لقاء
القاص بمجتمعه.... تصحيح السرد القصصي العراقي
محمد خضير سلطان
محمد خضير سلطان من مواليد 1958، قاص وناقد، أصدر مجموعته القصصية
الأولى (ما يشبه الأثر) عام 1989، كتب العديد من المقالات والبحوث
في الشأن الثقافي. عضو المجلس المركزي لاتحاد الادباء والكتاب في
العراق
لا تفترض هذه الإشارات كما هو وارد في العنوان ( تصحيح السرد)
الى ان السرد القصصي العراقي لم يكن صائبا منذ كتابة أول قصة
عراقية حتى يحتاج الأمر الى تصويب أو تصحيح، ولكن هذه الإشارات
تسعى الى تصحيح السرد من براثن السلطات الحاكمة والايدولوجيا التي
استبعدته عن المسار الطبيعي لالتقاط المتن الحكائي والتعبير عنه في
القصة، وترتب على إرادات السلطة والهيمنة، استبعاد السرد من فضائه
الاجتماعي وإقصائه عن التشكيلات الأساسية في المجتمع وغلبة
الايديولوجيا على توجيه الحكاية بعيدا عن سياقها التاريخي
والواقعي.
ان الإشارة الى فكرة تصحيح السرد ، تعود الى إحدى المداخلات
واللمحات الذكية للقاص محمد خضير حين تحدث في مهرجان المدى
الخامس في أربيل عن ضرورة تصحيح السرد منطلقا مما اسماه بانعدام
مشاركة الكويكبات ويقصد بها المكونات الأقلية في المجتمع العراقي،
فلم تشهد هذه ( الكويكبات) بتعبير خضير جانبا في مختبر السرد
والتناول والمعالجة سوى أنها تمثلت هنا وهناك في الروايات العراقية
التي كتبت في نهاية التسعينيات وبالتأكيد ما نشر منها في الخارج
تحديدا.
لا يمكن ان نأخذ تصورا متكاملا عن الظاهرة الحديثة للمجتمع
العراقي بمعزل عن المكونات التعددية له التي اتسمت على مر الحقب
بتواصل التعدد والتنوع في جميع المستويات وانعكست على أنظمة الحكم
والإدارة أبان تشكل الدولة العراقية عام 1921 مثلما انعكست في
بدايات السرد القصصي ونشأة القصة القصيرة العراقية على اختيار
المشهد القصصي الواقعي ( مكان وزمان وشخصيات) وحفل تناول عناصر
المشهد بألوانها الحقيقية منطلقا الى بنائها الرمزي والدلالي.
لقد بدأ القص العراقي بالرغم من خطوته الأولى البسيطة، سليما
معافى كأي استعمال سردي ، يستند الى قاعدة اجتماعية في محصلته
الفنية، ومن الممكن بتعبير بول ريكور بان تشكل الهوية السردية لأي
مجتمع هي ظاهرة الخطاب ، وينعكس الخطاب في مستوى فني معين في السرد
القصصي فالهوية السردية القصصية لأميركا اللاتينية وانعكاسها الفني
عبر التقاليد الاسبانية العريقة، تختلف بدرجة إبداعية ما عن الرؤية
التاريخية الأوربية وتراتبها الإبداعي إلا أنهما( أي الهويتان)
تلتقيان في طبيعة التشكل الرؤيوي والمتخيل السردي النابع من شكل
الهوية السردية.
على هذا النحو البسيط، بدأت القصة القصيرة العراقية بالتعبير عن
الهوية السردية داخل الفضاء الاجتماعي للمجتمع العراقي وتشكيلاته
الأساسية مثلما أخذت بالانتشار على شكل أولي مع ظهور ونمو الصحافة
في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي.. ومن الممكن ان ترى
عددا من الشخصيات الكردية والعربية والإسلامية والنصرانية داخل
منظومة شبه محدثة ونمطية في سياق أمكنة جبلية وسهلية ومائية ،
وبالرغم من أنها تفتقد الى عناصر فنية كثيرة إلا أنها لم تنشأ أو
تتكون إلا في الاتجاه الواقعي الصحيح.
وكان هذا الاتجاه الواقعي الصحيح في ظل النشأة الفنية البسيطة
احد البديهيات التحديثية، والسلطة لم تصل إرادتها بعد الى أدلجة
الفضاء الاجتماعي بجميع مكوناته العامة، وهو هامش تحرر قبل ان تصنع
السلطات رقيبها الاجتماعي، وربما كان محمود احمد السيد أول
من عانى من تلك المفارقة( هامش الحرية في ظل بساطة الفن والتعبير)
بأنه يتمتع بلا حد لحرية البحث والتأمل غير انه مكبل بطور الصياغة
الفنية وطفولة التجربة القصصية وينقل الدكتور علي جواد الطاهر عن
السيد بأنه قال: أتمنى ان اقطع يدي التي كتبت فيها بعض تلك
القصص..وينظر إليها باستصغار فني أمام ثقافته ووعيه السردي المتشكل
من رؤيته الاجتماعية وقراءته لأهم كتاب القرن التاسع عشر في
العالم،، والزمن الذي يحتاجه السيد من اجل ان يقطع القص أشواطا
لتطوره وصعوده.. وجاء هذا الزمن المنتظر لبناء التجربة بعد عقود
وحقق القص العراقي تطورا فنيا ملموسا ولكن هامش الحرية ، انحسر
وضاق، وتصاعد في أثره دور رقابة السلطة والايديولوجيا الحزبية
واختل الاتجاه الواقعي الصحيح الذي بدأته الكتابة القصصية ولم يشهد
الخطاب مستوى حكائيا ، يعيد ترابطه بأصله الاجتماعي بل ان الأنساق
السردية ، تخلت عن القاعدة السردية الاجتماعية وأخذت منحى تطوريا
في السياق الفني حسب وابتعد القاص عن مجتمعه قسرا أو تم حجبه
بواسطة الايديولوجيا.
يقول القاص عبد الحق فاضل في كتاب له بعنوان ( قصصي)
الصادر عن منشورات دار الثقافة/ بغداد 1984 ، متحدثا عن ذكرياته
بشأن نشر إحدى قصص مجموعة ( حائرون)، بأنه دفعها الى النشر في
العام 1941 ، وكانت الرقابة مضروبة على المطبوعات بسبب ظروف الحرب
.. وكان من الرقيب عند قراءته القصة ووصوله فيها الى ما لم يعجبه
منها، ان شطب بقلمه الأحمر على احد السطور، وبعد قليل على سطر آخر
ثم على بضعة سطور متوالية.. وكتب على الهامش ( لا تنشر).
ويضيف فاضل: لكن القصة، رأت النور عام 1958، ونشرت ضمن مجموعة
(حائرون).. ومنذ ذلك الوقت صار الرقيب جزءا من البناء التنظيمي
للإدارة والسلطة، ومن الممكن لقصة يجيزها رقيب جديد بعد سبعة عشر
عاما من حجبها لدى رقيب سابق حتى جاء الرقيب الذي يقرب الكاتب من
السلطة ليحجبه عن المجتمع، الحاجب العنصري، ذو العرق الأرقى واللغة
الأسمى والفكرة الأعلى والمواطن الأول، الرقيب الذي يمقت حرفية
المندائي العراقي الجنوبي حين يصنع للفلاح مناجله وفؤوسه ومن دونه
لا يكتمل الحقل، الرقيب الذي يستهجن الطالبة الجامعية الكردية في
بغداد حينما تلثغ باللهجة البغدادية، الرقيب الايديولوجي الذي ساعد
على ظهور تركيبة مشوهة لملاكين عقاريين داخل بعض الروايات في
المشخاب أو سوق الشيوخ أو الشرقاط على أنهم صورة لعلاقات برجوازية
إقطاعية تستلزم بناء طبقيا عماليا، ان الرقيب يتواطأ مع هوية سردية
نصها في المشخاب وخطابها في موسكو، وآخر ينفي عراقية العراقيين
بدواع عنصرية، وهكذا لم يستطع الكاتب عبور الرقيب ليصل الى المجتمع
ولكنه استطاع العبور الى متخيل فني جديد بعد ان تخلى عن الرواية(فن
اليقظة) واستعمل القصة القصيرة لأنها (فن الحلم).. وارض المتخيل
الجديد، تمكن القاص بعد عقود ان يطأها ويخلق في أصقاعها أكثر من
مستوى رمزي وتعبيري غير انه بعيد عن ارض ومجتمع البلاد أو هو
مستبعد في مفارقة السلطة والرقيب وهيمنتهما على القص.
كان الرقيب السابق كما يذكر القاص عبد الحق فاضل لم يكن بتلك
الوطأة الشديدة، فقد كان لا يدقق في قصة (حسرة أم ميخائيل) كونها
من النساء المسيحيات إذ حفلت مجموعة عبد الحق (حائرون) بعدد من
التشكيلات الاجتماعية والتي مررها الرقيب داخل المجموعة لأنه لم
يتسلم توصية سياسية بهذا الشأن، على سبيل المثال، في قصة(إبراهيم
وسندية ونبيذ) نقرأ... كنت اسكن حجرة استأجرتها لدى عائلة مسيحية،
وفي مكان آخر من القصة، كان سداد قنينة النبيذ معدنيا كسداد قناني
الصودا، ولم يكن عندي مفتاح ، وكان ابسط شيء وأسهله ان اطلب مفتاحا
من أصحاب البيت وهم نصارى والنبيذ عندهم حلال ولكني كنت خجلا،
أتصور أنهم سوف يستهجنون من تلميذين مثلنا ان يقدما على هذا المنكر
ولو كانوا نصارى بل ولو كانوا أصحاب الحانة، وكانت صلتي بهم واهية
ومعرفتي ضئيلة لقرب عهدي بمساكنتهم، ولقد توثقت الصلة بيني وبينهم
وعلمت ان احدهم سكيرا مدمنا وكان يستحي مني فيخفي عني أمره مخافة
ان أتحرج لأني مسلم ولكان يسره كل السرور ان يعطيني المفتاح بل ان
يشتري النبيذ بنفسه.
وبعد تلك الفترة( أي بعد 1958-1968 ) فقد جدد الرقيب أدواته
وصار اشد دقة وحرصا على تغييب المكونات بدوافع سياسية وغدا من
المستحيل ان تقرأ عن عائلة نصرانية أو حفلة تعميد مندائية أو رقصة
زنوج أو هنود العراق، من المستحيل ان تنعكس الأعراق والأقوام في
تنوع المجتمع العراقي على السرد القصصي في العراق،، وبذلك فان
الرقيب لم يكن حاجبا بين الكاتب والمجتمع فقط وإنما أقصى الكاتب عن
المجاورة الضرورية بين الخطاب والحكاية، وفرض عليه تأسيس خطاب فني
، يقوم على قواعد تخيل وبناء أعلى من الرقيب والمجتمع معا، ومن
مظاهر هذا الوضع التنازل عن الرواية أو كتابتها بأساليب تاريخية
رمزية وتركيز الجهد الإنتاجي على كتابة القصة القصيرة.
ومن نتائج هذا التشوه في العلاقة بين الخطاب والحكاية، انه أدى الى
نمو القصة القصيرة في أقصى تجلياتها الرمزية والشفرية الى ان تكون
أرقى واكبر من فن الرواية فيما يؤكد المشهد السردي في العالم بأن
الرواية هي التي تتصدر السرد القصصي ، وتأتي بعدها القصة القصيرة
لكن العراق ، شهد حالة معكوسة، تثبت ارتقاء القصة القصيرة على
الرواية كما ونوعا ، وحدث ان يتجه القص الى مستقبل خارج الأزمنة
وباتجاهات مركبة.
ومن جانبه، اختزل الكاتب العراقي مجتمعه في رمزية تعبيرية،
صعبة ومركبة، تعالت على الواقع حتى ان الكاتب الأردني (غالب
هلسا) قد أعاب على السرد القصصي العراقي بعد قراءته ومعايشته
في بغداد، بأنه فوق الواقع ولم يعبر عن ملامح محلية دون ان يكتشف
الأسباب المؤدية الى هذا الشكل من الكتابة ودون ان يفسر الشكل
الابتكاري الهارب من بطش السلطة، والخطأ الذي وقع به هلسا، وقع به
آخرون من الكتاب العراقيين إذ كتب (أنور الغساني) بيانا
قصصيا اسماه أمراض القصة القصيرة العراقية، ولحقه الشاعر سامي مهدي
بمقالة بنفس العنوان، والواقع ان أيا من الكاتبين وقبلهما الكاتب
غالب هلسا لم يشر الى الأسباب والعوائق واكتفى بالنتائج، وإذا كان
الكاتب هلسا، ينطلق من رؤية ليبرالية في نقده للقصة العراقية فان
الكاتبين الغساني ومهدي، ينطلقان من توجهاتهما الإيديولوجية
السياسية التي لم تجد بناء نظريا لممارسة الكتابة كما حدث للواقعية
الاشتراكية والنقدية، بل ان الواقعية السياسية لطروحات الغساني
ومهدي ، فرضت نمطا من الإطار القصصي نواته في العراق ومجاله الحيوي
في موسكو وبغداد الرشيد، أي ان الواقع الطبقي والتاريخي العراقي ،
إذا وجد تبلوره ونضجه في الوعي السياسي والحزبي ، ليس بالضرورة ان
يجد تماثله مع الوعي السردي ولقاء المقولات الإيديولوجية والسلطوية
مع المجتمع لا تثبت لقاء السرد القصصي مع المنطق السياسي، وإذا كان
ذلك قد حدث مع نقدية غوركي وواقعية إيتماتوف فإنما هي مرحلة عابرة
أمام التراث الأوربي الضخم وحتى غوركي وإيتماتوف وغيرهما لم يلقيا
قبولا تاما من السلطة بالرغم من زج الإطار القصصي في السياق
الإيديولوجي والسياسي.
لا ينفي الشكل الابتكاري للهروب من السلطة والرقيب التشوه
السردي في لقاء القص مع الخطاب وتعبير القصة عن متنها الحكائي
المرتبط بالواقع...أذن كان هذا الشكل لقصة الستينيات والسبعينيات
والعقود اللاحقة ، هو حالة من البقاء لمنفى داخل السرد وطريقة
للاستمرار في حدود العدم والفناء إذ غدت الشخصية العراقية المتنوعة
والمتعددة شبحا في البناء الفني ولم يجد الرقيب فرصة لإلقاء أغطيته
الإيديولوجية عليها في الوقت الذي لم يستطع الكاتب العراقي توضيح
ملامحها.
كان القاصان محمد خضير واحمد خلف على سبيل المثال،
يهربان الى القرون الوسطى ويستجلبان شخصيات لم تكن كما هي في
واقعها التاريخي وإنما يستثمران وجودها في بناء النص في تركيبة
رمزية وشفرية، تقول كل شيء ولاشيء، استعادة لمضاع وبحث عن أسلوب
للتضليل، استخدام قاعدة خطابية على نحو معين من اجل إنتاج قيم فنية
بارعة لتغدو الشخصية مزجا لونيا أو تركيبا صوتيا أو إحلالا مكانيا
في فضاء متخيل جديد.
وكان القاصان محمود جنداري وجليل القيسي على سبيل
المثال أيضا، ينتقلان الى قرون ما قبل الميلاد من اجل إخفاء
التعبير عن لحظة راهنة، وهو ليس تعبيرا عن تواصل القرون القديمة في
لحظتها الراهنة بل توظيف أداة أسطورية في بناء غير أسطوري، ومثل
تلك القصص الهاربة الى الماضي لا يستطيع الآن الكتاب كتابتها بنفس
الطرائق السابقة إذ سقطت فكرة الهروب الى الماضي مع سقوط الرقيب
وصار الحاضر محوريا لا يمكن الهروب منه أو إغفاله، والأداة السردية
تحولت الى نواة فمن يذهب الى بابل أو أوروك لابد ان يبدأ من حيث
أثرها في الحاضر.
كانوا يكتبون عن الأساطير بوصفها أقنعة ولكنهم الآن يزيلون
عنها تلك الأقنعة مع انهيار الرقيب إذا لم تكشف هي عن وجهها ،
يكتبون عنها بوصفها أثرا متصلا من الماضي، وفي كل ذلك، يلتقي القاص
بمجتمعه وتشكيلاته الأساسية بعد ان تحرر من الرقابة وأوثان
الإيديولوجية.
******************