الكبار يحلمون ولا يموتون .... والصغار يعيشون...!

محسن ناصر الكناني

محسن ناصر الكناني، من مواليد واسط 1947، قاص وباحث وناقد، عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، له العديد من المجموعات القصصية حيث صدرت مجموعته القصصية الأولى (اللامبالي) عام 1967 ، كما نشر العديد من القص في الصحف والمجلات العراقية والعربية وقدم بحوثا ودراسات في مجال قصة الطفل، وحاز على عدة جوائز تقديرية في مجال القصة القصيرة وأدب الأطفال.

 - تنجذب روح الفنان الى أساطير الصبا الأولى، الذي تزيّن، وتكوّن مناخه زخارف البيت البغدادي العريق.. يقول الراحل (قاسم محمد)، في معرض لقاء صحفي لمجلة " العصفور "، سرد فيه شيئاً عن تجربته المسرحية الموجهة للأطفال:

" وأنا أمثّل في عطيل، والخال فانيا، والضحية، ومونسير، استغرقت بحلم شفاف بخلق مسرحية للأطفال مفعمة أحاسيساً ومشاعر، وانفعالات ".

- فهل انقطع هذا الحلم، ومات!؟

- الكبار يحلمون، ولا يموتون. ظلّ هاجسه قائما. وعندما أوشك العام 1968 على نهايته، منهيا دراسته لفن الإخراج، كان لزاما تقديم أطروحة التخرج – تطبيقيا – حول وسائل التعبير البصرية في مسرح الأطفال.

- 1968، بدأ تمارينه كمخرج، في المسرح القومي لجمهورية بيلوروسيا. وطيلة شهور ثلاثة مع مجموعة ممثلين، ومصمميّن، وفرقة موسيقية، أنجز عرض مسرحية (روبن هود)، مثلت الباكورة الأولى، لتجسيد المخزون المتراكم من الأساطير البغدادية التي امتلأ بها فلبه وعقله. لقد ساعده هذا الخزين أكثر في صيغ العرض المسرحي، بتلاوين إيقاعية، وفنية، وتشكيلية مميزة. إذن لم يغادر الصبي الكبير، عالمه الأثير. ظلّ مستغرقا في المكان البغدادي نفسه.

- ألم أقل ان الكبار يحلمون ولا يموتون ..!

العمل الأول للفنان، (نابع من ذات فنية، تنمي لعالم غني بجذوره الفنية الضاربة في أعماق التاريخ، والحكايات، والخرافات الحكيمة، تجسد ذلك في جملة متممات العرض المسرحي، الديكور، الإكسسوار، معالجة الفضاء المسرحي، والجاد حلول جديدة له، كذلك تجسّد بصريا في سلوك الممثلين الجسدي أثناء الأداء وفي الإيقاع العام، الذي لم يألفه الممثلون، في مسرحياتهم، إضافة الى مجموعة ألعاب وحركات مرنة، حفل بها العرض، سواء في مشهد المطاردات في غابة شيرود، أم في مشاهد المعارك والمبارزة التي تجري داخل قصر الحاكم المعادي) (1).

في العام 1970، بعد عودته الى الوطن، بدأت اللعبة الطفولية الثانية، في الفرقة القومية للتمثل في بغداد، في " طير السعد " التي كتبها متأثرا بكل الأساطير الشرقية والعربية المملوءة حلاوة، وتوقعا، وإثارة، ولأكثر من شهر ونصف، بقي أطفال بغداد – وأنا منهم – وبمعدل 900 طفل يوميا، يحلقون في قاعة المسرح القومي.

ظلّ الأطفال يرحلون مع طير السعد، وصديقه العراقي مروان بحثا عن الخير المتمثل بالعمل وصولا الى السعد المنشود. هنا لعبت المخيلة البغدادية الجميلة – الأصيلة التي ركبتها وكونتّها حكايات الموروث الشعبي البغدادي.

- ألم اقل لكم ؛ ان الكبار يحلمون .. ولا يموتون !

في العام 1972، كان اللقاء الجميل مع صديق الأطفال، ذلك المخلوق الخالد: بينوكيوس سيناريو عرض مسرحي تحت اسم (الصبي الخشبي). كان العرض حارا، حيويا، متدفقا، مليئا بالحكمة، والمتعة، أعقبه بعدد من سيناريوهات العروض المسرحية الموجهة الى الأطفال، وتلك تجربة تسجّل له، في مجال السيناريو.. ثم تأتي تجارب جديدة في (سر الكنز) و (رحلة الصغير) من إخراج منتهى محمد رحيم و (مسرحية الأمير الفقير والفقير الأمير) وتجارب أخرى..

-  ألم أقل ان الكبار يحلمون ولا يموتون ..!

                                             *****

من العام 1968، الى العام 1978، سنوات عقد كامل من التجارب، والإبداع، اخرج فيها الفنان (قاسم محمد)، عددا كبيرا من المسرحيات، أسس فيها بحق مسرحا موجها للأطفال، كان الأساس، والرأئ في هذا الفن الجميل. ولا ننسى تجارب أخرى للفنانين: عزي الوهاب، أحلام عرب، ومنتهى محمد رحيم، وسليم الجزائري، وسامي عبد الحميد، وغيرهم ، آزرهم فيها جيش من العاملين: ملحنين، وممثلين، ورسامين، وكتاب، وشعراء. عقد كامل من الإبداع، بدأ شرارته الفنان الراحل (قاسم محمد)، ثم تلاشت التجربة، في بداية العام 1979 عندما، تصاعدت الثورة المضادة، للنظام البائد، فابتلع هذه الانجازات محاولا تغيير مسير الحياة، لكن الطغاة الصغار، يعيشون، ثم يسقطون !

الآن بعد رحيل الفنان الكبير، نتساءل:

- هل يمكننا التواصل مع حلم قاسم محمد؟!

- نعم. نعمل على تأسيس مسرح قاسم محمد للأطفال. نتجمع قبل ان تمر أربعينيته، ونعلن عن تأسيس مسرح الفنان الراحل. ذلك حلمه، عاشه، ونفذ قسما منه، وعلينا ان نكمله، جزأ من الوفاء لهذا الرجل (الصبي الكبير) الذي لم يمت أبدأ.

 

    وفي ضوء حياتنا المعقدة ؛ (على مسرحيينا أن يضعوا في اعتبارهم ان الكتابة للأطفال، ليست حوارا سهلا أو مسموع الكلمات من تلك التي تنسى، بعد حين، وإنما الكتابة للطفل تحتاج الى موهبة ومرانا لا تقل – ان لم نقل تزيد على ثقافة وموهبة الكتابة الى الكبار- فصنع عالم جميل قوامه الأطفال مهمة تتطلب وعيا حضاريا عاليا) (2).

من هذا المنطلق الذي عبر عنه الناقد ياسين النصيِّر، يكون علينا واجب البداية لتأسيس وإعادة تأسيس حلم الفنان الراحل قاسم محمد، وإنني أبادر – ككاتب قصة، وباحث في ثقافة الأطفال – في التأسيس والانطلاق.

 

الهوامش:

(1)      مستل من (شيء من تجربتي المسرحية) لقاسم محمد.

(2)      ياسين النصيِّر، المسرح العراقي والأطفال، مجلة العصفور، بغداد، دار ثقافة الأطفال، 1978.

 

 

***********