الأمن في الخليج...رؤية روسية

 الكسندر زاسيبكين  ترجمة:د.فالح الحمراني

 

الكسندر سيرجييفتش زاسيبكين نائب رئيس دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابعة لوزارة الخارجية الروسية. أنهى في عام 1973 معهد العلاقات الدولية، وشغل مختلف المناصب الدبلوماسية وعمل سفيرا لروسيا الاتحادية في جمهورية اليمن.  يسعى الكسندر زاسيبكين وهو أحد الشخصيات البارزة في وزارة الخارجية الروسية الى عرض الرؤية الروسية لطرق تطبيع الوضع في منطقة الخليج ضمن النظرية الروسية للأمن من أجل التحضير للتحركات الإقليمية والدولية طويلة الأجل الرامية لتشكيل طراز جديد للعلاقات في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة.

 أما المترجم د.فالح الحمراني فهو باحث ومترجم ويمارس الصحافة، إعلامي من العراق مقيم بموسكو. حصل عام 1985 على دكتوراه بعلم اللغة العام. عمل في مختلف وسائل الإعلام العربية، نشر البحوث والترجمات عن الأدب الروسي والدراسات السياسية في مختلف الدوريات العربية.

     إن إقامة نظام أمن ثابت ومأمون في منطقة الخليج حيث تقع 8 دول هي : البحرين والعراق وإيران وفطر والكويت والإمارات العربية المحتدة وعُمان والمملكة العربية السعودية، يعتبر واحدا من التوجهات الهامة في تحرك روسيا السياسي ـ الدبلوماسي في الشرق الأوسط. ان هذه المنطقة، التي تتركز فيها حوالي ثلثي احتياطات النفط العالمية التي جرى الكشف عنها وحوالي ثلث احتياطات الغاز، تتمتع بأهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد العالمي وبالدرجة الأولى لأمن الطـاقة.

يتصف الوضع المترتب في منطقة الخليج يتصف بالاضطراب المستديم الذي يتفاقم أكثر بسبب نشوب الأزمات. وتكوّن في سياق مسلسل النزاعات المسلحة ( الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980 ـ 1988 والأزمة الكويتية وعملية " عاصفة الصحراء" 1990 ـ 1991 والحرب في العراق 2003) كيان إقليمي يعكس الكثير من عيوب عالم القطب الواحد.

    وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أعلنت في بداية الثمانينات من القرن الماضي نفسها بمثابة الطرف الرئيسي المسؤول عن دعم الاستقرار في منطقة الخليج، واعتبرت الخليج منطقة مصالحها الحيوية. واتسع تورط أمريكا في شئون المنطقة على نحو دائم في مجرى النزاعات المسلحة، التي كان آخرها في العراق، الذي بادرت به أمريكا نفسها بهدف إطاحة النظام الذي لا ترغب فيه، بهذا البلد. ان الدور المهيمن للولايات المتحدة الأمريكية المستند على الحضور العسكري الواسع (قوات الاحتلال بالعراق، والقواعد العسكرية في الكويت وقواعد القوات الجوية والأسطول الخامس للقوات البحرية في البحرين ونقطة طليعة قوات "السينتكوم" في قطر وقواعد القوات الجوية والقوات البحرية في عُمان والإمارات العربية) تبعث على عدم ارتياح إيران وانتشار التطرف حتى في مناطق بعيدة خارج المنطقة كردة فعل على الهيمنة الأمريكية. ويمكن ان يسفر توتر الوضع المتعلق بإيران في أية لحظة عن نزاع جديد واسع النطاق لا يمكن التكهن بعواقبه وتداعياته على منطقة الشرق الأوسط وخاصة على منطقة  الخليج. لقد أدى احتلال العراق الى نتائج وخيمة على هذا البلد بما في ذلك الى خطر انهياره، إضافة الى مضاعفة قوة الأنشطة الإرهابية. وليس بوسع حلفاء الولايات المتحدة من أعضاء مجلس التعاون الخليجي الشعور بالأمن من خطر نشوب أوضاع متأزمة جديدة. ومن المشكوك فيه ان تعود بالفائدة على الاستقرار بالمنطقة أيضا تنفيذ خطط علاقات بعض دول مجلس التعاون الخليجي بحلف الناتو  في إطار مبادرة اسطنبول للتعاون التي جرى إطلاقها في عام 2004. وتبقى الى جانب البؤر الساخنة في منطقة الخليج قضايا الخلافات الحدودية، ومشاكل أخرى، من شأنها ان تؤدي في المستقبل الى تفاقم الوضع.

     ان الدبلوماسية الروسية تنطلق من وجود حاجة ملحة لوضع حد للتوجهات السلبية في تطور الوضع بمنطقة الخليج. وينبغي الابتعاد في منطقة الخليج كما في مناطق العالم الأخرى، عن المخططات الرامية لتعزيز تفوق بعض الأطراف على الأُخرى والامتناع عن ذهنية المواجهة بين الأحلاف والقرارات وحيدة الجانب التي تعمل فقط على تعميق الخلافات ولا توفر الأمن. ان انتهاج سياسة تعبئة الجهود الجماعية والاعتراف بمبدأ وحدة الأمن في العالم المعاصر، تلبي مطالب العصر. وينبغي ان تُقام  في منطقة الخليج آلية أمن تستند على اهتمام كافة الأطراف بتعزيز الاستقرار الإقليمي.

    لقد عملت الدبلوماسية الروسية في نهاية التسعينات (من القرن العشرين) على إعداد رؤية لطرق تطبيع الوضع في منطقة الخليج. وقدمت في مجرى التطورات مقترحات بشأن الخطوات الملموسة لحل المشاكل الملحة للمنطقة. وطُرحت في عام 2004 نظرية ضمان الأمن في منطقة الخليج مع التركيز على تسوية الأزمة العراقية. وجرى في عام 2007 تجديد النظرية بما يتناسب والواقع الجديد، وينحصر جوهرها في النقاط الرئيسية التالية:

ينبغي ان يكتسب نظام الأمن في منطقة الخليج  طابعا عاما وشاملا، يقوم على مساواة واحترام مصالح كافة الأطراف الإقليمية والأجنبية المعنية، في مجالات الأمن بما في ذلك العسكرية والاقتصادية والطاقة. ان هذه المنطلقات هامة للغاية لكونها تهدف لتوفير نظام أمن سليم من دون استثناءات أو إلحاق الأضرار بأحد الأطراف. ان نظام الأمن لا يمكن ان يكون ثابتا إذا ما جرى بناؤه على التمييز ليكون هناك من هو في الدرجة الأولى ومن هو في الدرجة الثانية أو من المنبوذين. وتنظر النظرية الى تعددية الأطراف على أنها آلية لمشاركة الأطراف المعنية في عملية التقديرات المشتركة للوضع وتبني وتنفيذ القرارات. ان هذا الموقف يوفر الفرصة للجميع للإعراب عن قلقهم، وإن تؤخذ مصالحهم وحقوقهم المشروعة بعين الاعتبار.

     وهناك عنصر آخر هو حجر أساس للنظرية الأمنية ـ يتمثل بأساسها الثابت القائم على القانون الدولي. ومن المهم تضمين النظرية أحكاما بخصوص تسوية النزاعات والمشاكل الأخرى التي من شانها ان تعمل على زعزعة الوضع في المنطقة، وينبغي فقط استعمال الأساليب السياسية ـ الدبلوماسية على قاعدة معايير ومبادئ القانون الدولي التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة. وأكدت النظرية ان إجراء عمليات حفظ السلام يجب ان تقوم فقط على أساس قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. ومن غير المسموح به الالتفاف على مجلس الأمن واستعمال القوة  واستعمال المعايير المزدوجة. ان هذا المنطلق ينطوي على أهمية بالغة لمنطقة الخليج التي شهدت مرات عديدة أعمالا عدوانية مثل احتلال العراق للكويت ومن ثم احتلال العراق.        

    إننا ننطلق من انه ليس هناك في منطقة الخليج  مشاكل لا يمكن حلها عن طريق المباحثات أو توظيف الوسائل السلمية لتحقيق هذا الهدف. لذلك فان ترسيخ الأساليب السياسية ـ الدبلوماسية كوسائل لا بديل عنها لتسوية القضايا الخلافية، ستخلق مناخا مناسبا في المنطقة وتبدد القلق القائم. وستساعد على هذا أيضا أحكام النظرية حول التزام كافة الأطراف بالوثائق الدولية/ القائمة على القانون الدولي( الاتفاقيات الثنائية والجماعية، وقرارات منظمة الأمم المتحدة وقرارات المنظمات الإقليمية والدولية)، التي تنظم العلاقات في منطقة الخليج.

    ان مبدأ حل المشاكل على "مراحل" يعتبر واحدا من مبادئ بُنية النظرية الأمنية للخليج.فمن المعروف انه لا يمكن حل كافة قضايا المنطقة بساعة واحدة. وينبغي المرور بعدة مراحل، بدءا من تسوية المشاكل الأكثر حدة. وتتمثل هذه المشاكل في المرحلة القائمة بالأزمة العراقية والبرنامج النووي الإيراني. ولكل واحد من هذه النزاعات سرعة تطوره ومسار الجهود المبذولة لانفراجها. لذلك فان النظرية لم تطرح وصفات جاهزة لحل المشاكل التي توجهها المنطقة. بيد أنها تركز على أهمية ان يجري التغلب على هذه المشاكل وفق لأولويات مما سيتيح تمهيد الطريق نحو إقامة نظام أمن في المنطقة.

     وفي الوقت نفسه تطرح النظرية مجموعة من التصورات الأمنية، والثقة والرقابة التي تشمل على تأكيد كافة الأطراف التنفيذ النزيه لالتزاماتها الدولية/القانونية، وكذلك ان تأخذ على عاتقها الالتزام بالشفافية في المجال العسكري ( أخطار الدول الأخرى عن إجراء المناورات العسكرية، وتبادل المراقبين والامتناع عن المرابطة المستديمة لوحدات كبيرة الحجم من القوات المسلحة، وتبادل المعلومات عن شراء الأسلحة والقوات المسلحة)، وكذلك عقد اتفاقية للرقابة على التسلح ( إقامة مناطق منزوعة السلاح ومنع تراكم القوات المسلحة التقليدية التي تؤدي الى زعزعة الوضع، وإجراء كافة الأطراف تقليص متوازن للقوات المسلحة).

     وتجدر الإشارة الى انه من الممكن ان تجري في المراحل الأولى لإقامة منظومة الأمن تجسيد جملة من إجراءات الثقة المشار إليها في اتفاقات بين الأطراف. مثلا، من اجل ان لا تتعاطَ الأطراف الأخرى مع المناورات العسكرية التي  يجريها طرف آخر على ان القصد منها هو إشهار للقوة. وهناك إمكانية واقعية للعثور على تفاهم بشان شكل مرابطة القوات المسلحة الذي بوسعه ان يقلل من المخاوف والقلق المتبادل.

     ان التقدم في بناء نظام الأمن سيخلق الممهدات اللازمة لتقليص الحضور الأجنبي العسكري في المنطقة ووضع إجراءات ثقة مشتركة بين دول المنطقة والدول الأخرى. ان هذا واحدا من الأفق الحساسة التي تحدد طبيعة الوضع في منطقة الخليج. ان دول مجلس الخليج لا تزال تنظر ان الحضور الأجنبي العسكري وبالدرجة الأمريكي بمثابة الضمانة الأكيدة للأمن، بينما ترى به إيران عاملا لزعزعة الاستقرار. أما ما يتعلق بالعراق، فان جيوش التحالف هي قوات احتلال مع كل ما ينجم عن ذلك من تبعات ثقيلة. ومن الناحية المبدئية فليس إيران وحدها بل ان أعضاء مجلس التعاون الخليجي أيضا موافقون على ان تضمن دول المنطقة نفسها الأمن في الخليج. بيد أن مجلس التعاون يرى ان هذا مسالة غير واقعية، وبالدرجة الأولى نظرا لوجود اختلال في الموازين بين إيران ومجلس التعاون الخليجي، لصالح الأولى. ويمكن ان يشكل العراق في المستقبل خطرا عليها أيضا. لذلك وإذا ما جرى دفع الأمور نحو إقامة نظام أمن فعال حقا، أي متوازن فمن الضروري الأخذ باعتبار كافة أشكال القلق الماثلة وان تكون العملية في حالة تقدم للأمام وتجنب التحركات الحادة، وخاصة ما يتعلق بتغير اصطفاف القوى.

     لذلك فإن النظرية تناولت قضية الحضور العسكري الأجنبي في سياق  تبني حزمة إجراءات الثقة من أجل تبديد أي شكل من أشكال الشك أو الارتياب  لتوفير ضمانة أمن أكيدة لكل دولة ولمجموعة دول.

     وينبغي ان يصبح تعاون الأطراف في مكافحة الإرهاب ما فوق القومي وتجارة السلاح غير الشرعية والهجرة وتجارة المخدرات ومنظمات الجريمة، مكونا هاما لنظام الأمن. ويجب ان تنص النظرية الأمنية على ضرورة عقد اتفاقية ذات صلة على مستوى إقليمي.

    ان خطر الإرهاب يعتبر احد العوامل الهامة التي تبعث على قلق دول منطقة الخليج على أمنها القومي واستقرارها. وفي الوقت نفسه فانه لم تجرِِِ مشاركة إيران في الوقت الحالي في التنسيق للتصدي للإرهاب. ولا حاجة للحديث عن العراق، الذي توجد فيه شبكة إرهابية قوية سرية. لهذا ينبغي تنظيم اتصالات متعددة الجوانب ثابتة في مجال مكافحة الإرهاب. ان تتمتع بثقة كافة دول المنطقة سواء العربية أو إيران، الأمر الذي يعوزه الغرب. وضمن هذا السياق فان المشاركة الروسية يمكن ان تؤدي قسطا كبيرا في تحريك هذه العملية.

    إن وجوب جعل الخليج منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، يعتبر احد الجوانب الهامة  في قضية إقامة منظمة الأمن. ان هذا البند ورد في النظرية في إطار مهام تعزيز نظام عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، المستند على معاهدة عدم نشر الأسلحة النووية. ان هذا الجانب مهم نظرا لأنه وعند تناول موضوع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل عموما تظهر ضرورة الالتزام بمبدأ ربط الوضع في الخليج بمنطقة الشرق بأسرها.

     وينبغي التأكيد على ان يكون نظام الأمن في منطقة الخليج جزء لايتجزأ من بناء الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الأزمة والذي سيُصاغ آجلا أم عاجلا بعد تحقيق تسوية شاملة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي الذي يعتبر على مدى عشرات السنوات المشكلة  الرئيسية للمنطقة. وعلى هذا النحو فان النظرية الأمنية تحسم قضية أولويات مشاكل المنطقة وارتباط بعضها بالآخر من منطلق  بناء وفق صيغة: ان تقدم وتحسن الوضع في احد المسارات، مثلا في منطقة الخليج يجب ان يحفز على تحريك المسارات الأخرى لا سيما في قضية التسوية بين العرب وإسرائيل. وان استخدام منطق معاكس قائم على ربط الخلفيات السلبية بعضها بالآخر ويقول ان عدم وجود تحرك في احد المسارات سيعني عدم وجوده في المسارات الأخرى ـ هو منطق غير مثمر.

ويجب ان تتكلل عملية تشكيل نظام أمن في منطقة الخليج بإقامة منظمة للأمن والتعاون لمنطقة الخليج. وكما أُشير في النظرية فان هذه مهمة سياسية ـ دبلوماسية بعيدة المدى. وستضم هذه المنظمة كافة دول الخليج إضافة الى ضم روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وغيرها من الدول المعنية لها بصفة مراقبين أو أعضاء مراقبين. ومن المهم جدا ان تتطور وبالموازاة مع تطور نظام الأمن عمليات التكامل بين دول المنطقة وتحسين النظام الاقتصادي ـ التجاري والاستثماري والعلمي ـ الفني والتعاون الثقافي، بما في ذلك إقامة شبكات طاقة وموصلات مشتركة ومناطق للتجارة الحرة ...الخ.

    إن إقامة منظمة الأمن والتعاون الخليجي بالطبع هي قضية المستقبل. وينبغي صنع الخطوات الأولى. وتطرح النظرية اقتراحا يدعو الى الشروع بالعمل الرامي لإطلاق عملية إقامة نظام الأمن في منطقة الخليج عن طريق إجراء مشاورات جماعية وثنائية بناءة بين الأطراف المعنية بما في ذلك دول المنطقة والدول من خارج المنطقة ومجلس الأمن الدولي ومجموعة "الثماني" وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي. وانطلاقا من ذلك فقد تم توزيع نص النظرية عبر القنوات الدبلوماسية على دائرة واسعة من الأطراف المعنية. وجرت  على مدى الأشهر الأخيرة مناقشة ان الأفكار المطروحة في النظرية الروسية بصورة تفصيلية في سياق الاتصالات على مختلف المستويات وبالدرجة الأولى مع دول الخليج.

    وكانت رد فعل المنطقة ايجابيا على النظرية الروسية. ان الأفكار الرئيسية التي تتضمنها مثل تعددية الجوانب والشمولية والمساواة والدور الريادي لبلدان المنطقة الى جانب مبادئ التتابعية وتحقيق الأهداف على مراحل، ستظل أفكار حيوية ومطلوبة. وعلى الرغم من الصعوبات الجمة التي تبدو للوهلة الأولى في قضية بناء نظام امن متوازن في منطقة معقدة وفي ظل الظروف الحاضرة قابلة للانفجار، تجدر الإشارة الى ان النظرية  تعتبر وثيقة برجماتية وواقعية  وان قوتها تكمن في أنها تستند على الامتناع عن المواجهة والانتقال الى توازن المصالح، القائم على القانون الدولي.

    ان هذا الموقف يلقى قبول الجميع. ولكن تجسيده في الواقع يتطلب حسم عدة مشاكل جدية والتغلب على عدم الثقة المتراكمة على مدى عدة سنوات في مثلث مجلس التعاون الخليجي ـ إيران ـ العراق. ان نظرية الأمن التي تطرحها روسيا يمكن ان تستجيب أيضا لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الأطراف المعنية. بالطبع إذا كان المقصود ان المصالح الحيوية للولايات المتحدة تتمثل في العمل الجماعي على خلق الظروف للاستقرار والأمن في منطقة الخليج، وليس في اختبار التوتر المستديم ودعم تفوقها العسكري بأي ثمن كان في مواجهة الطيف الواسع لمنتقديها في المنطقة. وهناك أمل بان إدارة باراك اوباما التي أعربت عن الاستعداد بالاعتماد في الشئون الدولية على الحوار، ستتفهم أكثر المواقف الروسية. فمن غير الممكن وضع الرهان على القوة بلانهاية. ان هذه الإستراتيجية ستؤدي فقط الى تفاقم المشاكل وظهور بؤر توتر جديدة. وتفهم ذلك دول مجلس التعاون الخليجي  التي تميز من الأولويات عدم اندلاع نزاع كبير في المنطقة. ومن جانبها أعربت إيران عن دعمها لإقامة نظام أمن جماعي في منطقة الخليج. ان أفكار إيران تتناغم من حيث المبدأ  مع أفكار روسيا، ويمكن الاحتساب لتعزيز التعاون الروسي ـ الإيراني في مجرى الجهود لإقامة نظام الأمن.

    إن عملية ضبط المواقف وإعداد مؤشرات المواقف المشتركة، قد بدأ فعلا. ويتوجب الآن مواصلة العمل بدأب مع كل من يشاطر وجهات نظرنا الهادفة لبناء الطراز المستقبلي للعلاقات في منطقة الخليج. 

     وتجدر الإشارة في ضوء ذلك أننا لا ننظر لنظرية نظام الأمن الروسية بمثابة المرجع الأخير. ومن المحتوم ستجري عليها تعديلات وإضافات التي ستحددها مختلف التطورات والحالات الجديدة التي ستظهر على الساحات الإقليمية والدولية. ونراهن على المساهمة المبدعة من قبل شركاؤنا والبلدان في المنطقة في سياق الاتصالات حول هذا الموضوع. إننا على قناعة بأنه كلما كان عدد المشاركين بوضع النظر كلما كان أحسن. فان هذا سيوسع، قاعدة نظام الأمن ويحولها الى وثيقة نجمت عن عمل جماعي.

    وكما أشير في نص النظرية فان فكرة إقامة نظام امن في منطقة الخليج يمكن ان تلعب دورا رئيسا في تعبئة الأنشطة السياسية الدبلوماسية في هذه المنطقة. وعمليا يدور الحديث هنا حول إطلاق عملية متعددة المقاسات والحجوم لإعادة النظر بالوضع في المنطقة وتنظيم الجهود الجماعية الرمية للعثور على حلول مقبولة للمشاكل القائمة. وعلى هذا النحو وكما ترى النظرية فقد بدأت عملية تطبيق برنامج أعمال طويل الأجل يهدف الى تطبيع الوضع في منطقة الخليج وتعزيز الاستقرار والأمن هناك وتحديد المؤشرات والمقاييس  الرئيسية للنظام المستقبلي لمرحلة البناء في ما بعد الأزمة وكذلك طرق تطبيق المهام ذات الصلة بذلك.

    وينبغي ان تصبح المرحلة الختامية لمحصلة العمل عقد مؤتمر دولي مكرس للأمن والتعاون في منطقة لخليج. ان إجراء مثل ها المحفل سيتيح تعزيز التفاهم المتبادل للأطراف المعنية بشان أسس ومبادئ نظام الأمن في المنطقة، وكذلك تنسيق الخطوات الملموسة لإقامته. ان الطريق الأفضل للتحضير للمؤتمر يتمثل بتشكيل فريق مبادرة تدخل في مهامه الاتفاق على الأطر الجغرافية  لنظام الأمن المقبل ودائرة المشاركين فيه وجدول عمل المؤتمر ومستوى المشاركة فيه ومكان عقد المحفل إضافة لتحضير مشروع قرارات بما في ذلك تحديد إجراءات الأمن والثقة والرقابة.

    ان الأحداث التي وقت في القوقاز بأغسطس 2008 ومن ثم الأزمة المالية ـ الاقتصادية العالمية خلقت وضعا جديدا في العالم. ان روسيا إذا دافعت بحزم عن حق شعوب أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بالحياة، فإنها طرحت بشكل ملح قضية تفعيل الجهود السياسية ـ الدبلوماسية الدولية الرامية لإقامة نظام دولي متعدد الأطراف عادل. لقد طرح الرئيس الروسي (دمتري ميدفيديف) في كلمته في مؤتمر الطاقة الذي عقد في (ايفينيه) بتاريخ 8 أكتوبر 2008 الرؤية الروسية لأولويات منطقة شمال الأطلسي وأوربا بالاعتماد على معاهدة جديدة للأمن الأوروبي. وتكمن في أساسها نفس المبادئ التي تتضمنها النظرية الروسية للأمن في منطقة الخليج. وهذه مسألة طبيعية نظرا لان الأمن الدولي موحد. ومتواصل ويتوجب ضمانه للجميع من دون استثناء. وفي الوقت يمكن تضاف بعض أفكار دمتري ميدفيديف الى نظرية الأمن في منطقة الخليج، وخاصة تلك الأفكار التي تتعلق بضمانات الأمن مثل ( لا تضمن أمنك على حساب امن الآخرين وعدم السماح بالأعمال التي تضعف وحدة المحيط  المشترك للأمن وعدم السماح بان تتطور الأحلاف العسكرية بما يلحق الضرر بأمن الآخرين الموقعين على المعاهدة).  

    وسوف تتواصل في المرحلة القادمة تقدم النظرية الروسية للأمن في منطقة الخليج. وعند ذلك فإننا ننطلق من أنها يمكن ان تصبح مؤشرا موجها للتحضير للتحركات الإقليمية والدولية طويلة الأجل الرامية لتشكيل طراز جديد للعلاقات في هذه المنطقة الإستراتيجية الهامة.

 *****************