مع الشاعر زاهد محمد زهدي

قصة قصيدة ( هب يانسيم من الضّفاف الخُضر)

 

(كان الفقيد الشاعر الشعبي الكبير زاهد محمد يعتزم قبيل وفاته في العام 2002 طبع عدد من قصائده الشعبية مشفوعة بلوحات رسم. ولذا اتفق مع الفنان التشكيلي ساطع هاشم على رسم لوحات للقصائد .وكان ان أنجز الفنان اللوحات ،غير ان الموت عاجل فقيدنا الكبير زاهد . ولذا ظل المشروع طي الأدراج .وأهداني الفنان ساطع هاشم مجموعة القصائد مشفوعة بالرسوم. وكان لقصيدة ( هب يانسيم من الضفاف الخضر) التي كتبها الشاعر بخط يده قصة طريفة جديرة بأن تُروى للقراء. وها أنا انقلها عن المجموعة التي اهدانيها الفنان ساطع هاشم ،مشكوراً، كما خطها الشاعر الفقيد ).

                                                                                            عبد الرزاق الصافي

  

                        هب يانسيم من الضفاف الخضر

                       ...هب من بعيد ...بعيد (1)

 

     هذه القصيدة هي أول ما قاله الشاعر من القصائد الطوال المتعددة القوافي، وقد نظمها في حالة من الإحباط المحكوم بنظرة متفائلة الى المستقبل ، وذلك بعد ان ترك العراق في أعقاب انفجار الطاعون البعثي الأول في الثامن من شباط 1963 . كانت محطته الأولى مدينة

(مهران)الواقعة على ضفة "الكلال"*. وهو النهر الصغير أو المجرى المائي الواسع الذي يحدد الحدود الإيرانية – العراقية مقابل مدينة  زرباطية في العراق .

    القصيدة الآن تقترب أبياتها ومقاطعها الأولى من الأربعين سنة عمراً. وقد طافت مع الشاعر بلداناً ومدناً شتّى استمع إليها العراقيون الذين تتفجر صدورهم غيضاً وعيونهم دمعا ًلما أصاب بلدهم الذي كان يعيش أعراس ثورة الرابع عشر من تموز1958، التي بدأت منذ عامها الثاني تواجه، وهي تطرح أولى محاصيل ما زرعه الشهداء وسقته الدماء الزكية، تواجه الأرتال الغادرة من جراء (البعث)، الذي تضافرت معه القوى القومية الضالّة والمضلّلة لتزرع الحقد الذي استثار ردود فعل دامية ، لايمكن إلا ان يشعر بالفزع والعار لدى تصورها الآن .

    ان كل مايشاهده المرء في عراق اليوم وما يجري من دمار وفجيعة في بلاد الرافدين ، ما هو إلا حصاد السُم   لتلك الأحقاد التي لم يشهد لها تاريخ العراق مثيلا حتى في أحلك فترات الظلام التي تعرض لها في عمره الطويل .

    كانت (هب يانسيم)تتجول مع الشاعر في مختلف البلدان، تهز الضمائر وتستثير النخوة العراقية في صدور أبناء العراق الذين شردتهم الدكتاتورية والبغضاء ، فاستمع إليها أصدقاء ومحبو الشاعر وعارفو موقعه كمواطن يتحدث بعد معاناة عشرات السنين من الصبر والتضحية من اجل مستقبل العراق الحر ومن اجل ان يعيش شعبه الحياة السعيدة التي يستحقها .

    بعد وصوله سالماً الى مدينة (مهران)،حيث قضى بعضاً من الأسابيع الأولى في جبال (بشتكوه) قبل ان تأتيه انباء صعود جندرمة الشاه الى الجبال بحثا عن (عراقيين) هاربين أو متسللين من العراق،فيضطر الى النزول من الجبل. جلس الشاعر على ضفة (الكلال)، في مدينة مهران يسرح بعينيه الى الجانب الآخر ، حيث كان صبي من الرعاة يقود قطيعه الى (المراح) قبيل الغروب .... في هذا الوقت ، ومثلما يتحرك الأنين الخافت تحت الضلوع ، وبمواجهة نسمة باردة من الأمل ..صاح الشاعر من أعماقه ...

هب يانسيم من الضفاف الخضر

هب من بَعيد ..بعيد

داوي قلوب ملوّعة من الهجر

من بُعد الأوطان كُل ساعة

كل ساعة ضناها يزيد

    هذه الكلمات هزّت أسماع ووجدان العراقيين في إيران واذربايجان وموسكو وبراغ ولندن وستكهولم وبرلين وفي جدة والقاهرة،وبعيداً في الولايات المتحدة الأمريكية .وكان الشاعر يضيف إليها مقاطع جديدة ويحذف منها كلمة من هنا وأخرى من هناك، ليضع بدلاً منها كلمات أخرى من مفردات الوجع العراقي الذي ظل يتصاعد صامتاً أو عاصفاً حتى يومنا هذا.

    وكانت المرة الأخيرة التي استمع إليها العراقيون في لند ن يوم 14/تموز/1999خلال الاحتفال الذي أقيم في منتدى الكوفة لطرح وتوقيع كتابه عن الشاعر العظيم محمد مهدي الجواهري ، والموسوم"الجواهري صنـّاجة الشعر العربي في القرن العشرين" .

    وعندما ألح أصدقاء الشاعر على جمع ديوانه ، أو مجموعة أشعاره الشعبية على اختلافها ، وطرحها عليهم بين غلافين ، لم يذهب بعيداً في العنوان الذي اختاره لهذه المجموعة ، فكان "هب يا نسيم من الضفاف الخضر" .غير ان الاسم أو العنوان ما لبث ان تعرّض الى تعديل أساسي فنّي وذوقي إذا شئنا، ادخله الصديق الفنان (محمد سعيد الصكار) ،المتطوع الدائم لتصميم معظم ما أصدره أو يصدره صاحب المجموعة ، حيث اتفق مع صاحبها على ربط المجموعة بأعز قصائدها لديه ، إلا انه اقترح ان يكون العنوان (هب يانسيم) فقط . وكان لا بد لصاحب المجموعة من الموافقة على ما طرحه (الصكار) ليس من المنظور الفني وحسب ،بل لأن قناعة الشاعر بأن عملية (هبوب النسيم)المنتظر لن تكون من رمال الصحراء ، ولا من ارض الجليد السيبيري، ولا من سموم الجحيم اللافح لصحراء نيفادا الأمريكية ، بل من الضفاف الخضر لدجلة والفرات والغرّاف وشط العرب (جنوباً)** وشمالاً من شواطئ الزابين الأعلى والأسفل ، ومن عيون الماء ومساقطها الهادرة في شلالات "كلي علي بيك"والعين السحرية ، وضفاف بحيرة الثرثار ، بل وحتى ضفاف بحيرة الحبانية، التي كانت قد تحولت الى قاعدة لإرسال الطائرات الى بغداد لتدكَّ الحلم التموزي الأخضر ، الذي أحاله انقلابيو شباط المشؤوم الى بحيرة من الدم صبيحة الثامن من شباط عام 1963.

    وهكذا استمدت المجموعة اسمها من هذه القصيدة فكان "هب يانسيم " اختصاراً، كما طلب "الصكار". وإيمانا بأن القارئ العراقي سيعرف ان هذا النسيم سيهب من ضفافه الخضراء يوماً ليس بالبعيد.

 

                                                                                 زاهد محمد زهدي

 

هب يا نسيم من الضفاف الخُضُر

هب من بعيد  بْعيد

داوي گلوب معذّبة من الهجر

من بعد الأوطان ..

كل ساعة ضناها يزيد

بالألم أيام وليلي تمر

غامَت شموس الفرح

وتگدّرت ياحيفْ

أعراس حلوة بمهرجان النـَّصر

لولا أملنا

بشعب ما خيّب الآمال

لوما الأملْ

ﭼـا گلت ما عاد يسوى العُمر

هب يا نسيم من الضفاف الخضر

       ×××

هب يانسيم ضفاف (دجلة وفرات)

هَلبت يجف الدمع هذي گلوب من الهوى ملوّعات**

والنار مزروعة تحت كل ضلع

يا موطني ،

لو يظل من العمر فـَد يوم(2)

ولحضنك نعود

وبدار الصـّبا نجتمع

ونْطِشّ النذور(3)

ونْزِف للنصر أعراس

وتدور بيدينا صواني الشـَّمع

ونكلـّل گبور الضحايا ورد

نعناع وقرنفل وجوري وياس (4)

لو يوم واحد

يظل من العمر لا باس

بس كون أشوف المجد

يزهي بصدر (بغداد)

ومن تحت سوط الحقد

ترفع جبين وراس

بس كون أشوف العزم

راهي على التـّرباس(5)

وتعود (بغداد) الأبية نجم

ساطع بعين الناس

لو يوم واحد

يظل من العمر لا باس

خل تغمض العين (6)

والروح العزيرة تروح

ما يوم شفت الردى

لأجل الوطن ينهاب(7)

الجسم تحت الثرى

خلّي يصير تراب

من بعد الأوطان

لو عاشت بذلّ وزَجر

معنى الحياة الرَّدى

وهيهات يحلا العمر

هب يا نسيم من الضفاف الخضر

    ×××

هب يا نسيم جبال(كردستان )

واحيي الأَمل

خلـّي العراق يشم عبير الفجر

وتهوِّد جروح(8)

تنزف من مرار الصَّبر

گرَّب يثور الغيظ

والبركان گرَّب ينفجر

خل يسمع الكون

صوت عراقنا المنتصر

ما طخَّت الروس منّا

ولا انحنت هامات

وزْنود الرجال بأرض(كردستان)

و(اهوار الجنوب) مشرّعة الرايات

يالماشايف بعينك

تملـّى وشوف (9)

واعرف هالشعب ما مات

     ×××

تملّى وشوف ذوله احنا

بعزِمْنه وزودنه المشهور

وبطيبة منابتنا

گالو ماتت الشيمة

تْخَسا العدوان

ما ماتت ولا مِتنا

هذوله احنا..

هذوله احنا

الحديد يحز معاصمنا

نكول سوار هيبة

يزيد هيبتنا

يحزّون النحور وتشْخب دمانا (10)

وبدم الشهيد ندوف حنتنا (11)

نحنّي گفوفنا ونخضِّب الرايات

تعلى وترتفع للنجم رايتنا

على ساعة ونرد الموج

على منحر سفينتنا

وندير شراعها حدّار

وتآخي شعوب العالم اخوتنا

       ×××

هذوله احنا

هذوله احنا

تملّى وشوف ذوله احنا

على تراب الوطن ياما

 خضنا جراحنا وطحنا

يا ما غنّت الساحات من رفّت لوايحنا(12)

ويوم اشتدت الظلمه

تحدَّرنا بظلام الليل

مثلِ الفجر لعيونِ الشعب لِحنا

وهتفنا : ياوطن لبـَّيك

إﭼـوك رْجال(13)

خوّاضةْ محَن

لا تِهمْ للمحنه

ضحايا تريد

إبشر يا وطن عيناك

ذوله احنا

رجال احرار عد يمناك (14)

بينا تفاخر حبال المشانق لو تلولحنا

يْخَسا الموت

ش تهابه الروح، لو راد الوطن عونه

غير اهل الشهامه وفِتْيتَه الاحرار

منهو اللي يلبّونه

نشيل زنودنا السمرة

مراود كحل لعيونه

نصوغ گلوبنه گردان لاعراسه(15)

ونضحي ارواحنا دونه

يْخَسا الموت ش تهابه الروح

واحنا اللي صفينا ويالردى عـِشره

لابن آدم حفيرة گاع

وانياب الردى مْگـَشْره

باجر لوبعد عامين لو عـَشره

إله بترابها فوته(16)

تذكّر (ثورة العشرين)

 يوم اللي وگف

بارض (الرميثه)

وهوّس المهوال

هز الملعب بصوته

يْخسا الموت

ش تهابه الروح

" كل حي بالدنيا، عليه موته "(17)

 

الهوامش

*كلمة جنوباً أضيفت من قبلي لظني ان الشاعر نسي كتابتها (الصافي)

** هلبت بمعنى ربما باللهجة الشعبية

(1)     كلمة بعيد الثانية تقرأ ساكنة الباء باللهجة الشعبية

(2)     يلاحظ ان الشاعر كتب بدايات هذه القصيدة ، كما أسلفنا ، في عام 1963 وهو مبعد في إيران . غير انه الآن أيضا وفي العام الثاني من القرن الجديد (2002) ما زال يصرخ من أعماقه :" يا موطني..لو يظل من العمر فد يوم" ذلك بعد ان عاد الى وطنه عام 1973، واضطرته ظروف الاضطهاد البعثي في الجولة الثانية من الطاعون الى ترك العراق أسوة بالملايين من أبناء وطنه المغتربين .

(3)     من الفعل (طشَّ) وهو المرحلة الثانية من (الرش)في هطول المطر , وطش النذور بمعنى فرقها بين الناس ، ابتهاجا بتحقيق الأمنيات .

(4)     أنواع من الورد العراقي المعروف.

(5)     الترباس هو مقبض التحويل في البندقية، الذي يحوّل الطلقة من المخزن الى موقع الإطلاق . وكلمة راهي من الرهاوة وهي الاقتدار .

(6)     دع العين تغمض.

(7)     الفعل (ينهاب ) هو صيغة المبني للمجهول في العامية العراقية وهو من الهيبة. وهو كمثل قولهم (ينشاف) من الفعل يشوف أي يرى. وقولهم (ينوكل) بمعنى (يؤكل) و(ينضرب) بمعنى (يُضرب).

(8)     تهوّد بمعنى الهوادة وهي اللين والهدوء . وهوّد الرجل إذا سكن وإذا نام . قال الشاعر الشعبي : مسموعة ونة الليل ياروحي هيدي

(9)     تملّى بمعنى أطال النظر ونظر الى الشيء بإمعان وروية.

(10)الشخب هو صوت الدم المتفجر من الجراح النافرة.

(11) يدوف الحنّاء بمعنى يعجن الخضاب. وأكثر ما يقال ذلك في العنبر والطيب. قال الشاعر: والمسك في عنبره مدوّف، أي مداف.

(12) لوايحنا – إشارة الى الشعارات التي يرفعها المتظاهرون على الرؤوس خلال المظاهرات الوطنية .

(13) إجوك بمعنى جاؤوك.

(14)عد يمناك تعني عندك وطوع يمينك.

(15) الكردان نوع من قلائد العرائس .

(16)فوته بمعنى الدخلة أو الدخول. وهي كناية عن دخول الميت الى قبره .

(17) " كل حي بالدنيا إعليه موته" هي أهزوجة شهيرة من أهازيج ثورة العشرين الخالدة (1920م). وتجدر الإشارة الى ان احد المقاطع من هذه القصيدة قد فقد من الشاعر. وهو الآخر ينتهي بإحدى أهازيج ثورة العشرين "الطوب أحسن لو مكواري" . إذ يصور المقطع هجوم احد الثوار على جندي بريطاني يقف خلف المدفع حيث ضربه على رأسه واستولى على مدفعه وراح يهزج" الطوب أحسن لو مكواري". وكلمة ملعب تعني ساحة المعركة.

 

***********