ادوارد سعيد  وأسلوب المثقف *

  

ترجمة زيد العامري الرفاعي

    أدوارد سعيد جامعي  فلسطيني  قضى معظم حياته  الاكاديمية في جامعة كولومبيا الامريكية. اشتغل بالفكر وانشغل به  فعالج موضوعات في الادب المقارن والفلسفة والموسيقى والسياسة . اكتسب شهرته من كتابه (الاستشراق)  الذي ارسى اسس علم دراسات مابعد الاستعمار القديم. ولقد حلل سعيد في هذا الكتاب من منظور تاريخي فكري، انعكاس تصورات الاستعمار عن الشعوب المستعبدة في كل المنتج  الثقافي لهذا الغرب المهيمن لاستغلاله في احكام السيطرة عليه . ومن اهم كتبه الاخرى: الثقافة والامبريالية،تعقيبات على الاستشراق وخارج المكان، وصور المثقف( صدر بثلاث ترجمات عربية ).

 أما المترجم زيد العامري الرفاعي فهو من مواليد الرفاعي (ذي قار)، ماجستير علوم جامعة جنوب شيلي. عضو الهئية الادارية لجمعية  المترجميين العراقيين للفترة 2005-2008 . ترجم عدة كتب اضافة الى عدد من المقالات.

     يولي (ادوارد سعيد) في أعماله مقاما خاصا لانشغال المثقفين المباشر في صياغة الواقع  من حيث مقدار هذا الانشغال، أو أداءهم دور  المشرع الفعلي  لأمور الحياة وان لم يعترف ويقر لهم بذلك، حسبما يقول  شيلي(Shelley). والموضوعة الرئيسية التي ترد في أشهر كتب سعيد هي ان الباحثين والفنانين والشعراء والمؤرخين هم من طرحوا تجريدات مثل " الغرب " و " الشرق " والتي جرى عليها بعدئذ وتدريجيا التغيير والتحوير وإعادة الطرح.  ولذلك يرى سعيد ان الباحثين والكتاب، والمثقفين عموما يشاركون في إنتاج وقائع وحقائق  الكون نفسها؛ ولذلك فهم ليسوا،كما يدعون غالبا، مجرد مراقبين معزولين موضوعين. وبالرغم من  قصور هذا الفرض في تكوين وجهة نظر موضوعية واحدة ننطلق منها لتحصيل المعرفة وتقويم الحقيقة، لكنه يدعونا للتأمل في درجة انهماك  المثقفين في الوقوف الى جانب الدولة في سياساتها المختلفة- من غزو، وتعذيب واحتلال عسكري والظلم- أو الوقوف ضدها بالمساهمة في نقض هذه السياسات ومخالفتها وبذلك المشاركة في الصراع لخلق  عالم بديل من الحرية والمساواة والعدالة.

    والواضح لنا ان سعيد فضلا عن الاعتقاد  بهذه المفاهيم و ترويجه لها، فقد  عرض  بصورة فعالة إمكانيات عمل المثقف المعارض؛ وهو ما طرحه في كتابه: (صور المثقف) عن  الوسائل التي من خلالها يؤدي دوره (1). وفكرته عن المثقف تمثل جمعا لمواقف (غرامشي) و (جوليان بندا) اللذين يستعرضهما في بداية كتابه، فيقبل سعيد  فكرة  كون المثقفين شريحة اجتماعية واسعة وكبيرة  لها ارتباطاتها الطبقية  فضلا عن اتصالها بالحركات والتقاليد والأعراف حيث يقومون بكل الأدوار الاجتماعية وبضمنها إنتاج وإعادة إنتاج الايدولوجيات الرسمية وأفكار العالم. وفي الوقت نفسه يتقبل  أطروحة بندا القائلة بان المثقف هو  عضو  مجموعة  صغيرة متحمس ومندفع أخلاقيا لمعارضة التيارات  السائدة بغض النظر عن عواقب تلك المواقف وتأثيراتها عليه شخصيا. يرى سعيد ان معظم المثقفين يؤدون الدور الاجتماعي الذي قال به غرامشي؛ لكن قلة منهم يرتقون بأنفسهم الى المصاف الذي وصفه لهم جوليان بندا لكي يصبحوا حسب تعبير سعيد ، احد اؤلئك " المتمكنين  من  قول الحقيقة بوجه  السلطة بصلابة  وبشجاعة وبلا مواربة وببلاغة و بذلك  لا يرى  المثقف  حرجا  في  نقد أي  سلطة مهما طغت وتجبرت " ( 2)

    وبخصوص نظرة سعيد الراديكالية عن مفهوم المثقف عند بندا ، المقنع والمثير  بما هو، نتساءل  أهي ممكنة التطبيق وعملية  في زماننا هذا مثلما  كان لمثقفين عاشوا في زمن سابق – وهو الزمن الذي استطاع فيه سعيد تكوين شخصيته وصياغتها؛ لأنه لأسباب كثيرة كما سيتبين لاحقا لم نعد نرى مثل هذا النوع من المثقفين أو في الأقل قد لا يوجدون بهذا الوصف الذي أتى به سعيد. وإذ لا نزال نستلهم من رؤية سعيد عن المثقف المتحفز لخوض الصراع، إلا أننا  نجد صعوبة في  صياغة أنفسنا بدقة وفق  المسارات التي وصفها  سعيد.

    ولا ينتابنا  شك  من قدرة  الذين يشغلون ما سماه غرامشي المقام  الاجتماعي التقليدي للمثقف- معلم، كاتب، فنان- ، على انتهاج سنن ينتقد بها ، وأحيانا يعارض، السلطة الاجتماعية والسياسية، بما فيها السلطة التي منحته شعور المكانة والأهمية التي يشغلها في المقام الأول. حسبما يرى سعيد فان مثل هذا المثقف- الذي يود ان يصرح ويجهر باراءه وان يتحدى المعايير الاجتماعية والثقافية والسياسية السائدة فضلا عن كل أنواع الأعراف التقليدية هو " فرد يتمتع بقدرة وقابلية  التعبير عن رسالة، وجهة نظر، موقف، فلسفة أو رأي فضلا عن تجسيدها وتنفيذها، للناس ومن اجلهم أيضا ". وهذا الدور له " خطورته ولا يمكن تأديته دون وعي القائم بان مهمته هي ان يطرح على الناس مباشرة أسئلة وقضايا محرجة ، وان يواجه ويتحدى التقاليد والعقائد (بدلا  من ان يقوم بإنتاجهما)، وان لا يسهل استمالته للتعامل مع الحكومات أو الهيئات؛ وان تكون وظيفته ودوره وسبب وجوده هو تمثيل كل اؤلئك الناس والقضايا التي  عادة ما يصيبها الإهمال أو ينالها التجاهل " (3). يقر سعيد، بالطبع، بان مثل هذا المثقف وهو يتخذ جانب المستضعف والمضطهد ضد  القوى النافذة الاجتماعية منها والسياسية،بالكاد يكون نفسه غير خاضع للقيود الاجتماعية.

    وبينما يشير سعيد الى صعوبة، ان لم يكن استحالة، الحديث اليوم عن  مثقف حقيقي مستقل وحر، مثقف غير خاضع للمؤسسات الاجتماعية المختلفة (من جامعات وناشرين ووسائل إعلام) أو مقيد بها؛ يؤكد ان الخطر الأساسي  الذي يواجه حرية التعبير للمثقف اليوم لا يتأتى من مصادر خارجية بل من ضغط خفي مخادع : هو إغراء الصمت والتسوية، أو  بمعنى آخر ما يسميه بالجانب المظلم  للمهنية والحرفية، المتمثل  بالتفكير بعمله كمثقف يقوم به من اجل كسب معيشته ، فنجده  في ساعات الدوام الرسمي موزعا انتباهه بعين مسمرة على ساعات الدوام وعين أخرى على ما يجب ان يكون عليه  السلوك الوظيفي المهني السليم- بحيث لا يثير اضطراب قارب التيار السائد ولا يبتعد  خارج الحدود أو الأطر المقبولة المتعارف عليها، وان يتمكن من تسويق نفسه وان يكون مقبولا، وبالتالي غير مشاغب ولا سياسي وان يكون موضوعيا (4). لم يكن سعيد رومانسيا ولا جاهلا بضغوطات التخصص والمهنية- الاحتراف المهني-وعبادة الخبرة، لكنه يعتقد ان الطريق الأكثر فعالية وتأثيرا في مقاومة هذه الضغوط هو ان يؤكد ويشدد على الاحتفاظ  بدرجة معينة من الإيمان والقناعة بنزعة الهواية من عمله.

    ويتمثل هذا الجانب، حسبما يراه سعيد، من الهواية بان يكون باعث  عمل المرء -كمثقف ناقد - هو  الشغف والاستعداد أكثر منه الربح أو التخصص المهني. لأنه على عكس التخصص – الاحتراف- ، ففهم سعيد لجانب الهواية يشمل أيضا التخطي الواعي لخطوط المؤسسات التي  يعرفها سعيد بأنه التدخل، وهو  " تجاوزا لحدود والعوائق، والمحاولة الجدية لتعميم تماما عند تلك المسائل حيث يصعب إجراء التعميمات. وان إحدى أوائل هذه التدخلات التي تستحق  المغامرة بها والمجازفة " يضيف سعيد،  هو " العبور من الأدب المفترض انه ذاتي ولا سلطان له، الى تلك العوالم الموازية التي تغطيها الآن الصحافة ومؤسسات إنتاج المعلومات التي تستخدم التمثيل لكنها مطلوب منها ان تكون موضوعية وقوية موثرة " (5).

    في مقالة تكشف الطرح والتناول المبكر عند سعيد  فضلا عن الجدي والعميق عن دور المثقف، عنوانها" معارضون، جماهير، ، دوائر انتخابية والمجتمع المحلي " التي نشرها عام 1982، يقول سعيد:

" قناعتي هي ان الثقافة تعمل بقوة على إخفاء  وتعقيد الارتباطات الفعلية الموجودة بين  عالم الأفكار وعالم البحث الأكاديمي من جهة، وبين عالم السياسة المتوحش ، وسلطة الدولة والشركات والقوة العسكرية، من جهة أخرى. ان عبادة الخبرة والاحتراف المهني مثلا قد حددت مدى رؤيتنا بحيث أدت الى إرساء عقيدة ايجابية تحبذ (في تعارض مع عقيدة ضمنية أو سالبة )  عدم التدخل  فيما بين اختصاصات ميادين المعرفة المختلفة " (6).

    فالمشكلة هنا لا تخص فقط ترك قضايا السياسة العامة الى ما يسمى بالخبراء وأهل الداخل القريبين من السلطة ولكنها تمتد لتشمل الأكاديميين ممن يصرون على تخصصهم العالي وينتهون منطوين على أنفسهم، واقتصار أنفسهم وعملهم  على مجموعة  منكفئة على نفسها من الزملاء الخبراء ، والتنازل للآخرين عن العالم الواسع لما يعتبرونه عالم السياسة القاسي.

    ويثبت سعيد بان مثل هذا الانسحاب والانكفاء واضح على وجه الخصوص بين المثقفين في حقول الإنسانيات بعد ان سيطر نوع معين من النظرية النقدية على الوسط الأكاديمي في الثمانينات؛ وهو أمر بدى انه يعزز في بعض المثقفين  ضرورة السعي نحو التخصص الدقيق جدا، وهي عملية ازدادت واشتدت بتكاثر الاصطلاحات العلمية المحكمة التي قادت ، حسبما يرى سعيد، الى حلقة اصغر فاصغر من النقاد الذين ينتجون مزيدا من الكتب والمقالات عن بعضهم الآخر وان لا يشغلهم أمر أو فرد سواه (7)؛ لذلك فالمهمة الخاصة المميزة للحقول الإنسانية، على عكس الهواية غير المتخصصة والتواصل بين التخصصات التي تبناها سعيد، عند تلك النقطة تمثل تماما نوعا من عدم التدخل في عالم الأمور اليومية؛ والتي ، كما يراها سعيد، كانت تعني نوعا من الحرية: بإمكانهم  " هم " ان يديروا البلد أما نحن  فننشغل بتوضيح وبتفسير وردزوورث وشليغل " (8). والجانب المهم  الذي يريد سعيد تأكيده هنا هو ان الأكاديميين في الثمانينات ربما  قد وجدوا عزاءهم في انعزالهم وانفصالهم الموهوم عن واقعيات السياسة القبيحة في عصر ريغان، إلا ان ذلك الابتعاد قد مكّن من تحقيق عصر ريغان في المقام الأول، لان الأكاديميين- على وجه الخصوص في حقول الإنسانيات  بمهاراتهم التفسيرية التصويرية والاتصالية القوية- هجروا واخلوا المجال للقوى السياسية التي جلبت ريغان للسلطة.

    ويتخذ مثل هذا التنازل الطوعي - الذي يستمر في عهد بوش بالطبع- عدة أشكال، بدء من الإحساس والشعور البدائي للأكاديمي المنعزل للانفصال والابتعاد عن الحقائق الاجتماعية والسياسية المحيطة به ليصل حتى للخوف الجدي من الالتزام السياسي أو الابتعاد عنه. وحقا، ان لم يكن الخيار الأقصى الذي واجهه المثقف، من وجهة نظر سعيد،  مجرد خيار بين التدخل واللاتدخل، ولكن الاختيار بين ان يكون داعية مهني أو يكون هاويا بلا مردود (9). فلا شي  يكون أكثر خوفا وتوجسا  في رؤيته من: سلوكيات تفكير المثقف التي تستحث التجنب والهروب، أي الابتعاد عن الموقف الحرج المبدئي الذي يدركه انه هو الموقف الصحيح ولكنه يقرر عدم اتخاذه والعمل به. لأنه لا يود ان يبدو انه منغمس بالسياسة، ويتخوف الظهور بأنه مشاغب ومثير للإشكاليات؛ لأنه بحاجة لموافقة رئيسه في العمل أو شخص ذي سلطة؛ ولأنه يود الحفاظ على سمعة كونه متزن وموضوعي ومعتدل؛ وانه يأمل ان يعاودوا سؤاله واستشارته، وانه سيجني  عضوية مجلس أو لجنة موقرة  ولذلك يبقى ضمن التيار السائد؛ ولأنه يود الحصول يوما ما على درجة فخرية، جائزة كبيرة وربما حتى على منصب سفير. وسلوكيات هذا التفكير بالنسبة للمثقف هي سلوكيات مفسدة  للمثقف  بامتياز (10). 

لذلك فالدور المناسب الدقيق  للمثقف، حسبما يرى سعيد، هو ان يتمسك بالنزاهة الفكرية منها والسياسية، وان يعلن رأيه بصراحة، مثلما يفعل أي فرد من جماعة بندا، إزاء كل التحديات  ورغم كل عواقب ذلك على المستوى الشخصي.

    ويرى سعيد ان قول الحق بوجه السلطة  إنما هو التزام أخلاقي على المثقف حين يتخذ هذا الموقف منها. وما ان يحصل احد المثقفين  على منصب دائمي في جامعة راقية بسهولة ويستمتع بالحرية والأمن النسبي الذي يسير جنبا الى جنب مثل هذا المنصب، يعتبر سعيد، عدم الانغماس في الشؤون العامة خصوصا تلك التي بحاجة للتدخل فيها، امرأ غير مسؤولا  فضلا عن كونه سقوط  وإخفاق أخلاقي. وقليل من المثقفين يختارون القيام بمثل هذا الدور للمصلحة العامة بل اقل من ذلك ان ينغمسوا بالمواقف الإشكالية والهامشية ( بإعلان الرأي الصريح ضد السلطة الامبريالية أو الاحتلال العسكري، أو نيابة عن الشعوب المقهورة والمضطهدة). لان كون المرء مثقفا بهذا المعنى الحقيقي يتضمن اختيارا شخصيا عميقا- مسالة أخلاق بالمعنى الحقيقي وليس المعنى اللاواعي واللاسياسي للمصطلح- يقول عنه سعيد أننا نجده عند الفرد النادر  الاستثنائي ذي الالتزام والنزاهة الضروريتين لتنفيذ مثل هذه المهمة الفكرية والمهمة السياسية. وهكذا، بوجود وبافتراض الأعباء والالتزامات الفردية المطلوبة- وعلى وجه الخصوص الخيار الفردي الأخلاقي والسياسي بين الاختيار ان يبقى ناقدا للسلطة وسيدفع تبعا لذلك ثمن ذلك النقد؛ أو  بدلا من ذلك قبول إغراءات وإكراميات السلطة، ومسايرتها والتعاون معها- فان نداء المعارضة الفكرية الحقيقية الأصيلة هي نداء  فرد متفرد ومتوحد.

    والأكثر من هذا، فالمثقف الحقيقي، بالنسبة لسعيد، هو شخص لا نظير له، شخص يمتنع عن الارتباط بأحزاب منظمة، وجمعيات وشبكات. في حالة سعيد نفسه، نجد ان حضور مثل هذا الشخصية  كان أكثر وضوحا  في  الأمور العامة التي اتخذها ضد القيادة الفلسطينية الرسمية بعد دخولها في سلسلة تنازلات  سرية- ومدمرة كارثية- للسلطة الإسرائيلية بدءا باتفاق أوسلو 1993-1995 . بعد أوسلو وجد سعيد نفسه يقاتل ضد السياسة  الإسرائيلية والظلم الصهيوني فضلا عن  فساد وجهل وسوء حكم القيادة الفلسطينية.

    وليس عجبا ان نرى تأكيد  سعيد  على ان المثقف المنغمس في المصلحة العامة ليس مجرد معارض وحيد متفرد فضلا عن كونه فرد متفاني – أيا كان عظم التزامه لأهداف وقضايا عامة كبيرة، وأيا كان مخلصا لجماعة واسعة  وللمجتمع- بل انه يقدم وينمي أسلوبا فرديا متميزا وحتى فريدا جدا.

    بهذا المعنى، ان تناول سعيد لدور المثقف كان أمرا حديثا في  تصور هذا الدور؛ كان بمعنى آخر، مشروعا  فنيا بقدر ما كان سياسيا- جدا بحيث كان مستحيلا عمليا بالنسبة لسعيد ان يتصور فصل وعزل الموقف السياسي للفرد عن شخصيته الفريدة، مثلما كان مستحيلا عزل الإبداع والإنتاج الأدبي أو الفني  لعزرا باوند ، جويس، اليوت، بيكاسو أو ، ملز ديفز عن أسلوب، وسلوكيات وشخصية مبدعيها. " حين أقرا جان بول سارتر أو برتراند رسل " يقول سعيد، " إنني أجد ان صوتهم وحضورهم المتميز والفردي هو الذي يترك بصماته علي فضلا عن  آرائهم لأنهم يفصحون عما يؤمنون به. وعليه لا يمكن ان تخطئهم  فيتساوون عندك مع  موظف مجهول أو بيروقراطي متكلف " (11). وهذا هو سبب تشديد سعيد على أهمية  " السمات الشخصية " لمثقفين معينين " (12) في عصر الموظفين المجهولين، فالمثقف الحقيقي، بكاريزميته المميزة، يجب عليه ان يتخذ أسلوبا أو توقيعا خاصا به بحيث يمكن تمييز عمله بنفس الطريقة التي يمكن بها تمييز جملة كتبها كونارد، أو خط رسمه بيكاسو أو معزوفة أداءها ميلز ديفيز،بسرعة وبدقة أنها تعود الى كل من كونارد وبيكاسو وميلز، على التوالي.

    ومثلما لم تكن  مصادفة ان يكرس  سعيد كثيرا من عمله للشخصيات الفنية المعاصرة مثل جوزف كونارد وجلن جولد، فكذلك ليست مصادفة ان نجد ان المثقفين الذين  غالبا ما يشير إليهم سعيد هم شخصيات حديثة كاريزمية من هذا النوع وبالتالي رجال اتصف هو بصفاتهم بطريقة أو بأخرى: سارتر ورسل وكذلك  سي. ال. أر. جيمس، جورج انطونيوس، فرانز فانون ، انطونيو غرامشي، جان جينيه، أيميه سيزار: كل منهم ارتبط واتحد بمواقف سياسية وثقافية معينة، ولكن  أيضا بأسلوب شخصي متميز وخاص جدا، وبأسلوب  فني  شخصي فريد، وحضور شخصي عميق وبالطبع كاريزما قوية: الصفات التي يستدعيها كثير منا حين يتذكر ادوارد سعيد نفسه؛ من حيث حماسه؛ والتزامه الجريء تجاه الشعوب المضطهدة وقضاياها ؛ وجاذبيته؛ انفعاله؛ وبذلته الأنيقة  وحذاءه الانجليزي المصنوع يدويا.

    يمثل الأسلوب عند سعيد، على أية حال، أكثر من كونه أمرا جماليا فنيا؛ إنما هو سياسي لازم: انه وسيلة لا لمجرد تأكيد الشخصية الفردية ولكن أيضا لعبور وتجاوز المعايير الثقافية والسياسية، ولمقاومة التسلط وأخيرا تحدي الواقع الاجتماعي نفسه. وهذا صحيح خاصة فيما يعتبره في كتابه الأخير بكونه  " الأسلوب المتأخر "  الرمزي الذي يقول عنه '"هو ما يحدث حين لا  يتخلى  الفن عن  حقوقه لمصلحة الواقع " (13). وفي هذا السياق فهو يفكر بعمل أدورنو لسمفونية بيتهوفن الأخيرة أي السمفونية التاسعة: المائدة المنعزلة. وفي تعبير أدورنو الفني المباشر، فمثل هذا الأسلوب المتأخر يكون واضحا وبينا حين نجد فنانا عظيما،متحكم تماما في شكله ووسطه، " ومع ذلك يهجر التواصل مع النظام الاجتماعي القائم الذي هو جزء منه ويحقق علاقة مغتربة متناقضة معه ". ان المتأخر  لا يعني هنا ان يكون المرء  في نهاية مهنته بل يكون بالأحرى وبمعنى متخصص جدا في خلاف مع عصره الخاص (14)؛ أو كما قال سعيد نفسه  " الأسلوب المتأخر هو في الحاضر ولكنه  مستقلا  عنه بصورة غريبة " (15).

    لذلك فالأسلوب المتأخر لا يتضمن فقط ما سماه مرة ارنست بلوخ تزامن اللامتزامن ولكن يتضمن أيضا رفض صريح للتسوية الجمالية الفنية، فمثلا حين رفض بيتهوفن ان يكون التأليف 111 متطابقا ومنسجما مع الشكل المتوقع للسوناتا، لكي تؤدي وتظهر  في سوناته النهائية تلخيصا مرضيا مقنعا ولكنه تلخيصا ناقصا عن نجاحاته حتى ذلك الوقت؛ لذلك  نجد ان العمل 111 يؤشر افتتاحا أكثر منه خاتمة، ونهاية، وشكلا سهل التحقيق والانجاز. لكن التأخير عند سعيد هو شي أكثر ما يتعلق بالأسلوب الفني المحض: إذ هو يتضمن مثلما يمكننا إدراك ذلك في ويليام وردورث في قمة  انجازاته – أو في ويليام بليك عبر مهنته- رفضا للتحييد، ورفضا للمسير مع التيار، ورفضا لأداء يمين الولاء ، وإصرارا قويا على الاختلاف والتميز وعدم المساومة والاختراق والمقاومة. الأسلوب المتأخر، بمعنى آخر، فضلا عن تعبيره عن سياسة ثقافية معينة  فهو  يعبر أيضا  عن  سياسة بحد ذاتها.

    وهذا سبب مناشدة سعيد لنا لكي نعي ان أسلوب المفكر المثقف المعارض بذاته إنما هو خاصية مركزية لموقفه بالمعنى العام الواسع. أسلوب ومنهج المثقف الحقيقي مهم في توصيف المثقف وإبرازه : فهو لا يسجل تميزا فريدا عما يحيط به من التجانس الموجود والتخصص والمهنية بل يسجل أيضا رفضا لقبول امتيازات السلطة وإغراءاتها وضغوطاتها.

    ويجدر بنا هنا الإشارة لتقويم فريدرك جيمسون للأساليب الشخصية لكبار الكتاب الحداثيين وما يسميه  جيمسون الاستقلال المحض لأسلوبهم الفني ، ورفضهم لمسايرة اتجاهات الاقتصاد الحداثي- نفس النوع من الرفض الذي يريده ويقصده سعيد في  تناوله للأسلوب المتأخر. يشير جيمسون الى أن تجلي هذه القوة والمناعة  لنفسها غالبا  في الحداثة  من حيث " العبقرية المنعزلة " وروائع الأعمال وما يسميه جيمسون لحظة  العظماء من الآلهة الثانويين والأنبياء – " فرانك لويد رايت ورداءه وقبعته، بروست في غرفته المبطنة بالفلين، بيكاسو ”قوة الطبيعة“، وكافكا ”المأساوي“المشؤوم " (16). لكن جيمسون يصر على ان لا نخدع أنفسنا بل ان نحررها من اللوم والعويل  بأنه  " من خلال   تفهم طراز مباعد الحداثة وتسويقها الإعلاني ، نعرف ان الحداثة مازالت هي زمن الكبار والقوى الأسطورية التي لم تعد متوفرة لنا ". لأنه يضيف قائلا: إذا كانت موضوعة مباعد البنيوية ”لموت الموضوع“ تعني أي شي اجتماعي، فإنها تشير الى  نهاية فردانية  المغامرة  التي يسوقها وعيها الداخلي، ”وكاريزمتها“ وعدة القيم الرومانسية الغريبة المصاحبة كمثل  قيمة ”العبقري“ في المقام الأول. ويستنتج من خلال رؤيته هذه، بان: انقراض وتلاشي ”الحداثيين العظام“ لا يدعو بالضرورة للحزن والأسى. فنظامنا الاجتماعي غني في معارفه وكثير الثقافة، ومن الناحية الاجتماعية فهو، في الأقل، أكثر” ديمقراطية“. .....فمجتمعنا لم يعد بحاجة لأنبياء وفحول من النوع الحداثي الراقي والكاريزمي سواء بين صانعي ثقافته أو صانعي سياسته. فمثل هذه الشخصيات لم تعد تحمل أي سحر أو جاذبية لأفراد عصر مباعد الفردانية الجماعي المتكتل؛ في تلك الحالة وداعا لهم  بلا أسف، كما  يكون قد قالها برخت: وا أسفاه  للبلد الذي يحتاج عباقرة ...وكتاب عظماء أو آلهة ثانوية " (17).

    وحين نتمعن في  رؤية جيمسون أعلاه، نلاحظ نوعا من التناقض في تقويم سعيد وفهمه للمثقف. فبينما هو يؤكد من جهة على الدور الانفرادي، التنبؤي للمثقف ليس كمجرد شخصية صعبة التحييد والاستمالة بل أيضا كنوع  من شخصية منيعة محرمة لا تنال( كائن متفرد ، يقول الحقيقة بوجه السلطة ببلاغة وشجاعة) أو بمعنى آخر، على وجه الدقة هو نوع من أنواع  الالهه  الثانوية أو النبي الكاريزمي الذي لا نتأسف على  غيابه كما يقول جيسمون، بينما  نجد سعيد في نفس الوقت أصر دائما على الأهمية الكبيرة لان يكون المثقف واضح، سهل المنال، غير متخصص ، في خدمة ومساعدة عامة الناس. وموقف سعيد  ضد الوقوع في دائرة مغلقة ضيقة من النقاد المتخصصين كان بسبب  إنهم يمنعون سواهم ممن لا ينتمون لحلقتهم المقربة. ويتساءل  سعيد في مقالة كتبها عام1982 والتي ذكرت سابقا، " ما هو الترياق الإنساني المقبول لما يكتشفه المرء، ليكن مثلا بين أهل الاجتماع والفلاسفة، وما يسمى بعلماء السياسة الذين يخاطبون بعضهم البعض فقط بلغة لا تنشغل بأي شي سوى بإقطاعية محروسة متهرئة باستمرار محرمة على غيرهم؟ " (18). وكما نعرف فان عمل سعيد أعطانا الترياق الذي كان يشير إليه: التدخل، تجاوز الحدود بين فروع المعرفة المختلفة ، الابتعاد  عن تخوم  مجاميع ذوي التخصص الدقيق، وأخيرا التحدث لجمهور عريض. السؤال الآن لأي مدى يكون  فيه هذا الانفتاح والاتصال متوافق – أو مختلف - مع ما طرح عن  تصور سعيد الحديث عن المثقف المنيع  الكاريزمي والمتحمس.  نجد ان جواب جيمسون يشير الى عدم حاجة  عصر ما بعد الفردانية الجماعي المنفتح لخدمات مثل هذا العملاق الحداثي ولكن أيضا، فوق ذلك، ليس هناك مجال  لمثل هذه الشخصية في العالم المعاصر.

    يدعونا  تأكيد جيمسون للتساؤل إذن عن مدى صلة مفهوم سعيد الحديث عن المثقف بالتوقيع المتميز والأسلوب الفني الشخصي لعصرنا المتعب الذي تتحكم به الصور.  وبلا تعمق في المسالة، يجب ان يبدو جليا ان كامل السؤال عن الأسلوب الحداثي يبدو  في غير محله لوقتنا الحالي. ان مبادئ جينيت والتزاماته مثلا قد تكون غير منفكة ومنفصلة عن أسلوبه أو صورته الشخصية لان الأسلوب الفني الشخصي أو لصورته في زمنه لم تكن معزولة عن الموقف السياسي القائم؛ الصورة  تمتنع على التجريد والتشييء، الانفصال، الانتقال وحتى التوفيق؛ لذلك فأسلوب جينيت (Genet) وصورته في الخمسينات أو الستينات لم تكن  منفصلة عن موقفه السياسي الأساسي. وحقا، فهذا  الاندماج المطلق للأسلوب الفني  والأفكار هو، كما أشرت، مهم جدا لفهم رؤية سعيد عن المثقف.

    في عصرنا عصر مباعد الحداثة، أصبح الأسلوب منعزلا عن الصورة بل ان إنتاج وانتقال الصور يعتمد كلية على انفصال الصورة عن المواقف أو الارتباطات السياسية أو الثقافية . ومعنى هذا ان الأسلوب الفني أو الصورة الشخصية  يمكن ان  تتحرك وتدور  في مضمون معادي ومخالف ونقيض أصلا مع ارتباطاتهما الثقافية والسياسية الأصلية. (الدليل البيّن عن هذا الانفصال هو الصورة العالمية عن جيفارا التي تستخدم الآن في  معاملات التسويق والعلامات التجارية، أو ببساطة  كصورة  توفيقية بنفسها أكثر منها  استعادة تخيلية لما كان جيفارا يمثل سياسيا وثقافيا)؛ فضلا عن الإيحاء  أيضا بان النجاح هذه الأيام له علاقة  في الأقل بصورة الشخص- أو حتى بالعلامة التجارية – مثلما هو تماما مع المواقف السياسية أو الفكرية الفعلية للمرء. ويجدر السؤال: كيف يمكن  لمثقف ان يصور نفسه ويصوغها على طول المسارات التي وصفها سعيد في سوق فكري أكاديمي وسوق نشر تسيطر عليه باستمرار العلامات التجارية.

    لكن هناك مشاكل أخرى تواجه المثقف في عصر مباعد الحداثة. ويجب ان نأخذ بنظر الاعتبار عدة عوامل في التفريق بين المثقف الحداثي كما صوره سعيد وبين مثقف مباعد الحداثة في أيامنا هذه.

هناك قبل كل شيئ مسالة النشر.

    فالمثقف الحداثي يمكنه توزيع عمله ونشره في بيئة نشر لا يسيطر عليها المعيار التجاري ولا يعتمد عليه- أي عمله -  كلية. فنجد ان بعض دور النشر والمجلات والصحف تتعاطف  - وغالبا ما كانت متعاطفة-  مع قضايا سياسية أو ثقافية معينة (مجلة تل كويل مثال تقليدي؛ ومجلة المواقف البيروتية مثل آخر). وعلى العكس، نجد ان التوجه السياسي أو الثقافي لدور نشر مثل بانثيون، راندوم هاوس، فينتاج، دبلدي أو كنوبف  مرتبط بالحقيقة المادية بأنها كلها فروع بيرتلسمان التي التزامها الأول  ليس للأفكار أو المواقف بل للريع المادي (بلغ 17 بليون يورو عام 2005 ) الذي  هو الهدف الأساس للشركة.  ومن غير المحتمل انه كان بإمكان  ادوارد سعيد نفسه تحقيق وضعه الفكري العالمي لو ان كتبه طبعتها دور نشر غير مشهورة وقدرتها المالية محدودة- مهما كانت ملتزمة سياسيا- بدلا من دار عملاقة عالمية مثل بيرتلسمان. ربما لان سعيد نفسه قد أصبح – بغض النظر عن نياته هو- نوعا من أنواع العلامات التجارية في النهاية.

    المسالة الثانية الملحة في هذا السياق هي الغياب الفعلي، ان لم يكن المطلق،للمثقفين المستقلين. قد يكون موت سوسان سونتاج قد اشر نهاية حقبة. قد نرى وجود بضعة مثقفين مستقلين حقيقيين لكن معظم المثقفين اليوم مرتبطين ومنتسبين، ان لم يكن ملتزمين بالكامل، للمنظمات الإعلامية، والمؤسسات البحثية أو الجامعات  الآخذة في التكتل؛ وفعلا نجد ان معظم المثقفين المؤثرين اليوم ، احتمالا، لم  يعودوا كونهم أفرادا  بل مؤسسات كونية عملاقة. وبرغم ذلك لم ينغلق باب التفكير الحر أو النقدي؛ لكن الأمر المهم هو ان المثقف اليوم لن  يواجه ذات الموقف  الذي ظهر  أثناء أوج لحظة الحداثة.

    أخيرا، تواجه كل المؤسسات التي ترعى المثقفين هذه الأيام ضغوطا متزايدة فضلا عن هجوم شرس  لتحطيمها وإلغاء هويتها .  هناك مثلا هجوم غير مسبوق على الحرية الأكاديمية في أمريكا وعلى مؤسسة الجامعة نفسها كما نعرف. (سأقصر ملاحظاتي على جامعات أمريكا ليس لكونها حالة نموذجية بل ببساطة لأنني أكثر معرفة واطلاعا بها). واتخذ معظم هذا الهجوم شكل  انحياز الجناح اليميني، لكننا نجد فعلا بدء عملية إعاقة وتدمير الحرية الأكاديمية وبالتالي الفكرية – والعملية اليوم منظمة بصورة قوية- من قبل شبكة  أفراد ومنظمات أخطبوطية عاملة لحماية مصالح إسرائيل في أمريكا. خذ مثلا تنظيم إسرائيل في ائتلاف الحرم الجامعي، الذي هدفه ، حسبما  يعبر عنه  صياغته اللغوية الرديئة  " لفرض  وبصورة نافذة  خطة مساندة لإسرائيل في الجامعة " ، الذي يجمع تحت مظلته  إحدى و ثلاثين منظمة مختلفة هدفها هو نشر دعاية مساندة لإسرائيل ومنع أي نقد لإسرائيل في الجامعات الأمريكية؛ وتضم  بين أعضائها ومنتسبيها  منظمة اللوبي القوي ايباك، ومنظمة كاميرا وهي منظمة إسرائيلية لمراقبة الصحافة ، والمنظمة الصهيونية الأمريكية، ومشروع إسرائيل  ومشروع ديفيد.

    وشاركت كثير من هذه المنظمات بالأخص مشروع ديفيد، في أزمة جامعة كولومبيا 2004 –  التي كانت  بيت سعيد لفترة طويلة- وفيها  تم استهداف  ثلاثة أعضاء هيئة تدريسية للهجوم عليهم من قبل ائتلاف مجموعات صحفية أو إعلامية ، ومجاميع الضغط وسياسيين (ضمنهم عضو من الكونغرس) بسبب نقدهم أساسا لسياسة إسرائيل. وتحت ضغط  قوي من المانحين المتبرعين و أصحاب اللوبي، فشل رئيس الجامعة في الدفاع عن  حرية أعضاء الهيئة التدريسية. في النهاية فشل الهجوم لتحقيق هدفه-  الموجه أساسا لطرد البروفسور المساعد – غير انه  كان مثالا مخيفا عن الجو الجديد للمراقبة السياسية التي وقعت فيها المؤسسات الأكاديمية. اعتاد الزملاء على هذه الهجمات كما يقول مارتين كرامر المساند لإسرائيل والمتورط في أزمة جامعة كولومبيا. "أنت مراقب. وسنسعى لإزالة تلك المقالات المشاكسة الغامضة في صحف الجامعة المتوفرة الآن على الانترنت وحذفها. وسنقوم بتدقيق مقرر دروسك الذي وضعته أيضا على الانترنت. سنزور موقعك الالكتروني في آخر الليل " (19).

    ان إحدى المسائل المركزية لحملة مراقبة الجامعات هي المحاولة القائمة لتمرير تشريع  على المستوى الفدرالي يفرض مراقبة الولاية للبرامج الأكاديمية نزولا الى مستوى الواجبات الصفية وقوائم مراجع المطالعة الإضافية للمقرر الدراسي وكذلك جعل المهمة الأكاديمية للجامعات التي تستلم منح مالية فدرالية خاضعة للأمن القومي لأمريكا وإسرائيل. وانه لأمر مذهل  ان نعرف انه ورد عرض لعمل ادوارد سعيد في قرار مجلس النواب  رقم 3077 (لسنة 2003) من اجل دعم الدعوى الكاذبة  التي تقول انه تحت قناع دراسات ما بعد البنيوية  وما بعد الكولونيالية،  فقد سيطر  معارضو  إسرائيل و معارضو أمريكا  على المؤسسة الأكاديمية الأمريكية أو في الأقل كل المراكز المهمة لدراسات الشرق الأوسط والدراسات العالمية. وهنا نورد محور الشهادة أمام الكونغرس لأحد مساندي اللائحة أو مشروع القرار،  واسمه  كورتز: يسمى المنهج الفكري القائم في مجال الدراسات الأكاديمية (بالأخص دراسات الشرق الأوسط) بنظرية ما بعد الكولونيالية.  وقد أسس  هذه النظرية  أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا ادوارد سعيد الذي نال شهرة عام 1978 بنشر كتابه: الاستشراف. في هذا الكتاب نرى ان سعيد يساوي الأساتذة الذين يؤيدون السياسة الأمريكية الخارجية بالمثقفين الأوربيين في القرن التاسع عشر الذين ساندوا الإمبراطوريات الكولونيالية العرقية العنصرية. وجوهر نظرية ما بعد الكولونيالية هو تجرد الباحث من نوازعه الأخلاقية حين يضع معرفته باللغات والثقافات الأجنبية في خدمة السلطة الأمريكية.  

    الحل الذي دعى  إليه كورتز ومدافعون آخرون عن إسرائيل وعلى رأسهم مارتين كرامر ودانيل بايبس( أكاديمي آخر أسس مراقبة الحرم الجامعي في التسعينات لمراقبة الجامعات الأمريكية  التي تنتقد إسرائيل)- ومدعومة من وكالات اللوبي الإسرائيلي في واشنطن- هو فرض  وإقامة هيئة تعينها الولاية لمراقبة برامج الدراسات الدولية. والمعينون سيكونون من السياسيين وليس الأكاديميين وسيعينهم قادة مجلس النواب والشيوخ  فضلا عن الجهاز  التنفيذي للدولة وستضم ممثلين اثنين من الوكالات المسؤولة عن الأمن القومي. وبالمساندة الواسعة من مجاميع اللوبي الإسرائيلي، مررت اللائحة في مجلس النواب في نهاية 2003  ولكنها ماتت في لجنة الشيوخ. وأعيدت صياغتها في 2005-2006 وشرعت ضمن حزمة جديدة من القوانين( لائحة مجلس الشيوخ   1614 ، وقرار مجلس الشيوخ609 ) ثم مررت ثانية من قبل  لجنتي مجلس النواب والشيوخ بأغلبية كافية. وفشل الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون في التصويت عليها وبينما لا يعرف حال ووضعية هذه اللوائح  في الكونغرس الجديد الذي يقوده الديمقراطيون، فانه من المحتمل ان يحاول مساندوها لإعادة اقتراحها وربما تمريرها؛ وإذا نجحوا فيكون نظام الجامعة الأمريكية قد عبر الحد الحرج الذي لا يحتمل ان يتعافى منه، في الجو المسموم الآن.

    إضافة للمسائل النظرية الأخرى التي طرحتها، فهذه التحركات والضغوطات السياسية المضافة تجعل من الصعوبة كثيرا ان نتخيل  هذه الأيام نجاح العملاق  الحداثي الكاريزمي الكبير الضروري في تصور سعيد عن المثقف- خصوصا المثقف المنشغل بأمور المجتمع. تعرّض سعيد نفسه لهجوم من مجاميع المصالح القوية؛ لكنه كان في حينها عملاقا. غير ان  المسالة الآن هي هل بالإمكان ظهور عملاق جديد في ظل الظروف الراهنة أو سيكون من المفضل لنا بدلا من ذلك تصور وسائل جديدة عن دور المثقف  مع بقاءه محتفظا بطاقة المعارضة والالتزام الأخلاقي الذي ناضل من اجلها سعيد ولكن مع تعزيزها بتقويم  جيمسون لمكان (أو نقص مكان) عمالقة حداثة  الماضي في عالم اليوم ومعنى التحديات الفريدة التي تواجه المثقفين في واقعنا الاجتماعي والسياسي المتغير. وكما اعتقد فلا تزال أنواع الالتزام والشجاعة والتضامن مع المضطهد والمستضعف التي ناصرها  سعيد ، قائمة كمتطلبات لا غنى عنها للمثقف المعارض اليوم. وعلينا  ان نكون  حذرين لمحاولة صياغة أنفسنا وفق المسارات الحداثية التي ناصرها سعيد نفسه.

 

* هذه ترجمة للفصل الثاني من الكتاب التالي:

Edward Said & the style of a public intellectual by Saree Makdisi.  In : Ned Curthoys & Debjani Ganguly(ed.)

Edward Said  The Legacy of a Public ntellectual,Melbourne University  Press. 2007, pp.21-35.

 

الهوامش

(1) ادوارد سعيد، صور المثقف

(2) المصدر نفسه ص7-8

(3) المصدر نفسه ص 11

(4) المصدر نفسه ص 74

(5) المصدر نفسه ص 81-82

(6) ادوارد سعيد، معارضون،   ص 136

(7) المصدر أعلاه ص 140

(8) المصدر نفسه ص 156

(9) صور المثقف ص 83

(10) المصدر أعلاه ص 100-101

(11) المصدر أعلاه ص 3

(12) المصدر أعلاه

(13) ادوارد سعيد، عن الأسلوب المتأخر ص 9

(14) المصدر أعلاه ص 22

(15) المصدر أعلاه ص25

(16) فريدريك جيمسون، ما بعد الحداثة ص 305

(17) المصدر أعلاه ص 306

(18) سعيد، معارضون  ص 143

(19) دوبس، دراسات الشرق الأوسط  تحت المراقبة 

  

********************************