المثقف العراقي التابع والخائن والعضوي
فاضل ثامر

فاضل ثامر من مواليد 1938،
رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ناشط ثقافي أسهم في
اغلب الفعاليات والأنشطة الثقافية في العراق منذ أكثر من نصف قرن.
نشر مجموعة من المؤلفات النقدية منها: "قصص عراقية معاصرة"
بالاشتراك مع الناقد ياسين النصير (1971)، معالم جديدة في أدبنا
المعاصر (1975)، مدارات نقدية (1987)، الصوت الآخر (1992)، اللغة
الثانية (1994)، المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي (2004). كما
ترجم الدكتور فاضل ثامر رواية "الحديقة" لماركريت دورا وعدد من
الدراسات النقدية الحديثة. وله تحت الطبع: " من بنية التماسك الى
فضاء التشظي" قراءة في شعر الحداثة.
سبق للشاعر سعدي يوسف وإن اتهم في مقالة صغيرة المثقف العراقي
بكونه " تابعا " وقد أعاد الزميل مازن لطيف جمع بعض مقالات الشاعر
سعدي يوسف أو ما كتب عنه في كتاب مستقل صدر حديثا يحمل عنوان "
محاولات في موضوعة المثقف العراقي التابع " ( 1)
والكتاب لا صلة له من قريب أو من بعيد بالزميل مازن لطيف، اللهم
إلا في المقابلة القصيرة المنشورة في الكتاب التي أجراها مع سعدي
يوسف، ولذا كان حرياً بالناشر إن يضع أسم سعدي يوسف بوصفه مؤلفا،
وربما أسم مازن لطيف بوصفه محرراً. في هذا الكتاب يهاجم الشاعر
سعدي يوسف في خمس مقالات قصيرة المثقف بصورة عامة والمثقف العراقي
بشكل خاص ويتهمه بكونه مثقفا " تابعا " فهو يرى إن نظام المثقف
التابع كان النظام الطبيعي الذي حدد العلاقة بين المثقف والحاكم،
وإن هذه التبعية أمر منطقي باعتبار إن المتبوع هو" صاحب المال
والمآل " ويذهب الشاعر سعدي يوسف إلى إن العشرينيات من القرن
الماضي قد شهدت اصطفاف المثقف إلى جانب الحاكم، حتى وإن كان هذا
الحاكم أجنبيا واستثنى عدداً قليلاً من رموز الثقافة العراقية
آنذاك.
كما يرى الشاعر إن الأحزاب العراقية يمكن أدراجها في قائمة المتبوع
وإن المثقف لجأ إلى هذه الأحزاب هرباً من السلطة ووجد نفسه إمام
سلطة اشد عسفاً من الحكام الفعليين. ويخلص الشاعر إلى إنه مع مجيء
الاحتلال تحول المثقف العراقي، حتى المثقف العضوي منه إلى تابع
للاحتلال ومؤسساته و "سلطة العملاء التي تسمى حكومة وطنية". هذا هو
جوهر الأطروحة التي دمغ فيها المثقف العراقي بالتبعية والثقافة
الوطنية بأنها لم يعد يعتد بها، ولذا فإن البديل الذي يطرحه الشاعر
يكمن كما يرى في ما اسماه بـ " ثقافة المقاومة ثقافة تحرير
التابع". لا أريد إن أوحي بهذا الحوار باني أحاول إن أكون خصما أو
طرفا مشاكسا في تناول القضية الجوهرية التي طرحها الشاعر سعدي يوسف
حول توصيف المثقف بشكل عام والمثقف العراقي بشكل محدد وخاصة فيما
يتعلق بالمثقف العراقي تحت لافتة "المثقف التابع".
أعترف بأن القضية كبيرة و خطيرة وتتطلب حواراً يتسم بالشفافية
والموضوعية والأمانة ونحن نعيد قراءة تاريخنا الثقافي والسياسي
والاجتماعي في العصر الحديث ونعيد تحديد خصائص وادوار ووظائف مختلف
الطبقات والشرائح الاجتماعية في تاريخ العراق الحديث. ولذا فإن
حواراً مثل هذا هو مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المثقفين وعلماء
الاجتماع والسياسة وعلم النفس والتأريخ والإنتربولوجيا والفلسفة
للوصول إلى نتائج تقترب من الحقيقة، ولا تحاول إن تزوّر الواقع أو
تضفي عليه صفات لا يمتلكها وبشكل خاص فيما يتعلق بولادة المثقف
العراقي " الأفندي " الذي قرن الدكتور علي الوردي بينه وبين ارتداء
السدارة في مرحلة التشكل والولادة. لكن قبل هذا وذاك لابد أولاً من
تحديد طبيعة الموضوع وأدواته والأهداف المتوخاة منه ومنها طبيعة
مصطلح " التابع ".
سأفترض مقدما إن مصطلح التابع الذي وظفه الشاعر سعدي يوسف بصورة
عفوية أو قصدية هو مقابل للمصطلح الأجنبي
subaltern
الذي وظفته دراسات ما بعد الكولونيالية
Postcolonialism
وبشكل خاص دراسات ادوارد سعيد وغيتاري سبيفاك وهومي بابا.
وهذا المصطلح هو امتداد للأصل اللاتيني
subatomic
والذي راح ينتقل إلى اللغات الأوربية الحديثة في القرنين السادس
عشر والسابع عشر ليوظف في مجال العلوم العسكرية، ويشير إلى تراتب
معين في التدرج يشمل الفئات التي تقع تحت رتبة الكولونيل من ضباط
ومراتب بوصفهم مرؤسين أو تابعين، لرتبة عسكرية أعلى.
وتذهب معظم الدراسات الحديثة إلى إن أول من استخدمه في مجال
العلوم العسكرية هو المفكر الإيطالي (غرامشي) في " دفاتر السجن
" ويذهب البعض إلى إن غرامشي كان يوظفه بوصفه " شفر "
code
كناية عن شخصية " البروليتاري " لإمرار أوراقه على رقيب السجن
آنذاك لكن باحثين كثر يعتقدون بأنه كان قد وظفه في دلالته الحديثة
المتداولة اليوم للإشارة إلى الجماعات التي تقف خارج بنية التمثيل
السياسي. وتذهب معظم التعريفات الحديثة للتابع للإشارة إلى مجموعات
أو أشخاص أو مناطق تقع خارج تركيب سلطة الهيمنة
Hegemony.
وقد استخدم المصطلح في سبعينيات القرن الماضي للإشارة إلى الشعوب
المستعمَرة في جنوب آسيا وهو مفهوم يعكس وجهة نظر المضطهدين
والمهمَشين وليس سلطة الهيمنة. كما بدأت في الثمانينيات "دراسات
التابع" وأسست له مراكز أبحاث ومجلات متخصصة ومواقع الكترونية
متعددة، وأصبح مصطلح التابع من المواد الأساسية الموظفة في المنظور
ما بعد الكولونيالي وراح اليوم يستخدم على نطاق واسع في التاريخ
والأنتربولوجيا وعلم الاجتماع والأدب. وكانت (غيتارى سبيفاك) قد
طبقته لأول مرة على وضع المرأة الهندية التابعة لزوجها والتي كان
يطلب منها في مراحل سابقه إن تٌحرق مع زوجها الميت بوصفها تابعاً
له. كما تذهب إلى إن التابع بمعنى أوسع:
هو الشخص الذي لا يمتلك الحق في الوصول إلى الثقافة الإمبريالية.
وبكلمة أخرى يشير إلى مصطلح المقموعين والمضطهَدين الذين يحرمون من
المشاركة في الإشكال السياسية للتمثيل. وقد ذهب المفكر (هومي بابا)
في تعريفه للجماعات التابعة بأنها الفئات المضطهَدة وجماعات
الأقليات، ولذا فقد كانت هذه الفئات تعمل على تقويض أولئك الذين
يمتلكون سلطة الهيمنة. ويوظف (سانتوس) مصطلح " الكوسموبوليتية
التابعة" للإشارة إلى الشعوب المهمشة أو المضطهدة وبشكل خاص تلك
التي تناضل ضد الهيمنة العولمية.
من هنا نلاحظ إن مفهوم التابع يشير إلى تراتب اجتماعي أو سياسي
موضوعي تجد فيه شريحة اجتماعية أو ربما شعب بأكمله نفسيهما في موقع
التابع لسلطة هيمنة أجنبية كانت أو وطنيه. وهذه التبعية موضوعية،
بمعنى إنها لا تقع ضمن نطاق الوعي الفردي أو الاجتماعي. وتأسيسا
على (غرامشي) يمكن الحديث عن إمكانية تحرير التابع من سلطة القوى
المهيمنة من خلال تأسيس بنية مضادة للهيمنة
Anti
-hegemony
تمارس فيه القوى المقموعة سلسلة من الفعاليات والأنشطة المضادة
للهيمنة تحررها تدريجيا من سلطة التابع.
ويظل السؤال الإشكالي الأهم: هل ينضوي المثقف العراقي الحديث
بصورة عامة تحت لافتة المثقف التابع بتوصيف غرامشي وسبيفاك أو سعدي
يوسف، وهل إن المثقف العراقي بعد مجيء الاحتلال وسقوط دكتاتورية
صدام حسين هو مثقف " تابع " للاحتلال بصورة مباشرة ولرموز الاحتلال
بصورة غير مباشرة ؟
مرة أخرى أعترف إن الإجابة عن مثل هذا التساؤل الإشكالي صعب ومعقد
جدا ويتطلب تأسيساً تاريخيا واجتماعيا منهجيا شاملا، لكني بحاجة
إلى تقديم بعض الملاحظات التمهيدية الأولية لفهم طبيعة هذه
الإشكالية.
يتعين على الباحث الموضوعي إن يميز بين وضع المثقف العراقي
وعلاقته بالسلطة في العهود الكلاسيكية المظلمة (الفترة العباسية
والأموية والسيطرة العثمانية والاحتلال البريطاني) ووضع المثقف
العراقي الحديث الذي بدا بالتشكل والولادة في القرن العشرين،
ولربما اقترن بتأسيس الدولة العراقية عام 1921. شخصيا اعتقد إن
الثقافة أو(ما يقابلها من أشكال ثقافية مثل كاتب الديوان و الشاعر
والناشرو بعض الوراقين والناسخين المرتبطين بإنتاج الثقافة، وبعض
شرائح المعلمين والمفكرين والفلاسفة والشراح والمؤرخين) كانت إلى
حد كبير مهنة وكان على المثقف أو المشتغل في مجال الثقافة أو
الكتابة إن يبحث له عن راع من بين أصحاب المال مثل الخليفة والوالي
والأمير والميسور وغيرهم.
وهذا الوضع التاريخي هو الذي جعل مركز الثقافة مرتبطا إلى درجة
كبيرة بصاحب السلطان والجاه والمال. وبالتالي حددت حرية المثقف
وقلصت مساحة استقلاليته. وربما يستثنى من ذلك بعض المشتغلين
بالثقافة ممن يمتلكون مصادر تمويل ذاتية "مثل التجارة " أو ممن
يمتلكون حركات ثورية أو أحزاب سياسية لها أهدافها السياسية
المحدودة التي تتمرد على سياسة المؤسسات الرسمية آنذاك.
أما في العصر الحديث، فقد انفصل المثقف العراقي عن توصيف المثقف
العراقي وظيفيا وأدائيا، لسبب بسيط هو إن الثقافة لم تعد مهنة
مستقلة كباقي المهن يعتمد عليها المثقف في الحصول على مورده (ربما
عدا استثناءات محدودة) بل أصبحت نشاطا فكريا مستقلا إلى حد كبير
لعدم ارتباطها المباشر بدعم وتمويل صاحب المال. إذ كان المثقف في
مراحل التأسيس يمارس عملا وظيفيا (تقليديا أو غير تقليدي) يعتمد
عليه في الحصول على مورد رزقه مثل العمل في الصحافة أو الإدارة أو
التجارة أو الوظيفة حيث يعمل لدى الدولة موظفا أو أدارياً أو معلما
أو وراقا وغيرها من المهن الحرة. وهذا الوضع قد خلق بالتأكيد
ازدواجية معقدة في بنية شريحة المثقفين ووعيهم بين الانتماء بنيويا
ووظيفيا إلى فئة المثقف التقليدي (بتوصيف غرامشي) وبين نزوعهم
للتحول إلى فئة المثقف العضوي المتمرد أو المرتبط بالتغيير والذي
يحمل رسالة ثقافية وجمالية واجتماعية ثورية. ولذا فإن هذه
الخصوصية، ارتباطا في وضع المثقف العراقي في مرحلة بناء الدولة
العراقية ومؤسساتها وفرت المجال أمام المثقف لكي يكون مثقفا عضويا
(بصورة عامة) ويبتعد عن طبيعة المثقف التقليدي (التكنوقراطي) لكننا
لا يمكن هنا إن نعمم.
بالتأكيد هناك شرائح محدودة من المثقفين العراقيين (الذين تحولوا
إلى السياسة وساهموا في قيادة مؤسسات الدولة العراقية آنذاك) الذين
ارتضوا إن ينقادوا إلى سياسة الاحتلال البريطاني في تلك المرحلة أو
مؤسسات الدولة العراقية الوليدة التي ظلت إلى زمن طويل مرتبطة
بسلطة الاحتلال البريطاني فضلا عن وجود شريحة المثقفين التقليديين
والتكنوقراط الذين واصلوا أداء أعمالهم الوظيفية ودونما اكتراث
لمتطلبات التغيير والمعارضة مثل:
(المعلمين والأطباء والمهندسين والإداريين والموظفين العاملين في
القطاع التجاري) ولذا لايمكن التعميم بارتباط المثقف العراقي بصفة
التابع، بل إن العكس صحيح. إذ إن معظم المثقفين العرب والعراقيين
ينتمون إلى شريحة المثقف العضوي، بسبب نزوعهم نحو التغيير
وارتباطهم بمشاريع تحديثية أو نضالهم السياسي والاجتماعي داخل
حركات وأحزاب سياسية مختلفة. وطبعا لا يجوز هنا المقايسة مع وضع
المثقفين في الغرب وبشكل خاص في أوربا فهناك سيرورة تاريخية
واجتماعية وبنيوية وتكوينية مغايرة لا مجال للتفصيل فيها الآن ربما
دفعت بعضهم إلى مواقف هامشية أو أبراج عاجية أو حالة انفصال عن
المجتمع وعدم انشغال بهم تغيير بنية الواقع والاكتفاء بنشاط ذهني
أو جمالي كما هو الحال في ممثلي "الفن للفن" وبعض الحركات الفنية
والشكلانية التي شاعت في المجتمعات الغربية لاعتبارات موضوعية
وذاتية لا مجال للخوض فيها الآن.
وهذا الأمر لا ينبغي وجود فئات مختلفة داخل شريحة المثقفين
العراقيين لهم مواقع ومواقف مختلفة داخل المجتمع والثقافة. فوجود
عدد قليل من المثقفين أو محدود الذين تحولوا إلى العمل السياسي
ورهنوا أرادتهم بإرادة رجل السياسة أو رجل الاحتلال البريطاني لا
يبرر مثل هذا التعتيم المخل والمجافي للتحليل الموضوعي المبرأ من
الأهواء والأهداف الذاتية. نحن نعتقد إن المثقف العراقي كشف منذ
العشرينيات عن نزوعات نحو التغيير والتحديث تتمثل في كتابات محمود
احمد السيد وذو النون أيوب وحسين الرحال وفي تطور الصحافة وكذلك في
الدور المتعاظم للمثقفين العراقيين في الحياة الاجتماعية والسياسية
من خلال الانخراط في عدد من التنظيمات والأحزاب السياسية والثورية
والديمقراطية.كما شهدت فترة الخمسينيات إحدى الذرى العالية
والمتميزة في المنحى العضوي للمثقفين العراقيين من خلال توقهم لأن
يكونوا طرفا مهما في معادلة التغيير الاجتماعي والتحديث الأدبي
والفني معا.
فكان إن شهدنا سلسلة من حركات الحداثة في الشعر والقصة والفن
التشكيلي والمسرح والسينما والعلوم الاجتماعية كافة، بل وأعلن
الأديب العراقي عن ايمإنه بمواقف الالتزام في الثقافة سواء كان هذا
الالتزام اجتماعياً أو وجوديا. وعلى الرغم من الإخفاقات التي تعرضت
لها الثقافة العراقية، لكنها ظلت في الصفوف الأولى من عجلة التغيير
والتحديث معا. وبالتأكيد تعرضت هذه الثقافة إلى عملية قمع وتدجين
وترويض في ظل النظام الدكتاتوري الفاشي، لكنها في الوقت ذاته
استطاعت أن تحافظ على جوهرها الديمقراطي والإنساني وإن ترفض في
العمق مفاهيم العنف والتطبيل والتزوير، وإن تنتفض بقوة بعد سقوط
النظام الدكتاتوري لاستعادة دورها الاجتماعي ونزوعها التغييري
والتحديثي معاً.
لكن علينا بصراحة إن نواجه مواجهة طبيعية موقف المثقف العراقي تجاه
الاحتلال الأمريكي بعد عام 2003 وهل إن هذا المثقف قد استجاب
لبرامج الاحتلال الثقافية السياسية أم إن هذا المثقف ظل مستقلا مما
لا يبرر توصيفه بالمثقف التابع للاحتلال؟
بداية علينا تفنيد فتوى التكفيريين القائلة بأن كل المؤسسات التي
تنبثق تحت ظل الاحتلال إنما هي جزء من نظام الاحتلال وتعمل بإرادته
وتحت وصايته. فمثل هذه الفتوى سطحية وساذجة. ذلك إن الشعوب في
مختلف إنحاء العالم خاضت نضالات عديدة وعظيمة تحت ظل الاحتلال.
يكفي إن نذكر نضالات الشعوب الأوربية تحت ظل الاحتلال النازي ومنها
الدور الفعال للكتاب والمثقفين الفرنسيين ويمكن إن نشير إلى نضال
شعبنا في فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي والشعب الجزائري ضد
الاحتلال الفرنسي والشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي والشعب
المصري ضد الاحتلال البريطاني وغيرها من النماذج المشرفة. والمثقف
العراقي لم يكن استثناءً من ذلك. فقد رفض منذ البداية نظام
الاحتلال وأقام مؤسساته الثقافية والاجتماعية ومنظمات المجتمع
المدني بعيدا عن تأثيرات سلطة الاحتلال وتدخلاته فحافظ على
استقلاله. لقد ظل المثقف العراقي يناضل جنبا إلى جنب مع القوى
الوطنية العراقية داخل السلطة وخارجها لبناء مؤسسات الدولة
العراقية التي تعرضت إلى الدمار والتخريب كما عمل من اجل إنجاز
المهمات الأساسية لتعزيز السيادة الوطنية وإنهاء سلطة الاحتلال.
وربما يتمثل الاختلاف هنا في إن المثقف العراقي لم ينخرط في العمل
المسلح ضد الاحتلال وآثر سلوك النضال السياسي و الثقافي ضد
الاحتلال ومؤسساته، وهناك نماذج عالمية مماثلة لم يلجا فيها المثقف
إلى السلاح وإنما اكتفى بالعمل السياسي منها التجربتين اليابانية
والألمانية. ويعود سبب ذلك إلى خصوصية القضية العراقية وتعقدها فقد
أدى الاحتلال إلى إسقاط النظام الدكتاتوري وإلى تحول أيتام النظام
الدكتاتوري إلى ممارسة ما يسمى بـ " المقاومة " المسلحة التي دخلت
فيها اشد القوى الظلامية فاشية ودموية وفي مقدمتها منظمة القاعدة
وبعض المنظمات السلفية المتطرفة المعادية للفكر والعقل والثقافة
والديمقراطية. وهذه القوى كانت بشكل عام تعمل إما من أجل إعادة
النظام الدكتاتوري الشمولي أو إقامة " الدولة الإسلامية " أو
لتحقيق عدد من الأهداف والأجندات المشبوهة التي تدعمها أجهزة
مخابرات عدد غير قليل من دول الجوار الشيعية والسنية على السواء.
إن لجوء المثقفين العراقيين الى النضال المسلح ضد الاحتلال في تلك
الفترة كان سيخلط الأوراق ويقوي جبهة القوى الظلامية والتكفيرية
وأجهزة مخابرات النظام المقبور، وسيجعل المثقفين العراقيين يصافحون
شاءوا أم أبوا غلاة التكفيريين والظلاميين والقتلة ممن أذاقوهم
الويلات في ظل هيمنة النظام الفاشي المعادي للديمقراطية والحرية
والإبداع.
ولذا كان النضال السياسي هو السمة المركزية لنضال المثقفين
العراقيين الذين رفضوا الاشتراك في المشروعات والبرامج الثقافية
التي طرحتها سلطة الاحتلال في مختلف المراحل، والاستثناءات محدودة
وقليلة ولا يمكن القياس عليها أو التعميم في ضوئها.
وما يقال أحيانا في الأعلام العربي المسيس من إن المؤسسات
الثقافية العراقية قد أجرت انتخاباتها في حماية الدبابات الأميركية
فهو محض افتراء رخيص ومضحك يدركه المثقفون العراقيون قبل غيرهم.
لقد كان موقف المثقف العراقي متوازنا وواضحا: لا للاحتلال، لا
للعنف، والإرهاب والتكفير، لا لعودة الدكتاتورية الفاشية، لا
للطائفية والتعصب، ونعم للديمقراطية والحرية والتجديد، نعم لبناء
دولة المؤسسات، نعم لدولة تحترم الثقافة وحقوق الإنسان، نعم لقيم
المساواة والمحبة والتسامح، نعم لإنهاء الاحتلال واستكمال شروط
السيادة الوطنية.
نعم، نعلم جيدا إن سلطة الاحتلال الأمريكي قد حاولت بصورة
مباشرة أو غير مباشرة فرض سيطرتها على المجتمع والثقافة من خلال
آلية الهيمنة الإيديولوجية والسياسية. هذه الآلية التي تشير إلى
انه يستحيل على سلطة الاحتلال أو أية سلطة حاكمة فرض سيطرتها
السياسية والثقافية دون ضمان تحقيق مبدأ "الهيمنة " والذي طوره
لاحقا الفيلسوف الفرنسي (لوي ألتوسير) من خلال مقولة جهاز الدولة
المسيطر. وهذا المسعى نفسه هو الذي حاولت سلطة الاحتلال البريطاني
تحقيقه بعد الحرب العالمية الأولى عند احتلال العراق. ولو فحصنا
الوضع السياسي والاجتماعي في العراق خلال سنوات الاحتلال الأمريكي
لوجدنا فشل سلطة الاحتلال في توظيف آلية "الهيمنة" هذه على المجتمع
والثقافة والحياة في العراق، وذلك لأن المثقفين العراقيين، فضلا عن
قوى سياسية عراقية وطنية مهمة قد قطعت الطريق على هذه الآلية من
خلال إنتاج أنماط مضادة للهيمنة الإيديولوجية، منها رفض تحقيق أية
عملية "تطبيع" مع سلطة الاحتلال، وضيقت إلى حد كبير ميدان تحرك هذا
النفوذ السياسي الإيديولوجي بين أوساط الشعب العراقي.
بل يمكن الحديث عن تبلور مواقف واضحة ومتماسكة لدى المثقفين
العراقيين رافضة للتدجين وتقديم التنازلات أمام ضغوط الاحتلال،
وذلك بسبب الطبيعة المستقلة والوطنية لهذه الشرائح الاجتماعية
والحركات السياسية ورفضها لأي ضرب من ضروب التبعية لأي قوى سياسية
أجنبية وتمسكها بقيمها المعرفية والإبداعية ومواقفها الوطنية
ونزعتها الإنسانية والديمقراطية التي تجعلها بمنأى عن السقوط في
شراك الهيمنة الإيديولوجية لقوى الاحتلال أو لبعض الحركات السياسية
والدينية الطائفية أو القومية المتطرفة التي تسعى لتدجين الثقافة
العراقية وترويضها مثلما كان يفعل زبانية النظام الدكتاتوري
الشمولي.
ومن المؤكد إن الجوهر الأساسي للثقافة العراقية الحديثة وللمثقف
العراقي، بوصفه مثقفا عضويا قد جعلهما يتحولان من وضع الاستسلام
لآليات الهيمنة إلى وضع المقاوم لكافة مظاهر الهيمنة المعلنة
والمستترة. ومن كل هذا يبدو لنا ان المثقف العراقي، مثله في ذلك
مثل الشعب العراقي، قد تعرض الى الكثير من التجني من قبل أوساط
عربية وأجنبية بدوافع سياسية مفضوحة، في الغالب لتشويه صورة هذا
المثقف من جهة ولتبرير مواقف العداء والإقصاء تجاهه ولتمهيد الطريق
أمام تبرير الأنشطة الإرهابية والتكفيرية للقوى الظلامية والفاشية
التي كانت تعمل ضد لافتة مزيفة ومنتحلة هي لافتة "المقاومة
العراقية " لكن ما يحز في أنفسنا إن يصدر مثل هذا التجني من مثقفين
عراقيين نكًٌَُن لهم احتراماً خاصاً مثل الشاعر سعدي يوسف الذي
افقده الاتصال الحار والحي بإشكالات الواقع العراقي خلال هذه
السنوات القدرة على الرؤيا السليمة والتقييم الموضوعي النزيه
المبرأ من الهوى والمواقف القبلية. ومن المؤسف أن يحول الشاعر سعدي
يوسف مصطلح "التابع" الى حكم قيمة بدل أن يضعه في سياقه التاريخي
والمعرفي الدقيق.
ولكي نكون قادرين بصورة اشمل إدراج طبيعة هذا الحوار عن المثقف
وبشكل خاص محاولة إدانة هذا المثقف واتهامه بتهم مختلفة منها
الخيانة لقضيته الأساسية بوصفه إنسانا يحمل رسالة معينة، لابد لنا
وان نتوقف أمام أول هجوم مهم تعرض له المثقف في القرن العشرين من
قبل المفكر الفرنسي (جوليان بنيدا) في كتابه المشهور "خيانة
المثقف" الصادر عام 1927 وهو ما يؤكد ان إشكالية شخصية المثقف قد
أصبحت هاجسا أساسياً في الحوار الفكري والمعرفي في القرن العشرين.
تذهب الأطروحة الأساس لكتاب جوليان بيندا ( 1876- 1956 ) إلى إن
طبقة المثقفين في العصور الحديثة قد هجرت دورها التاريخي بوصفها
صوتا للعدالة والحق والحرية والبحث واستبدلت ذلك كله بمبادئ
لازمنية من خلال الالتزام بالإيديولوجية. ويرى بيندا أن الناس
الذين كان دورهم الدفاع عن القيم الأزلية مثل قيم العدالة والعقل
قد خانوا هذا الدور من اجل مصالح عملية. وينتقد جوليان بيندا ذلك
العصر بوصفه عصرا للسياسة وعصرا للهوي السياسي ارتبط بحياة الناس
بطريقة لم يسبق لها مثيل. وينتقد أولئك الناس الذين يدافعون بحماسة
وانفعال عن الأجناس والطبقات والأمم والتي تدفع الناس إلى الهياج
والاستثارة. ولهذا يأسف هذا المفكر لان المثقفين قد تنازلوا عن
سلطتهم الأخلاقية لمصلحة ما يسميه بتنظيم مشاعر التحريض الجماعي
مثل الروح الطائفية والمشاعر الجماهيرية والعدوان القومي والمصالح
الطبقية. ويخلص جوليان بيندا الى أن المثقفين هم حفنة صغيرة من
الملوك / الفلاسفة الذين يتحلون بالموهبة الاستثنائية وبالحس
الأخلاقي الفذ ويشكلون ضمير البشرية لكنهم بسبب تنازلهم عن سلطتهم
الأخلاقية هذه قد خانوا دورهم ووظيفتهم.
ويبدو أن الهجوم على المثقفين في العصر الحديث لم ينقطع إذ سبق
وان هاجمهم المفكر (ريمون آخرون) في كتابه "أفيون المثقفين " الذي
صدر في منتصف الخمسينيات كما هاجمهم الفيلسوف (جان فرانسوا ليوتار)
في كتابه " قبر للمثقف " الصادر منتصف الثمانينيات. لكن أقسى هجوم
حديث هو ذلك الذي شنه المفكر الفرنسي (ريجيس دوبرية) في كتابه:
"المثقفون الفرنسيون: التتمة والنهاية "، ويشير احد المعلقين إلى
إن ثمة مرارة تفيض من هذا الكتاب وكأنك تسير في جنازة حزينة
لمثقفين فقدوا الدور والمصداقية والجدوى وباتوا صالحين لشيء واحد
فقط: "الدفن". وعكس هذا الإحساس محرر أحدى المجلات الفرنسية الذي
كتب قائلا: "إن كلمة مثقف لم تعد محتملة وان المثقف إذا لم يقر
بضلاله وأخطائه ولم ينفصل انفصالا كليا عن الجرائم التي شوهت أسمه
وسمعته فان من الأفضل له أن يدفن مع القرن العشرين".
ولذا يرى البعض أن كتاب دوبريه جاء ليؤكد هذه الرغبة في التخلص
من المثقف بوصفه شاهد زور. فالمثقف الفرنسي بات يقترب من نهايته من
خلال التأكيد على موت القيم التي رافقت ميلاد الدور النبيل للمثقف
وأن المثقفين بصورة عامة باتوا الآن عصابات من الأنذال واللئام
عميان أمام الواقع والحقيقة وفاقدين للذاكرة.
لكن نقاداً آخرين ينفون هذه التهم. إذ ينفي ( اريك كونان ) في مجلة
"الاكسبريس" الفرنسية موت المثقف الذي يتحدث عنه دوبريه وانه أمر
لا أساس له من الصحة. وذلك ان المثقفين ازدادوا قوة هذه الأيام.
وتعترض الناقدة (جوليا كرستيفا) على دعوات موت المثقفين وترى أنهم
يعملون الآن لإنجاز مشروعات كبيرة في الانفتاح على مشاكل المجتمع
القريبة والبعيدة وفي تحطيم الجدران بين مختلف أنواع المعرفة.
ويشن كاتب آخر هو (بول جونسون) في مقالة له تحت عنوان: "
المثقفون " هجوماً مقذعاً ضد المثقفين ويجمع مجموعة من الصفات
التي يرى أنها ترتبط بهم ومنها: العدوانية والغضب والعنف والجبن
والقسوة والخداع وغياب النبل والأنانية والتمركز حول الذات وحب
الظهور والنفاق والجمود وحب السلطة والفظاظة والخداع الذاتي
والأنانية والخشونة والاعتداد بالنفس والنفاجة والإحساس بالعبث وما
إلى ذلك من صفات ومظاهر سلبية.
مرةً أخرى نقول أننا ينبغي أن ندرس أية ظاهرة ثقافية في سياقها
الزماني والمكاني معاً وتجنب المقايسة مع نماذج وتجارب ذات سياقات
تاريخية واجتماعية مغايرة. والمثقف العراقي، انطلاقا من هذا
المنظور، يجب أن يدرس ضمن إطاره التأريخي والتكويني وليس عبر
إسقاطات لنماذج جاهزة لمثقفين غربيين يعيشون ضمن أطر حضارية
إستلابية مغايرة.
المثقف العراقي، شأنه شأن مثقفي العالم الثالث، مثقف في طور
التكوين والتشكل. فهو يرتبط بشبكة من العلاقات الاجتماعية المعقدة
لأنه وفد الى المشهد الاجتماعي من طبقات وشرائح اجتماعية مختلفة.
لذا يحمل هذا المثقف عيوب وفضائل تلك التشكيلات الاجتماعية. وتشير
باحثة عربية، وهي تحاول تحديد الوضع الاجتماعي للمثقفين العرب، الى
أن هؤلاء المثقفين هم نتاج لتشكيلة اجتماعية شديدة التعقيد، حيث
تتسم التشكيلة الاجتماعية العربية بتضافر نمط الإنتاج الرأسمالي مع
الأنماط السابقة على الرأسمالية، أي أن تحلل أنماط الإنتاج قبل
الرأسمالية قد يؤدي الى تحلل بعض العلاقات قبل الرأسمالية، إلا أن
ذلك قد يؤدي في الوقت ذاته الى تقوية علاقات أخرى قبل رأسمالية.
ومن هنا نشعر أن جهداً جماعياً كبيراً يجب أن يبذل من قبل
الباحثين والمفكرين والمثقفين لفحص الإشكاليات المتعلقة بولادة
المثقف العراقي وميوله وقدراته وتجنب الأحكام القبلية والقطعية أو
الآراء القائمة على المصادرة على المطلوب على وفق تعبير المناطقة.
لا يحق لأي كاتب مهما كان ان يعرّض المثقف العراقي الى الظلم
والتجني انطلاقاً من أحكام ومسلمات تكفيرية مستقاة من ترسانة فقهاء
الموت والتخلف والتكفير الذين أبتليت بهم أمة الأسلام وأمة العرب
والإنسانية جمعاء.