الطويلة

    سينقل ابو سعد من موقف  لموقف ومن سجن لسجن:" جرت محاكمة الرفيق فهد( ورفاقه) قبل محاكمتي بيوم, في اليوم  الثاني أخذونا انا ومجموعة كبيرة وصدرت بحقنا أحكام مختلفة, انا انحكمت عشر سنوات سجن  و3 سنوات ابعاد. ربطونا بسلاسل حديد ونقلونا الى سجن بغداد, ( جابولنا سطوله فيهن مرقه خضرة تلمع عبالك نفط اسود: مرقة اسبيناغ ) وقف جاسم حمودي قائلاً: من الان فصاعداً راح يكون كل أكلكم هالشكل"!

 

سجن نكَرة السلمان .

جرى نقل المحكومين، عزيز وعشرات الآخرين الى سجن نكرة السلمان:

" دخلنا الى نكرة  السلمان مربوطين بالسلاسل , كان صالح النعيمي مدير السجن. بعد ما نزلنا صاحونا يريدون يشغلونا, جص وقواطي وحديد جمعوها على اساس اشغال شاقة", من فوق  سور القلعة الجنوبية صرخ بهم عزيز  عبد الهادي, وكان سبقهم الى السجن: لا تشتغلون توقفوا عن العمل: " اشتغل علينا ضرب الخيزران , ثاني يوم  نفس الشي " حتى تم نقلهم الى  القلعة الشمالية.

                                               

الشيوعيون يحولون السجن الى مدرسة

    كان الرفيق فهد في الفترة التي قضاها في سجن الكوت بين 1947 و1949, قد وضع قواعد لحياة السجناء الشيوعيين، تنظيم ادارة السجن من الداخل، تنظيم المطبخ والطعام المشترك من قبل السجناء، الدروس المتنوعة: محو الامية، اقتصاد سياسي، القضية القومية ورياضة،كان يقول للسجناء: يريدون (أي ادارة السجن ومن ورائها  النظام)، ان يدمروكم جسدياً وفكرياً. ووضع اسساً للمقاومة.

    تنقلت في السجون حيثما حلَّ الشيوعيون واصدقاؤهم, أنا دخلت صف الانكليزي وكان المدرس ابراهيم شاؤول، زكي خيري درّس الترجمة من العربية الى الانكليزية، محمد حسين ابو العيس  درس الاقتصاد السياسي وسالم عبيد النعمان (مسؤول السجن آنذاك) درس القضية الوطنية .(*)." مرة خلال احد دروس الاقتصاد السياسي طلب  مني  المحاضر( ابو العيس) أن اقدم تحليلاً طبقياً للمجتمع. تكلمت عن الرأسمالية والملاكين الكبار والصناعيين والعمال والفلاحين والبورجوازية الحرة (الوطنية) والحرفيين وغيرهم ".

عندما اكملت سألني ابو  العيس: لعد الاستعمار وينه؟

يستطرد سباهي, لم اجد جواباً, "في الحقيقة صفنعت".

    لكن هذا لم يكن يعني ان الاقامة في السجن كانت هينة فكثيرا ما كانت ادارة السجن تفتعل المشاكل  خصوصاً عندما كان (عبد الجبار ايوب)  مديراً للسجن ( اعدم  بعد ثورة تموز بسبب تنكيله بالسجناء وقيادته لمجزرة بسجن بغداد  التي ذهب ضحيتها  ما يزيد على 12 سجيناً من الشيوعين  وأصدقائهم).

"كان جبار ايوب مديراً لسجن نكرة السلمان عامي 1950-1951 . كان يكمن حقداً كبيراً على السجناء الشيوعيين  واصدقائهم . كنت في زيارة لطبيب السجن عندما انهال علي السجانة بالضرب فأنكسر أنفي وغرقت في الدماء, ولم يكن نصيب عمر علي الشيخ احسن عندما حاول حمايتي , كذلك عمر الياس الذي كان مكلفاً بنقل الماء".

    تتالت اضرابات السجناء مطالبين بأيقاف ضربهم ومعاملتهم كسجناء سياسيين, الاضراب الاول طال 21 يوماً , اضراب آخر طال 26 يوما, وهكذا كانت احوال  السجناء تتحسن مع كل انفراج داخل العراق ومع كل انتصار تحققه الحركة الوطنية.

    مع ذلك فقد استطاع السجناء اقامة علاقات طيبة مع بعض السجانين , فرئيس عرفاء السجانة في نكَرة السلمان كان  يأتي للجلوس معهم , فيهيئ له سالم  عبيد النعمان  الذي كان مسؤول منظمة السجن يهيء له القهوة  المُرة .

كان السجانة والعديد من السجناء العاديين يراد استخدامهم ضد السجناء الشيوعيين وأصدقائهم الا ان هؤلاء الأخيرين استطاعوا ان يجذبوا اليهم الكثير من السجانة وبعض السجناء العاديين الذين التحقوا بمنظمة  السجناء الشيوعيين في السجن (*)ولم تكن الحياة السجنية تخلو،عندما تتحسن احوال  السجناء من اقامة الاحتفالات التي تتخللها الاناشيد والاغاني الثورية، بتنظيمهم لحياتهم وتعاونهم وبأهتمامهم بالسجناء العاديين بتطبيبهم وتعليم الأميين منهم القراءة والكتابة. بعضهم اصبح شيوعياً والتحق بالحزب عند مغادرته السجن.

    استطاع الشيوعيون تحويل السجن الذي اريد منه فلّ ارادتهم الى ورشة  للعمل والتثقيف والابداع. فأضافة الى النشاطات الثقافية  أقيمت معارض للرسم شارك عزيز فيها بلوحات كاريكاتورية, كذلك الفنان التشكيلي السجين (رشاد حاتم), وتطور الامر بحيث اصدر السجناء جريدة حائطية بأسم "كفاح السجين"بنسختين واحدة يخطها عزيز  للقلعة الشمالية والاخرى يخطها (عزيز وطبان) للقلعة الجنوبية مالبث ان اعيد أصدارها في سجن بعقوبة تحت اسم "كفاح السجين الثوري" على شكل مجلة تعني بالنشاط الفكري والسياسي والادبي للسجناء.

    كان كاظم فرهود ينشد من كلمات الشهيد حسن عوينه نشيد السجن ليس لنا(*). كذلك كتب الشهيد عوينه نشيد؛ مجد حزب شاد فهد. أما الشهيد حسين الرضي فكتب كلمات نشيد؛الجمهورية، وذلك عام 1951 .

    سنة 1952 استطاع المواجهون تهريب راديو ترانسستور, قطعة قطعة, ركبه سجين يهودي اسمه أدور.

"تكلفنا انا وعدنان البراك ان نسمع نشرات الاخبار، نعمل منها موجز نقرأه على رفاقنا, واصلت هذه الشغلة سنوات عديدة حتى في فترة سجني الثانية بعد الأنقلاب البعثي (سنة 1963 عملت في هذه الشغلة) .

(*) مطلعه: "السجن ليس لنا نحن الأباة ..... السجن للمجرمين الطغاة لكننا سنصمد  نصمد وأن لنا مستقبلاً سيخلد يخلد ..... لنا  الغدُ حيث تنصب المشانق)فيهتف احد السجناء لمن؟ فيرد السجناء بصوت واحد مهيب:للمجرمين الطغاة !للمجرمين الطغاة!

 

    ولقد حدث اواخر 1953 يجري نقل سجناء نكَرة السلمان الى سجن بعقوبة، وجبة بعد وجبة والتقيه هناك مطلع عام 1954 ونبدأ مرحلة جديدة من حياة السجين الشيوعي عزيز  سباهي.

    يتوقف هنا عزيز سباهي ليتذكر:

    حققنا نجاحات كثيرة في السجون, اكتسبنا الكثير من الخبرات والمعارف, تعلمت الصبر عن طريق  الأنغمار في الحياة اليومية. لكن اكثرنا قضى زهرة شبابه هناك, انا دخلت السجن ( فترة سجني الاولى) وعمري 24 سنة وخرجت منه وعمري 34 سنة.

يخرج من السجن والابعاد عام 1958

بعد ثورة تموز،سيلتحق بمؤسسات الحزب الاعلامية,سألتقيه مرة اخرى على مكاتب "اتحاد الشعب" لكن لذلك قصة اخرى.

سجن بعقوبة

    عام 1953 يجري نقل السجناء الشيوعين واصدقائهم من سجون بغداد والكوت ونكرة السلمان الى سجن بعقوبة, كان السجناء قد أنهكوا بعد مجزرتي سجني بغداد والكوت, ولم تكن الأوضاع في سجن بعقوبة, أول الامر أفضل, كان النقل من السجن يتم بكروان(حفلة ضرب جماعية !) كذلك دخول السجن الجديد. لكن أواخر عام 1953 وبداية عام 1954, شهدت انطلاقة جديدة للحركة الوطنية, فألغيت الاحكام العرفية, واستأنفت الاحزاب الوطنية ( الوطني الديمقراطي, الاستقلال, الجبهة الشعبية) التي كانت تشكل حديثاً نشاطها, وصدرت الصحف المعارضة, حزبية ومستقلة, وتصاعد النشاط الجماهيري المطلبي والاضرابي في مناطق عديدة في العراق ريفاً ومدينة, وانعكس هذا على حياة السجناء, فضلاً على نضالهم المطلبي الذي تخلله الأضراب عن الطعام, من اجل تحسين ظروف حياتهم . وبدأوا ينظمون حياتهم, كالمعتاد, دروس واحتفالات ودخل الراديو. كان هذا هو الوقت الذي دخلت فيه سجن بعقوبة ( أوائل عام 1954) وتعرفت فيه على عزيز سباهي.

    تتذكر ابو سعد : اجل اتذكر  ذلك لعله كان أواخر 1953، أصحح (أوائل 1954 ).

    ابو سعد: كنت فتى , اصغر سجين في سجن بعقوبة. لفتني في الرفيق عزيز نشاطه المتنوع: مسرح, رسم, فرق الغناء والنشيد, مازلت اذكرنشاطه الفائق في فرقة العمارة احتفالاً بذكرى تأسيس الحزب,كان يهزج وينود ويضرب الارض بقدمه ويوقع بأصبعيه على ايقاع الاغنية المتوثبة:

ميلادك النا عيد                                         أنا ياحزب الاحرار

نفرح وبيه نزيد                                         أنا كل عزم واصرار

    يضحك ابو سعد وتلتمع عيناه.كان احتفالا جمع المباريات الرياضية والاغاني والمسرح, فضلا على العروض الفكاهية التي شارك في تقديمها علي تايه, علي الغزالي ومحمد بنقديهما لشخصيتين هزليتين (بوبشنسكي و دوبشونسكي) من مسرحية غوغول: المفتش العام.

    ابو سعد: أخرجت مسرحيتين واحدة لسارتر والاخرى لغوغول فضلاً عن اعمال الديكور والمكياج والفت مسرحية أخرى مع السجين,والرسام طارق عبد الكريم (لمناسبة مهارته في المكياج اذكره بدوره في تهريب بعض السجناء خلال احدى المواجهات, عندما اكتشفت عزيز املس الساقين!).

يضحك عزيز, كان علينا ان نغير شكل السجناء المراد تهريبهم لكي لا يكتشفهم الحرس خلال خروجهم مع المواجهين. حلقت شعر رجلي واستخدمته في عمل لحى و شوارب للهاربين. بدوا كأنهم شيوخ عرب!.

    وفضلاً عن النشاط الفني والمسرحي كان ابو سعد يساهم في تحرير مجلة " كفاح السجين الثوري "  وفي خطها هو وعزيز وطبان والراحل حميد بخش *، وكان يمتاز بخط واضح أقرب لان يكون حرف مطبعة كان يسميه خطاً بروليتارياً!

(كان عامل ميناء نشيط لعب دوراً قيادياً في اضرابات عمال الموانئ, اوائل الخمسينات , توفي في صوفيا قبل سنوات) . بعد الهروب المتكرر قامت ادارة  السجون بنقل الشيوعيين البارزين الى نكرة السلمان, مخافة هروبهم.

( جرى حفر نفق من سجن بعقوبة هرب منه العشرات لكن محاولة الهروب  اكتشفت والقي القبض على الهاربين وسيقوا الى المحاكم ثم الى سجن نكرة السلمان  والحق بهم آخرون. ثم جرى تجميع جميع السجناء الشيوعيين وأصدقائهم في  بناية السجن الجديد في بعقوبة.

    في الخارج كان جرى حَلّّّّ برلمان 1954 الذي فاز بعضويته اثنا عشر من النواب الوطنيين, حُلَّت الاحزاب ومئات الجمعيات والنقابات, أغلقت الصحف تمهيدا لألحاق العراق بحلف بغداد ( السنتو) وكان لابد ان ينعكس ذلك على حياة السجناء فسادَ ارهاب وحشي سلبت فيه فيه أهم مكتسبات السجناء.

خلال ذلك تنقل  ابو سعد بين سجن نكرة السلمان والسجن الجديد في بعقوبة , ثم جرى نقله الى بدرة.

 

أم عزيز

في بدرة  التحقت به والدته وعاشا في بيت من غرفة واحدة تمتعنا معاً بقدر من الاستقرار. كانت أم عزيز منذ  القي القبض على كبير أبنائها عزيز والتحاق اولادها الآخرين الواحد بعد الاخر بالنشاط  الثوري في صفوف  الحزب ,تنقلت بين بيوت ابنائها التي كانت غالباً بيوتاً حزبية وفي مرة سكنت مع الرفيق بهاء الدين نوري قبل القاء القبض عليه عام 1953 .

أم عزيز:كانت انسانة امية بسيطة من اسرة متدينة احبت الحزب ورفاقه كما لو كانوا اولادها, حبها لأولادها تحول الى حب للقضية التي يناضل من اجلها اولادها ورفاقهم، شاركت في المظاهرات النسائية دفاعاً عن السجناء وتضامناً مع اضراباتهم عن الطعام من اجل تحسين حياتهم. في احدى المرات القي  القبض عليها وصدر الحكم بسجنها ستة أشهر أو دفع كفالة،لم يكن هناك من يكفلها،قضت في سجن النساء 15 يوما حتى دبر لها الحزب كفيلاً.سُعدت أم عزيز مع ابنها بعد طول فراق، وجدت وقتاً للعناية به وبحديقته الصغيرة،كانت تزرع فيها الخضار (حتى توفر مصرف).

    كان ثمة لوحة تحتل مكاناً بارزاً على جدار الصالة "انها أمي بريشتي" يقول عزيز :امرأة تعتمر العمّة الريفية التي تتشارك فيها، كما يبدو،اكثر ريفيات الجنوب وربما نساء الاسر الدينية الصابئية عندما يتقدم بهن العمر. امرأة يلوح عليها التعب، عينان غائرتان ووجه حفر فيه الزمن القاسي خطوطاً صارمة. لم يكن ثمة صورة لوالد عزيز، يقول عزيز: " خبأت صورته في واحدة من الكتب قبل مغادرتي العراق أودعتها في بيت احد الاقارب بأمل رسمها عندما تتاح الفرصة، تنقلت بين العديد من البيوت حتى ضاعت ".