بين إسلام أمريكا و إسلام الطالبان
-
أي إسلام نريد ؟!! - محمد الحنفي
"
إن الدين عند الله الإسلام "
قرءان كريم
" و أن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا "
قرءان كريم
" و أمرهم شورى بينهم "
قرءان كريم
للإشارة
فقط، و من أجل التوضيح
:
إن جسد الإسلام أصبح مستباحا، و كل من أراد الوصول إلى امتصاص
دماء المسلمين بغير حق يوظف هذا الدين الذي جاء ليطهر النفوس
من الخبائث، و ليصوغ إنسانا بأخلاق رفيعة، يحب الإنسانية و
يسعى إلى خيرها مهما كانت عقيدتها، أو لا عقيدة لها.
و هذه المعالجة التي نضعها بين يدي القارئ الكريم تتناول
بالمناقشة و التحليل نوعين من " الإسلام" : " إسلام
" أمريكا و "إسلام" الطالبان.
وحتى لا نتيه منذ البداية في التفكير السوفسطائي، فإننا نعتقد
أن كلا " الإسلامين" إساءة إلى الإسلام، لأن كلا منها هو مجرد
توظيف أيديولوجي للدين الإسلامي الحنيف، حتى يبقى وسيلة
للتقويم الإيجابي لسلوك الناس بما فيه مصلحة الإنسانية جمعاء،
و يتحول إلى أداة لتكوين نوعين من البشر :
1)
النوع الأول يصلي بكل وجدانه الفكري و الجسدي في اتجاه أمريكا
عدوة الشعوب التي اصبح قادتها يصدرون الفتاوى " الإسلامية " و
هذا النوع هو الذي أطلقنا عليه " إسلام " أمريكا، لأنه يبايعها
و ينقاد لها، و يتوجه إلى قبلتها، و يوافق مباركا كل ما تقوم
به في هذا العالم في الوقت الذي تمارس فيه قمة الإرهاب المادي
و المعنوي على جميع الناس.
2)
و النوع الثاني هو الذي وقفت أمريكا بحزم وراء وجوده من اجل
محاربة التوجهات الاشتراكية، و دعما لأمريكا، و للأنظمة
الرجعية. ليتحول بعد ذلك إلى أداة للسيطرة على البشر لصالح
الأمراء الذين لا يومنون إلا بالتصفية الجسدية لمن خالفهم
الرأي بمن فيهم الأمريكيون في كل أنحاء العالم. و هذا النوع
الذي كانت قبلته أمريكا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون
قبلته الكعبة المشرفة. فبعد أمريكا تصبح القبلة "المقدسة" هي
مواقع مراكز التوجيه و التخطيط، و التنفيذ التي قد لا تكون
معروفة من عامة الناس، و التي قد تتواجد في الشرق أو في الغرب،
في الشمال أو في الجنوب من الكرة الأرضية. و تتفرع عنها مواقع
قطرية قد لا تكون معروفة أيضا. و هو ما سميناه في هذه المعالجة
ب "إسلام" الطالبان لتطرفه و لايمانه بالتصفية الجسدية لكل من
يخالفه الرأي، و لا يهمنا إن كانت حركة الطالبان قائمة في
الواقع أو تم القضاء عليها على يد أمريكا.
و لأننا نطرح هذين النوعين من " الإسلام " للمناقشة، فلأننا
نربأ بالإسلام أن يتحول إلى أداة للسيطرة على يد عملاء أمريكا
في كل أرجاء الأرض، سواء كان أولئك العملاء مخلصين لأمريكا أو
خرجوا عن طاعتها و عصوا أوامرها، و لم يعودوا يخدمون مصالحها
فكلاهما لا يرى في الإسلام إلا وسيلة للسيطرة على المسلمين، و
إخضاعهم لإرادة الحكام.
و
نحن عندما نفعل ذلك نعتز بالإسلام الذي نعتبره وسيلة للتربية و
التقويم، و تهذيب النفس، و حفظ كرامة الإنسان كما يتجلى ذلك في
الغاية من العبادات، و من القيم التي دعا إليها من أجل أن يكون
الدين لله، لا وسيلة للسيطرة، و لا أداة لعبادة غير الله، و لا
مطية لتقديس البشر الذي هو مجرد مخلوق لا تتحقق قيمته إلا
بإنسانيته. و اعتزازنا بديننا الحنيف هو الذي يدفعنا إلى
مناهضة كل ما تناقض مع حقيقة الإسلام التي تستوجب الأخذ بها
لتجنب مهالك الأدلجة و الأدلجة المضادة اللتين تساهم كل منهما
في تضليل المسلمين الذين يتحولون إلى مجرد مرددين للتأويلات
المؤدلجة للدين الإسلامي لصالح هذه الجهة أو تلك…
لأن تجنب الادلجة للدين الإسلامي، و مناهضة المؤدلجين أنى
كانوا و في أي مكان تواجدوا هو مهمة المثقفين المخلصين لشعوب
المسلمين حتى يتم تمهيد الطريق أمام قيام ديمقراطية حقيقية من
شعوب المسلمين و إلى شعوب المسلمين من الأمراض التي تنخر كيان
المجتمع، و تتناقض مع القيم النبيلة التي دعا إليها الإسلام.
مقدمة
:
و يعتبر الإسلام من المفاهيم التي تطالها التأويلات المختلفة و
المتناقضة في الكثير من الأحيان. فكل نظام من الأنظمة القائمة
في بلاد المسلمين له " إسلامه " و يعتبر نفسه متكلما باسم
الإسلام و كل شعب من شعوب المسلمين له عاداته و تقاليده و
أعرافه المحددة لمفهومه للإسلام، و كل تيار يمارس أد لجة الدين
الإسلامي يعتبر نفسه ممثلا ل " الإسلام " و " متكلما " باسمه،
و كل كاتب " إسلامي " يعتبر ما يكتبه هو عين " الإسلام "، إلا
أن ما يحز في النفس، و يغري بالتقزز أن تتصدر أمريكا زعيمة
الإرهاب، الدفاع عن الإسلام، و أن يتزعم جورج بوش و وزيره
رامسفيلد إصدار الفتاوى " الإسلامية " في مقابل ما يقوم به
أمراء الطالبان من تزعمهم ل " للإسلام " في إطار ما يسمونه ب
"الجهاد" ضد أمريكا كما "جاهدوا" من قبل ضد الشيوعية مدعومين
من طرف الأنظمة التابعة و الأنظمة الرأسمالية و زعيمتها
أمريكا.
فقيام أباطرة الشر و زعماء الإرهاب في العالم بإصدار "
الفتاوى " الإسلامية يعتبر إهانة للإسلام و للمسلمين، و يستوجب
استنهاض المسلمين لاستنكار ما يمارس في حق الإسلام من قبل
جهات لا علاقة لها بالإسلام ما دامت لم تعلن اعتناقها له، و
ذلك حقها.
و قيام الطالبان بإصدار " الفتاوى " إلى المسلمين في جميع
بلدان المسلمين في العالم بدعوى أنها هي الممثلة للإسلام من
منطلق أدلجة الطالبان للدين الإسلامي خاصة و أن الطالبان من
التنظيمات المستفيدة من الدعم الأمريكي في مراحل معينة، و
احتضانها لتنظيم القاعدة كان بإرادة الولايات المتحدة
الأمريكية، و حسب ما يجري في الساحة الدولية، فإن ما تبلور هو
أنه يوجد هناك إسلامان لا ثالث لهما إسلام أمريكا الذي تقف من
وراءه وتجسده الأنظمة العربية وأنظمة باقي بلدان المسلمين
باستثناء العراق ونسبيا إيران، و تلك الأنظمة التي تلهث وراء
أمريكا و تبارك كل خطواتها، و تعتبر تأويل أمريكا "للإسلام" هو
الصحيح أما "الإسلام" الآخر فهو "إسلام" الطالبان الذي تحول في
ظرف وجيز إلى إسلام يكاد يكون شعبيا خاصة في المناطق الإسلامية
التي تعاني من التخلف و القهر و الظلم و الاستعباد و الأمية و
انتشار الأمراض مما يجعل سكان تلك المناطق يقبلون الخطاب
الطالباني، و يستعدون ل " الجهاد " ضد أمريكا. و " إسلاميي"
أمريكا.
و أمام هذا الإرهاب والإرهاب المضاد المبرر بالإسلام والإسلام
المضاد نجد أنفسنا أمام إشكالية الفهم الصحيح للدين الإسلامي.
هل هو إسلام أمريكا ومن وراءها ؟ هل هو إسلام الطالبان ومن
ينساق وراءهم ؟ أم هو فهم آخر يجب أن يتميز عن إسلام أمريكا
وا سلام الطالبان ؟
والذي نتأكد منه ونحن ملزمون بذلك هو إن النظام الأمريكي
الإرهابي والداعم للإرهاب لا يمكن أن يتحول هكذا بين عشية
وضحاها إلى نظام إسلامي ومدافع عن الإسلام 0 وما يدعيه أقطاب
هذا النظام ما هو إلا استجداء للأنظمة التابعة في بلاد
المسلمين من اجل تليين العلاقة بينها وبين شعوبها المسلمة 0
وهذا الادعاء في حد ذاته يعتبر إيجابيا لانه يقر ببراءة
الإسلام من الارهاب0 لكن هل يمكن اعتبار ما يمارسه الطالبانيون
إسلاما ؟ إننا بهذا الخصوص أمام عملية أدلجة للدين الإسلامي
تستهدف نمذجة الدين الإسلامي في تأويل محدد ينتج نمذجة الإنسان
المسلم في سلوك محدد يلتزم بنظام من المحللات والمحرمات
انطلاقا من فتاوى محددة يصدرها أمراء النظام بهدف تجييش
المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها لدعم إسلام الطالبان الذي
أريد له أن يسمى "جهاديا" . وهو ما يمكن القول بأنه يختلف عن
جوهر الإسلام لاعتبارات نذكر منها :
1)
إن الإسلام جاء ليحرر الإنسان لا لاستعباده.
2)
انه دين الرحمة لا دين مصادرة الحق في الحياة.
3)
انه لا يستهدف البشر إلا في إطار الدفاع عن النفس.
4)
انه يعد المدافعين عن الإسلام في ديار الإسلام لا المهاجمين
المنتحرين الذين يتسببون في قتل النفوس البريئة التي حرم الله
إلا بالحق.
5)
انه يسعى إلى إجراء حوار بالتي هي احسن " ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة" سواء فيما بين المسلمين أو بينهم و
بين أهل الكتاب.
ولذلك يمكن الجزم بان إسلام الطالبان كالإسلام الأمريكي لا
علاقة له بجوهر الإسلام إلا في كونه يدعي الانتماء إلى الإسلام
الأول الذي ظهر في شروط كانت تسود فيها عبادة الأوثان في عصر
لم تعد فيه تلك العبادة واردة.
فما هي أنواع إسلام أمريكا ؟ وهل تتوقف عند حدود القول بأنه
ليس دين الإرهاب أم تتجاوزه إلى القول بأشكال أخرى من الإسلام
؟
"إسلام"
أمريكا "إسلام" البترو دولار
:
و"الإسلام" المسيطر في البلاد العربية وباقي بلاد المسلمين
وحسب المعطيات البارزة في الساحة وانطلاقا من الإيمان الأمريكي
ب"الإسلام" هو "إسلام" أمريكا الذي تتزعمه مجموعة من الدول
النفطية ذات الولاء لأمريكا . ذلك الولاء الذي يكيف "إسلام"
البترو دولار لجعل المسلمين يحولون قبلتهم إلى البيت الأبيض
بدل الكعبة المشرفة ملتمسين رضا أمريكا التي تمد الأنظمة
البترولية بوسائل الحماية وبالدعم اللامحدود مقابل الولاء
المطلق لأمريكا و إعطاء الأولوية لشركاتها في استغلال آبار
النفط0
إن الدول التي تمتلك آبار النفط الغنية توظف الكثير من
الإمكانيات المادية لتسخير الآلاف من مؤدلجي الدين الإسلامي
لتضليل المسلمين وجعلهم يعتبرون ما يمارس على أيدي تلك الدول
وفي البلاد التي تحكمها . وبذلك تتمكن الطبقات الحاكمة من
تعميق استغلالها وتأبيد سيطرتها. ونظرا لحماية الدول النفطية
للدول الإمبريالية بزعامة أمريكا فإن هذه الدول الإمبريالية
التي تدعي حمايتها للديموقراطية وحقوق الإنسان وتسعى إلى فرض
نيابتها عن الشعوب المقهورة وتغض الطرف عما يجري في الدول
المنتجة للنفط من خروقات مختلفة لحقوق الإنسان الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية، وتكريس الاستبداد
السياسي المنتج لكل أشكال القمع المادي والمعنوي لتأبيد الحكم
العشائري، و إغراق الناس في متاهات التخلف و القهر و المرض و
غير ذلك . وفي مقابل غض الطرف ذاك توضع كل خيرات المنطقة رهن
إشارة أمريكا. و يسمح لأساطيلها باحتلال البحار و المحيطات، و
بالتمركز بالقرب منها من أجل ضرب الدول التي تشب عن الطوق، و
تأبى الإذعان إلى أمريكا و حلفائها.
و إلى جانب خضوع دول البترو دولار إلى الدول الإمبريالية و
انسياقها وراءها. نجدها في نفس الوقت تقدم دعما لا محدودا لكل
الحركات المناهضة للحرية و الديمقراطية، و العدالة الاجتماعية
في البلاد العربية و الإسلامية، تلك الحركات التي كانت و
لازالت تتلقى كل أشكال الدعم من حكومات الولايات المتحدة
الأمريكية، و من إسرائيل في مرحلة تاريخية معينة لتحقيق نفس
الأهداف التي تسعى إليها دول البترودولار، إلى جانب تسخيرها
لزرع الشقاق بين العرب و المسلمين لإيجاد مبرر لتدخل أمريكا من
اجل فرض سياستها على أرض الواقع لجعل الموالين لها يعتبرون
إسرائيل أمرا واقعا لا مفر منه، و التعامل معه، و الاعتراف به
على هذا الأساس، و إتاحة الفرصة للامتداد الصهيوني على مدى
الوطن العربي، و العالم الإسلامي، و بالتالي تحول الإسلام و
المسلمين إلى أداة في يد أمريكا، مما يجعل فقهاء الظلام
يعتبرون حماية أمريكا للأنظمة المتخلفة القائمة في البلاد
العربية و الإسلامية، حماية للإسلام ليصبح بذلك إسلاما
أمريكيا، و قد تجلى ذلك في الدعم الذي تلقاه "المجاهدون"
الأفغان، و من بعدهم الطالبان من أجل دحر النظام الاشتراكي من
أفغانستان، و المساهمة في انهيار النظام الاشتراكي على المستوى
العالمي لنصل إلى أن إسلام الطالبان ليس إلا امتدادا لإسلام
أمريكا و متفرعا عنه، و مدعوما منه في كل مراحله إلى أن استأسد
ليسعى إلى افتراس العالم تماما كما تفعل أمريكا. و لكن هذه
المرة باسم الإسلام وباسم المسلمين مما أحدث قطيعة مع "إسلام"
أمريكا، و تأسيس "إسلام" الطالبان الذي ينفي كل أشكال الحداثة
التي تفوح منها رائحة "الكفر" و اختفاء " الإيمان". و بالتالي
فالطالبان تنصب نفسها ممثلة "الإسلام" الوحيدة، و على جميع
"المسلمين" أن ينضووا تحت لوائها و أن "يتحرروا" من الغرب و من
مظاهر الحداثة، و إلا فإن "غضب الله" سيحل عليهم.
و كنتيجة للقطيعة مع "إسلام" أمريكا عرفت الطالبان، و لازالت
صراعا مع أمريكا تجلى في العديد من العمليات عبر العالم حسب ما
تدعيه أمريكا، على يد تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن الذي تؤيه
الطالبان و توفر له شروط البناء، و الامتداد عبر العالم، كما
توفر له إمكانية التغذية من البلاد العربية و من بلاد
المسلمين، و انطلاقا من المؤسسات "الدينية" أو شبه "الدينية"
التي تشرف عليها التنظيمات المسماة "إسلامية" في البلاد
العربية و في بلاد المسلمين.
و قد تطور الصراع بين أمريكا و الطالبان انطلاقا من محاربة
مظاهر الحداثة ذات المصدر الغربي، و مرورا بتفجير السفارات، و
انتهاء بضرب مركز التجارة العالمي و مقر البانتاغون، و إعلان
أمريكا الحرب على الطالبان بعد رفضها تسليم بن لادن، و وضع حد
لتنظيم القاعدة في أفغانستان كبداية لشن حروب أخرى على كل من
تسميهم أمريكا ب "الإرهابيين" الذين تعتبر أنهم يتواجدون في
العديد من الدول بما فيها الدول العربية التي انساق معظمها
وراء لجوء أمريكا إلى ضرب أفغانستان باعتبارها مصدر تنظيم
الإرهاب في جميع أنحاء العالم ضد أمريكا، و الأمريكيين، في ظل
عولمة اقتصاد السوق.
و
في خضم هذه الحرب التي تقودها أمريكا ضد الطالبانيين في جميع
أنحاء الكرة الارضية، و كذلك ضد تنظيم القاعدة كامتداد لهم و
كدرع ضارب في جميع الاتجاهات، و في الأعماق المؤلمة، نجد أن
"إسلام" البترودولار الأمريكي ازداد التحاما مع أمريكا و قطع
كل صلة مع الطالبانيين على المستوى السياسي. أما على المستوى
الأيديولوجي فلازال "إسلام" البترودولار مفرخة لإنتاج التطرف
بتوظيفه الأيديولوجي للدين الإسلامي، و إرضاء لأمريكا فقد فوض
للمتحدثين باسمها الكلام باسم "الإسلام" و هو ما جعل هؤلاء
المتحدثين باسم أمريكا يصدرون "الفتاوى الإسلامية" و هو ما
يعتبر –
حقا –
جرما يرتكب في حق الإسلام و في حق المسلمين، و في حق العلماء
المسلمين بالخصوص الذين يملكون وحدهم الحق في إصدار الفتاوى ،
و لكن الميزان عندما يختل لصالح الإرهابيين الحقيقيين فإن
مخالفة القاعدة تصبح سائدة على المستوى العقائدي. و على أساس
هذا الاختلال يصبح جورج بوش، و رامسفيلد، و كولين باول، و كبار
القادة العسكريين يصدرون " الفتاوى" بجواز أو عدم جواز "الحرب"
في شهر رمضان. و تلك البجاحة لا يمكن أن توصف إلا بأنها عملية
سطو على الاسلام، و بمباركة قادة المسلمين في معظم بلدان
المسلمين ليصبح الإسلام بذلك أمريكيا بامتياز. في الوقت الذي
نعرف أن قادة المسلمين أنفسهم لا يجرؤون على الخوض في أمور
العقيدة و الشريعة حتى لا يثيروا غضب المسلمين و تركوا ذلك
لأهل العلم الذين يجتهدون في دراسة النصوص الدينية، و في
تأويلها الذي لا يعلم حقيقته إلا الله بنص القرءان الكريم : "و
ما يعلم تأويله إلا الله" فكيف يعلم ذلك زعماء أمريكا و
إنكلترا، و كل الذين يستنزفون خيرات الشعوب و ينظمون عملية
الاستنزاف لصالح الشركات العابرة للقارات.
و في عملية إصدار قادة الإرهاب الدولي للفتاوى يلتحم "إسلام"
البترودولار، و "إسلام" أمريكا ليشكلا إسلاما أمريكيا بامتياز،
يعطي لنفسه الحق في الصراع مع الطالبان على أساس نفس القاعدة
ليتحول الصراع بين أمريكا و حلفائها من جهة، و بين الطالبان و
حليفها بن لادن و تنظيم القاعدة إلى صراع مذهبي في إطار
"الدين" الواحد ، و هو ما يشبه الصراع بين السنة والشيعة في
مرحلة تاريخية معينة، و بين المذهب الحنفي، و المذهب المالكي،
و المذهب الحنبلي، أو المذهب الشافعي في العديد من المحطات
التاريخية.
و الواقع أن الدين الإسلامي، لا هو أمريكي، و لا هو طالباني
لأن كلا من أمريكا و معها أنظمتها التابعة لها، و الطالبان و
معهم التابعون لهم، تؤد لجان الدين الإسلامي ، و تؤولانه
انطلاقا من مصلحة أمريكا في بسط سيطرتها على بلاد المسلمين أو
مصلحة الطالبان في جعل بلاد المسلمين قلاعا لهم يجيشون فيها
المسلمين و يحولونهم إلى بشر آت من عمق التاريخ البشري. انه
دين الحوار، و دين السلام، و دين الوحدة، قال الله تعالى : "و
لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" و قال : " يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا
الله".
و
حتى نتحرر من أدلجة الدين الإسلامي نعتبر أن الصراع بين أمريكا
و الطالبان صراع مصالح، لأن أمريكا تبتز خيرات العالم، و
الطالبان تعمل على إضعاف قدرتها على ذلك من أجل السيطرة على
المناطق التي تزخر بالخيرات التي لا حدود لها. لأن ضرب أمريكا
يعني إضعاف قدرتها على السيطرة على منابع النفط في الخليج،
لتضعف بذلك أنظمتها التي تهتز عروشها بتحرك اتباع الطالبان و
بن لادن، وصولا إلى السيطرة على الدول. و نفس الشيء تفعله
أمريكا مع الطالبان، فهي تحشر قواتها و معها قوات الحلفاء لكسر
شوكة الطالبان و القضاء عليها
–
كما حصل –
وصولا إلى تنصيب نظام يحفظ مصالح أمريكا في آسيا الوسطى، وفي
بحر قزوين بعد أن تعاونا معا على القضاء على الأنظمة
الاشتراكية التي كانت قائمة هناك.
و الصراع بين أمريكا و الطالبان تطور ليصبح وجود أحدهما قائما
عل نفي الآخر. و الكفة مرحليا راجحة لصالح دركي العالم :
الولايات المتحدة الأمريكية التي تستهين بكل القيم من أجل بسط
سيطرتها على جميع أرجاء الأرض، و لا بأس أن تباد الشعوب أو
تشرد كما هو الشأن بالنسبة للشعب الأفغاني، و الشعب الفلسطيني.
إن الولايات المتحدة الأمريكية عندما تقرر بسط نفوذها على بلد
ما فإنها تستهين بكل شيء من أجل ذلك، و لذلك فإن الكلمة ستكون
"لإسلام" أمريكا، و سيتراجع "إسلام" الطالبان و حلفائهم إلى
الوراء، و يبقى السؤال :
ماذا يجب عمله لتجنب انفلات الصراع الأمريكي الطالباني و يتحول
إلى صراع أمريكي عربي؟ و في حالة التحول تلك ستتحول أمريكا إلى
دولة عربية. فيصبح العرب بناء على ذلك عربان : عرب أمريكا و
عرب الأمل في تحرير الأرض و الإنسان.
فالتحرشات التي تقوم بها أمريكا ضد بعض الدول العربية، و في
مقدمتها العراق، و بعض التنظيمات المصنفة ضمن المنظمات
"الإرهابية"، ستقود إلى قيام أمريكا بتحويل التحرشات إلى هجوم
كاسح على البلدان العربية المتناقضة مصالح أنظمتها مع مصالح
النظام الأمريكي بما يدفع في اتجاه انفراز تحالف جديد يحدد :
من مع أمريكا ضد العرب، و من مع العرب ضد أمريكا تماما كما حصل
في حرب الخليج التي استهدفت العراق، و ليس النظام العراقي الذي
يحصن نفسه ضد أمريكا.
و
في إطار هذا الصراع المرتقب ستتحول البلاد العربية هذه المرة
إلى مرجل يغلي بالحقد على أمريكا
–كما
كان في عهد عبد الناصر- و على عرب أمريكا، لأن الشعب الذي عانى
من الاحتلال الأجنبي للبلاد العربية، و من وعد بلفور، و انغراس
الصهاينة في أرض فلسطين، و إقامة الدولة الصهيونية لا يمكن أن
تكون إلا ضد أمريكا التي لا يمكن أن تكون إلا عدوة الشعوب التي
ترشيها بفتات دقيقها و زيتها وأرزها لاجتذاب ولائها لها.
إننا أمام ظاهرة جديدة لعلها من مستلزمات العولمة، تقتضي أن
يستبدل المتجبر المستبد الطاغي لباسه بحسب لباس الشعوب و
الأقوام، كما يقتضي ادعاء اعتناق دين معين، أو استبدال قومية
معينة من اجل إكساب الشرعية لممارسة معينة. و أمريكا و معها
حلفاؤها خير من يجسد ذلك، فهم في صراعهم ضد المسلمين مسلمون، و
في صراعهم ضد العرب عرب، و هم إلى جانب إسرائيل صهاينة…
و هكذا.
و أمام هذا التعامل الحربائي مع العقائد، و الأديان، و
القوميات. هل يبقى للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي نفس دور ما
قبل انفلات الطالبان و غيرها من الحركات المؤدلجة للدين
الإسلامي التابعة لها، من التبعية لأمريكا ؟
إن ما يجري الآن على المستوى العالمي يدل دلالة قاطعة على أن
الاستنفار القائم في كل أرجاء الأرض من أجل :
1)
محاربة التيارات الإسلامية المتبنية لعداوة الغرب بصفة عامة، و
أمريكا بصفة خاصة.
2)
فرض الحصار المادي و الإعلامي على تلك التيارات.
3)
ترسيم إسلام أمريكا عبر الأنظمة الموالية لها، لتتحول بذلك تلك
الأنظمة إلى أدوات مخابراتية تقدم تقاريرءانية و دورية إلى
المخابرات الأمريكية عن التيارات المتواجدة في تراب تلك
الأنظمة.
و بذلك يمكن القول : إن أفول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي
اخذ في الظهور لاعتبارات نذكر منها :
1)
أن وجود هذه الحركات قائم في الأصل على دعم أمريكا و الأنظمة
الرجعية التابعة لها.
2)
أن دورها في الأصل هو محاربة المد الاشتراكي الذي يسمونه المد
الشيوعي من اجل محاصرته والقضاء عليه في معاقله خدمة للنظام
الرأسمالي وبقايا الإقطاع المتخلف
3)
أن عملها على القضاء على النظام الرأسمالي العالمي يعتبر من
باب المستحيلات نظرا لتخلف ورجعية ما تدعو إليه تلك الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي بالنسبة لما يدعو إليه النظام
الرأسمالي.
فادلجة الدين الإسلامي أصبحت عاهة أصابت مجتمعات المسلمين في
بلادهم وفي غيرها من المجتمعات التي يعتنق بعض أو جل أفرادها
العقيدة الإسلامية سواء تعلق الأمر بالأنظمة القائمة أو
بالتيارات المدعوة إسلامية التي تسعى إلى الوصول إلى الحكم
اعتمادا على الادلجة الخاصة . وقد آن الأوان لتخليص الإسلام من
الادلجة الرسمية و الادلجة المضادة عن طريق طرح التأويلات
الأيديولوجية المتداولة والتعامل مع العقيدة على أنها لله ومع
الشريعة على أنها ترتبط بالشروط الموضوعية المتغيرة باستمرار
مما يقتضي تجاوز ما لم يعد مناسبا لتلك الشروط . وبذلك نتحرر
كمسلمين من اسر الأيديولوجية ونحرر عقيدتنا من الاستغلال
الأيديولوجي.
فتحرير المسلمين من أسر الأيديولوجية و تحرر الإسلام من
الاستغلال الأيديولوجي - إن عمل المسلمون من أجله
–
سيكون بداية أفول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و مدخلا
لجعل الأنظمة القائمة تتخلى عن ممارستها للادلجة الرسمية
للعقيدة. و للوصول إلى هذه المرحلة يجب تجنيد المختصين و
الخبراء في إعادة النظر في البرامج الدراسية حتى لا نقدم
للناشئة إلا ماله علاقة بجوهر الشريعة، لإعطاء صورة فضلى عن
الإسلام و المسلمين حتى لا تبقى البرامج الدراسية
–
كما هي الآن في بلاد المسلمين
–
مفرخة للتيارات المؤدلجة للدين االاسلامي. و هو ما يجب أن يسعى
إليه المسلمون لصون دينهم من أسر الأيديولوجية.
إسلام
أمريكا في مواجهة المد الاشتراكي
:
و الأصل في الإسلام أن يتوجه إلى بناء القيم الإنسانية في
الفرد وفي المجتمع سواء تعلق الأمر بالعقيدة أو الشريعة. فجميع
العبادات تهدف إلى إشاعة القيم في المجتمع ابتداء بالشهادتين،
و أداء الصلاة في وقتها، و مرورا بالزكاة والصيام، و انتهاء
بأداء فريضة الحج لمن استطاع إليه سبيلا. فنحن نجد أن كل عبادة
تحمل من القيم النبيلة ما يجعل الفرد و المجتمع يعرضان معا عن
التماس الأذى للآخر مهما كان جنسه أو لونه، أو دينه، أو لا دين
له، و هذا التوجه في بناء القيم النبيلة هو الذي جعل الرسول
(ص) يقول الدين "المعاملة" و يقول "الدين النصيحة".
و نفس الشيء بالنسبة للشريعة التي تهدف إلى تكريس نظام من
العلاقات الاجتماعية التي تحضر فيها القيم بشكل مكثف من أجل
مجتمع خال من العاهات، و الأمراض الاجتماعية، و ينحو في اتجاه
نفض كل أشكال الظلم و القهر و الاستبداد، و إتاحة الفرصة
للجميع لبذل التضحية من أجل ذلك.
و على هذا الأساس كانت شحنة القيم التي تشبع بها المسلمون خير
مساعد على التوحد في مواجهة الاستعمار الغربي سواء كانت البلاد
المستعمرة عربية أو غير عربية. و قد وظف قادة حركة التحرر
الوطني الدين الإسلامي توظيفا إيجابيا في هذا الاتجاه من اجل :
1)
توحيد صفوف المسلمين، و شحنهم بالقيم الموحدة ضد المستعمر، و
توضيح بشاعة القيم الوافدة مع المستعمرين.
2)
شحن المسلمين بالقيم الوطنية المستمدة من الارتباط بالأرض و
التي لا تتناقض مع القيم الإنسانية في الإسلام.
3)
استغلال تلك الوحدة على كل أشكال المواجهة للاحتلال الأجنبي.
4)
الدخول في عملية المواجهة، و تقديم كل أشكال التضحيات المادية
و المعنوية إلى أن يتحقق دحر الاستعمار.
5)
توظيف شحنة النصر على المعتدي باعتبارها قيمة إنسانية في بناء
الدول المتحررة من الاستعمار.
إن التحول الذي عرفته التشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية بفعل
التحديث الذي أحدثه الاستعمار أدى إلى انفراز طبقة تمكنت من
السيطرة على أجهزة الدولة، و تكمن مصلحتها في الارتباط بالدول
المستعمرة، و بمؤسسات الاستعمار الاقتصادي، فتشرع مباشرة في
أدلجة الدين الإسلامي، و احتكار تأويله عبر جيش من المتنبئين
الجدد الذين يتلقون أتاوات لا حدود لها بفعل ما تؤدي إليه
تأويلاتهم لجعل الدين الإسلامي يؤدي دورا آخر غير الدور الذي
قام به في مواجهة الاستعمار. ولذلك نجد أن توظيف الإسلام بقيم
غير قيمه ولغاية غير الغايات الدينية الصرفة اصبح يطفو على
السطح بمجرد تمكن الطبقات التي ترتبط مصلحتها بالاستعمار في
شكليه القديم والجديد من السيطرة على أجهزة الدولة لتسخيرها
لتنفيذ مخططات الاستعمار في كل بلد من بلدان المسلمين وهو ما
أوجد مبرر استمرار حركة التحرر الوطني التي استمر خطابها
مهيمنا في مجموع البلاد العربية والإسلامية عقودا بأكملها خاصة
وان تلك الحركة ترتبط بالدول الاشتراكية بزعامة الاتحاد
السوفياتي سابقا والذي كان يمدها بالإمكانيات الفكرية
والأيديولوجية، ويدفع بها في اتجاه تغيير الأوضاع الاقتصادية
والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية. ونظرا لأن الصراع
الأيديولوجي كان قائما على الصعيد العالمي في ظل الحرب الباردة
فقد استطاعت الأنظمة القائمة في مجموعة من البلاد الإسلامية
وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين
وربيبتها الصهيونية، استنبات مجموعة من التنظيمات المؤدلجة
للدين الإسلامي وخلقت لها امتدادات على مدى الوطن العربي
الإسلامي في إطار ما اصبح يعرف بالقومية الإسلامية كشعار تلتف
حوله التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي لإيهام المسلمين
بإمكانية الجهاد من اجل دولة المسلمين من حدود الصين إلى
المحيط الأطلسي. وقد لفتت هذه التنظيمات المؤدلجة للدين
الإسلامي نظر جميع المسلمين الذين انساقوا وراء وهم قيام
الدولة الإسلامية الموحدة للمسلمين. وهذا الانسياق وراء هذه
الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي لا يعني الانفلات من خطاب
حركات التحرر الوطني، نظرا لانغراس الخطاب المؤدلج للدين
الإسلامي في نفوسهم ليكون ذلك بداية تعميم الثورة المضادة التي
ستلعب دورا أساسيا لصالح الأنظمة الرجعية التي شرعت تمد
الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي بدون جدوى، مما سهل أمامها
العمل على جميع المستويات وفي جميع الأماكن بالإضافة إلى إتاحة
الفرصة أمامها لاستغلال المؤسسات الدينية للغرض نفسه وهو ما
جعل خطاب تلك الحركات يتغلغل في صفوف المسلمين ويفرض حصارا غير
مباشر على الحركات ذات الارتباط بحركات التحرر الوطني بمضامينه
الاشتراكية والقومية والوطنية، ليتحول إلى حصار مباشر في
الجامعات والمؤسسات الرسمية بالإضافة إلى الحصار الإعلامي الذي
يحرم الإعلام الرسمي على مكونات حركة التحرر الوطني ويضعه رهن
إشارة الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي حتى تلعب دورها في
تضليل المسلمين في أفق التجييش الذي تعكسه المظاهر التي تميز
هؤلاء على سائر المسلمين، ثم الانتقال إلى الهجوم على حركة
التحرر الوطني باستهداف الحركات التي لها علاقة بها، وتصفية
قادتها ثم المتنورين من الأدباء والمفكرين والفنانين، ثم
استهداف عامة الناس الذين لا ينساقون معهم والانتقال إلى
استهداف الدول الاشتراكية كما حصل في العديد من بلدان
المسلمين في مصر وفي أفغانستان وفي يوغوسلافيا سابقا. كل ذلك
بدعم الغرب وأمريكا.
وفي هذا السياق تقدم الأنظمة الرجعية، ومن ورائها الإمبريالية
دعما لا محدود للمؤدلجين للدين الإسلامي لصالح الأنظمة القائمة
أو لصالح التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي، ونعت ما يكتبونه
عبر الكتب والمجلات والصحف التي تدعي الدعاية لنشر الإسلام
بالفكر الاسلامي.
وهؤلاء الكتاب المؤدلجون للدين الإسلامي و المدعومون من قبل
الأنظمة الرجعية أو من قبل الإمبريالية مباشرة لا يتحرجون من
كتابة و نشر ما يتنافى مع حقيقة الإسلام خدمة للأنظمة التي
تعمي أبصارهم بالعطاء، و أكثر من هذا فإن هؤلاء الكتاب يستعدون
قراءهم على المتنورين من المسلمين، و على التنظيمات الرافضة
لأدلجة الدين الإسلامي، و هذا الاستعداء يجدون له مبررا، أو
يختلقونه من الكتاب و السنة حتى ينساق القراء وراء ما يدعون
إليه، و ما يدعونه و هم بذلك يشملهم قوله تعالى–
بوعي أو بدون وعي - : " يحرفون الكلم عن مواضعه "
و
تعمل وسائل الإعلام الرجعية : السمعية/البصرية التي تتحكم فيها
الأنظمة الرجعية المتخلفة على الترويج لأفكار و كتابات هؤلاء
الكتاب الذين يطلق عليهم –ظلما
–
كتاب إسلاميون، و هم في الواقع ليسوا إلا مؤدلجي الدين
الإسلامي مقابل عطاءات لا حدود لها.
و إلى جانب الكتاب المؤدلجين للدين الإسلامي تقدم الأنظمة
الرجعية، و معها الإمبريالية : الدعم اللامحدود للمنابر
الإعلامية " المستقلة " التي تروج لأدلجة الدين الإسلامي حتى
تقوم بدورها كاملا في تضليل المسلمين، و جعلهم يعتقدون أن
الدين الإسلامي المؤدلج هو الإسلام الحقيقي.
و هذا الدعم المقدم إلى الحركات و الأفراد و وسائل الإعلام
يدخل في إطار الإعداد ، و الاستعداد لتنظيم حرب متعددة الأوجه
ضد التفكير المتنور، و ضد الإعلام المتحرر، و ضد حركات التحرر
الوطني و العالمي الساعية إلى تحرير الأرض و الإنسان، و تحقيق
الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، و قد تمظهرت هذه الحرب في
عدة مستويات :
1)
مستوى الحرب الفكرية حيث يلجأ منظرو الإسلام الأيديولوجي إلى
تشويه قوانين الفكر الاشتراكي العلمي، و تهجين، و تنفير القراء
منه عن طريق قذف حامليه، و وصفهم بأبشع الأوصاف و اعتبارهم
أعداء للدين الإسلامي، و للمسلمين، و تحريض المسلمين ضدهم من
أجل إزاحتهم حتى يبقى فكر المؤدلجين هو السائد، و في خدمة
الأنظمة القائمة التي تتبع النظام الأمريكي الهمجي.
2)
مستوى الحرب الأيديولوجية الموظفة لأدلجة الدين الإسلامي
المقارعة لباقي الأيديولوجيات، و خاصة الأيديولوجية الاشتراكية
العلمية التي تحول المقتنعين بها إلى "كفار" و توظف الجهات
المعنية مختلف الوسائل، لتشويه الأيديولوجيات المتناقضة مع
الأيديولوجية الموظفة لأدلجة الدين الإسلامي، و التي تقدم
نفسها كحل نهائي للمشاكل القائمة في الكون بما في ذلك مشاكل
الغيب الذي لا يعلم كنهه إلا الله.
3)
مستوى الحرب السياسية التي يلجأ فيها مؤدلجو الدين الإسلامي
الذين أطلقنا عليهم "المتنبئون الجدد " إلى تبني مواقف سياسية
تهدف إلى مصادرة مواقف للتنظيمات الاشتراكية، و إعلان "الجهاد"
ضد الاشتراكيين، و تنظيم عملية التحريض المكثف حتى لا ينساق
الناس وراء الشعارات السياسية التي يرفعها الاشتراكيون. و
الانتقال إلى عملية إقناع السلطات القائمة لممارسة عملية القمع
الممنهج على الاشتراكية الذي يعتبر تتويجا لرغبة مؤدلجي الدين
الإسلامي.
4)
مستوى حرب الثورة المضادة التي يلجأ فيها المؤدلجون للدين
الإسلامي إلي الدخول في عملية منظمة تصيب الاشتراكيين و
مؤيديهم و القضاء على التواجد التنظيمي لهم، و مصادرة الكتب و
الصحف و المجلات و المنابر الإعلامية التي تروج للفكر
الاشتراكي العلمي حتى لا يبقى من يعارض المستفيدين من أدلجة
الدين الاسلامي، سواء تعلق الأمر بالدول أو بالتنظيمات.
5)
و بعد ذلك يتم الانتقال إلى خارج البلاد الإسلامية بدعوى
الجهاد في الكفار و المارقين، من أجل إنهاك الدول الاشتراكية
العظمى التي تنبعث من داخلها مشاكل تشغلها عن الأهداف الكبرى
على يد مدعي "الجهاد" و نشر "الإسلام" و تشجيع المحرفين، و دعم
الساعين إلى الإطاحة بالنظام الاشتراكي لصالح الدولة
الرأسمالية العظمى و تمكينها من السيطرة على العالم.
6)
و إلى جانب ذلك، و نظرا للإمكانيات الكبرى التي يتمتع بها
مؤدلجوا الدين الإسلامي على المستوى الدولي، فإن أياديهم تمتد
إلى كل البلدان التي يتواجد فيها المسلمون الذين يوظفون لتحقيق
الأهداف المحددة في ضرب جميع الحركات التي تسعى إلى تحقيق
الاشتراكية باستعمال جميع الوسائل بما فيها التصفية الجسدية.
و بذلك يؤدي مؤدلجو الدين الإسلامي خدمة عظيمة للأنظمة
الاستبدادية القائمة، و سيدتها أمريكا التي أصبحت متربعة على
عرش العالم لا ينازعها أحد في زعامتها، و كل شيء في خدمتها، و
رهن إشارتها. موظفة في سبيل ذلك كل الإمكانيات بما فيها الدين
الإسلامي المؤدلج، الذي أغدقت على مؤدلجيه عطاءات لا حدود لها،
و تركتهم يفعلون ما يشاءون في هذا العالم ما داموا مخلصين
لأمريكا ، و للأنظمة التابعة لها.
إسلام
أمريكا ضد إسلام أمريكا
:
و نظرا لإغراق مؤدلجي الدين الإسلامي في تأويل النص الديني،
فإن هؤلاء توهموا أن الله اختارهم ليعيدوا للدين الإسلامي
مجده، و لكن أي مجد، و بأية طريقة، فالمجد الذي يبحث عنه هؤلاء
ليس تطويرا للفهم و ليس انفتاحا على العصر، و ليس استفادة مما
توصل إليه الإنسان من تطور في جميع المجالات ، إنه الرجوع إلى
الوراء، إلى مرحلة بعينها، مرحلة الخلفاء الراشدين التي أريد
لها أن تكون مثالا للدولة الإسلامية، و هي في الواقع ليست
كذلك، إنها دولة المسلمين في ذلك العهد، كان يقودها أشخاص
عرفوا باتحادهم في صحبة الرسول (ص) ، و اختلافهم في فهم النص
الديني، و في اجتهادهم، و في انحيازهم إلى هذه الطبقة أو تلك،
انطلاقا من اختلاف الفهم الذي يختص به كل خليفة، و لذلك سمي
أول خليفة بخليفة رسول الله، و بعد ذلك أصبحوا يسمون بأمير
المومنين حتى يصبح اللقب دنيويا، ولا علاقة له بما هو ديني،
حتى لا تخلع القداسة على أي ممن يحكم لكون الإسلام جاء في
الأصل ليضع حدا لتقديس غير الله. و هو ما جاء في القرآن الكريم
عندما قال الله تعالى : " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي "
فاعتماد نموذج الخلفاء الراشدين نموذجا للدولة الإسلامية
الموعودة في خطاب مؤدلجي الدين الإسلامي الذين شبوا عن طوق
أمريكا، ما هو إلا ممارسة أيديولوجية تهدف إلى استقطاب بسطاء
المسلمين الذين يعانون الأمرين، من الفقر و الجوع و المرض من
اجل أن يكونوا سندا و عونا لمؤدلجي الدين الإسلامي على الوصول
الى السلطة السياسية التي تعتبر منطلقا للوصول الى فرض
الاستبداد على المسلمين ثم على البشرية جميعا، و هو ما أدركته
أمريكا منذ أن شرع مؤدلجو الدين الإسلامي المخالفين لأدلجة
الأنظمة التابعة لأمريكا في ضرب مصالح الأنظمة التابعة
لأمريكا، و مصالح أمريكا.
و بناء على ذلك الإغراق في التأويل تفتعل التنظيمات المؤدلجة
للدين الإسلامي صراعات أيديولوجية تتطور إلى صراعات سياسية قد
تنتقل إلى صراعات دامية ضد الأنظمة التابعة حتى تقود الجماهير
العريضة بوهم "الإسلام هو الحل" و شعار "الإسلام دين و دولة" و
شعار "الدولة الإسلامية" و السعي إلى تحقيق شعار "تطبيق
الشريعة الإسلامية". و هي كلها شعارات أيديولوجية صرفة تقف من
ورائها أمريكا نفسها من أجل محاصرة المعسكر الاشتراكي خلال
مرحلة الحرب الباردة.
و الهدف من هذا الصراع هو إثبات أن تلك التنظيمات أكثر حرصا
على الإسلام و المسلمين من الأنظمة القائمة. لعل أمريكا
تدعمها، و تقف من ورائها حتى تتسلم السلطة. إلا أن أمريكا
نفسها تعرف مسبقا أن تلك التنظيمات لا تتجاوز مجرد أدوات وجدت
لتؤدي أدوارا معينة، و عليها أن تزول بعد ذلك. و إلا فإن
أمريكا التي تدعي أنها هي "الدولة ديمقراطية" الأولى في العالم
و العاملة على فرض احترام "حقوق الإنسان" كما تراها هي. سوف
تتناقض مع نفسها عندما تشجع على :
1)
قيام دول على أساس ديني.
2)
إنشاء أحزاب سياسية على نفس الأساس، خاصة و أن ذلك يتناقض مع
المواثيق الدولية من جهة، و يؤدي إلى قيام دول و أحزاب تكرس
الاستبداد أو تسعى إلى تكريسه، و هو ما يتناقض مع
"ديموقراطية"أمريكا نفسها التي تبث في نسيج المجتمعات البشرية
همجية الاستغلال بجميع أنماطه، و بمختلف مستوياته. من أجل نهب
خيرات الشعوب لصالح الشركات العابرة للقارات.
و نزولا عند رغبة أمريكا، فإن الأنظمة التابعة لها تدخل في
عملية تنظيم أشكال من القمع الممنهج ضد الحركات المؤدلجة للدين
الإسلامي فيتوهم المسلمون أن تلك التنظيمات تناضل أو "تهاجم"
فعلا ضد الأنظمة التابعة، أو ضد أمريكا من أجل توفير حياة أفضل
للشعوب المقهورة، بينما نجد أن تلك التنظيمات إنما تستغل
الإسلام لحاجة في نفس يعقوب، و بعد ذلك يتم التمكن من رقاب
المسلمين لفرض قوالب من الفكر مستوحاة من تاريخ ظلام المسلمين
من أجل إدخال البشرية في كهوف من الظلام تتناسب مع تلك
المغارات التي تقصفها أمريكا في أفغانستان، و في أي نقطة من
العالم عندما تريد أمريكا فرض هيمنتها "ديمقراطيتها" على
الإنسان من أجل تركيعه بعدما نصبت المؤدلجين للنيابة عن الله
في الارض، و قهر من يخالف أدلجتهم فاشتد عودهم، و خرجوا عن طوق
أمريكا.
و نظرا لأن مصلحة أمريكا مع الأنظمة القائمة، فإن مناهضة
الأنظمة القائمة تبدوا و كأنها مناهضة لأمريكا، و تهديد أو ضرب
لمصالحها. و لذلك فهذه التنظيمات تجد نفسها مضطرة لمواجهة
أمريكا لا باعتبارها عدوة الشعوب كما قد يتوهم المتتبع انطلاقا
مما يجري على المستوى العالمي، بل لأنها :
أ
–
ترفض دعم مؤدلجي الدين الإسلامي في صراعهم ضد الأنظمة التابعة
التي لها أدلجتها الخاصة للدين الإسلامي، لأن ذلك الدعم إن حصل
ستتضرر أمريكا منه، و سيوضع حد لكل أشكال الحداثة التي يعتمد
عليها الغرب بزعامة أمريكا، لأن إقبار الحداثة سيؤدي إلى إلحاق
الأضرار الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و
السياسية، و هو ما يضاعف حقد أمريكا على الحركات المؤدلجة
للدين الإسلامي.
ب- تعتبر أن تلك التيارات المؤدلجة للدين الإسلامي قد استنفذت
مهمتها التاريخية المتجسدة في تشويه الاشتراكية و الاشتراكيين،
و تخريب الأنظمة الاشتراكية، و القضاء عليها خدمة لأمريكا، و
لباقي الأنظمة بما فيها تلك التابعة.
ج- تعتقد أنها وحدها التي يجب أن تستفيد من انهيار النظام
الاشتراكي العالمي وان أي ميل لتلك التيارات يجب أن يبقى في
خدمتها حتى يستمر وإلا فان القضاء عليه وتفكيكه بضرب عناصره
وقياداته بمختلف الوسائل يعتبر مسالة أساسية وهو ما حصل مع
حركة الطالبان في أفغانستان وسيحصل مع العديد من الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي في جميع الأقطار حتى لا يبقى من يرفع
الرأس ضد أمريكا.
د - ترى أن قيام دولة ما على أساس عقائدي قد يقود إلى انهيار
النظام الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لصالح
بقايا الإقطاع الذي قام النظام الرأسمالي على أنقاضه لذلك
فأمريكا تحجم عن دعم ومساندة الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي
وتشجع الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين على محاربتها بل وتعلن
عليها الحرب. وتضرب الأنظمة المؤدلجة للدين الاسلامي، و
المتناقضة في خطابها، و ممارستها مع أمريكا كما حصل في
السودان، و في ايران، و في أفغانستان في عهد الطالبان.
ه
–
تحرص على زعامة النظام الرأسمالي للعالم، و الحيلولة دون قيام
نظام عالمي على أساس عقائدي، لأن ذلك يتناقض مع التوجه
الرأسمالي نفسه الذي يدعي الحرص على تمتع الناس بجميع حقوقهم
كما هي متضمنة في المواثيق الدولية التي صادقت عليها بعض
الدول، و لم تصادق أمريكا على البنود التي تتناقض مع مصالحها.
فأمريكا هي القطب المتحكم في العالم الذي يصوغه وفق ما تقتضيه
مصالحه المختلفة، و يعيد صياغته، و بالقوة عندما تدعو الضرورة
إلى ذلك كما حصل انطلاقا من أفغانستان، بدعوى محاربة الإرهاب.
و الواقع أنها تحارب العفريت الذي خرج من بعبعها، و دون
إرادتها لأنها ربته على أن يكون لها، فخرج عن طوعها، و لذلك
فهي تؤدبه ليصبح خانعا قانعا بالوجود، و لا بأس أن يدعي أنه
يكره أمريكا حتى لا تقضي عليه أمريكا في مظان الوجود من غير
أفغانستان.
مأزق
إسلام أمريكا
:
و إن ما قاد إليه الإغراق في التوظيف الأيديولوجي للدين
الإسلامي بدعم من أمريكا، و ربيبتها إسرائيل تحت ذريعة محاربة
المد الشيوعي، أو محاربة الشيوعية، و بدعم من الأنظمة التابعة
التي لا تتورع عن التوظيف الإيديولوجي للدين الإسلامي، لابد
أن يوقع أمريكا، و الأنظمة التابعة لها، و معها التنظيمات
المؤدلجة للدين الإسلامي في مأزق الدخول في الإبادة الجماعية
المتبادلة بين أمريكا من جهة، و تلك التنظيمات ، و بعض الأنظمة
المؤدلجة للدين الإسلامي من جهة أخرى، و هو ما يمكن وصفه
بالانفلات من الرقابة الذاتية، و الانخراط في الممارسة الهمجية
التي لا حدود لها، و لا يعرف مداها، و يمكن تصنيف مأزق أمريكا
في :
1)
مأزق الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي التي وجدت نفسها
مضطرة للانسياق وراء أمريكا في حربها ضد ما تسميه ب " الإرهاب
" و تتنكر في نفس الوقت لأولئك الذين ربتهم و شبوا عن طوقها، و
انفلتوا مستقلين عنها، بعد أن قدموا خدمات جلى للنظام الأمريكي
لا حدود لها.
فالأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي وقعت فيما يسميه
العرب القدامى ب " حيص بيص " فهي لا تدري ماذا تفعل ؟
أ
–
هل تتبنى أطروحة أمريكا حول " الإرهاب" ؟ هل تتخلى عن أد لجتها
للدين الإسلامي ؟ هل تتخلى عن دعم التنظيمات التي شبت و
ترعرعت تحت رعايتها ؟ إن ما يمارس في هذا الإطار هو أن الدول
التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي أصبحت مقرة بأطروحة أمريكا
حول الإرهاب ولكنها في نفس الوقت تستمر في أد لجتها للدين
الإسلامي ولكن هذه المرة لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار ما تريده
أمريكا من تلك الادلجة حتى لا يتحول الإسلام مستقبلا إلى وسيلة
لإزعاج استقرار النظام العالمي الأمريكي أو النظام الرأسمالي
العالمي ولذلك فهي تتحول إلى متكلم باسم أمريكا وتصبح مختبرة
لها فيما يخص تتبع ورصد الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي حتى
لا تتعرض إلى عقاب أمريكا عن طريق الاستهداف بصواريخ كروز و
توماهوك وما تلقيه الطائرات من أطنان المتفجرات في حالة
الاستهداف كما حصل في أفغانستان
ب - هل ترفض تلك الأطروحة حول الإرهاب إنها ولا شك لن تجرؤ
على ذلك بحكم تبعيتها وارتباط مصلحتها بالنظام الرأسمالي
العالمي ولأنها إن فعلت ستصبح مهددة كما هو الشان بالنسبة
للعراق بالضربة الأمريكية باعتبارها ضربة قد تؤدي إلى القضاء
على النظام أو إغراقه في الكثير من المشاكل التي لا حلول لها
بسبب الحصار الذي قد يستمر لعدة عقود بهدف القضاء على النظام
أو إخضاعه لمشيئة النظام الرأسمالي العالمي وفي احسن الأحوال
فإنها تلجا إلى المطالبة بالتمييز بين الإرهاب وبين مقاومة
الاحتلال حتى لا تتحول تلك المقاومة إلى إرهاب وهو المطلب الذي
لجأت إلى طرحه مجموعة من الدول العربية وفي مقدمتها دولة
لبنان.
وفي جميع الحالات فالموقف ينبني على أساس التبعية أو التحرر
منها . وهو ما يمكن أن يحدد لنا : هل النظام القائم في بلد ما
مع أمريكا أو ضدها . فإذا كان مع أمريكا فهو ضد الإرهاب وإذا
كان ضدها فهو مع الإرهاب وهو ما تعتمده أمريكا لإرغام جميع
الدول على تبني موقفها من الإرهاب ، وانتزاع شرعية إبادة
المخالفين .
ح-
هل تستمر في دعم الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي ؟إن هذا
الاستمرار إن حصل وبعد 11
شتنبر 2001
يجب أن يكون بموافقة أمريكا من جهة ومشروطا بعدم ضرب المصالح
الأمريكية من جهة أخرى ، وشرط من هذا النوع ليس مضمونا على
المدى المتوسط والبعيد ، فقبوله يعتبر مجازفة بالنسبة للأنظمة
التابعة ،خاصة وأن الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي تركب قاعدة
"الغاية تبرر الوسيلة " فتظهر بسبب ذلك ، خلاف ما تخفي ، و هو
ما يرجع غالبا امتناع الأنظمة التابعة عن دعم تلك الحركات .
د- ولذلك فامتناعها الوارد سيؤدي إلى نتيجتين أساسيتين :
النتيجة الأولى :
تعميق التبعية لأمريكا ، ومن خلالها للنظام الرأسمالي العالمي
، وهو تعميق سيمس السيادة نفسها التي تتمتع بها تلك الدول على
بلدانها ، وشعوبها ، وهو ما يبيح لأمريكا ولغيرها التدخل في
الشؤون الداخلية بدعوى محاربة " الإرهاب " .
النتيجة الثانية :
دخولها في صراعات مريرة مع التنظيمات المؤدلجة للدين
الإسلامي عبر تنازع الادلجة والوصاية على الإسلام والمسلمين
وتوظيف المؤسسات الدينية وصولا إلى مصادرة الحريات والحق في
الحياة .
وهذه النتيجة الثانية هي التي ترشح بلاد المسلمين إلى المرور
بتحول عميق يقضي بإعادة النظر في أساليب الأنظمة التابعة و
إعداد الأجيال الصاعدة من خلال مضاعفة الهاجس الأمني الذي يحكم
ممارستها في جميع المجالات :
ه
–
و إذا كانت أدلجة الدول التابعة للدين الإسلامي قد فسحت المجال
أمام إرهاب الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، فإن ما يطرح الآن
هو : هل تتخلى هذه الدول عن أدلجة الدين الإسلامي ؟ و إذا حصل
تخليها، فإنها ستحرص على فرض حيادية الدين الاسلامي، و ستتحول
إلى دول علمانية بالضرورة، و ستحرم في دساتيرها و قوانينها
استغلال الدين الإسلامي في الممارسة السياسية، و ستحرم ممارسة
الادلجة، لأنها ستحول إلى ما يشبه جريمة " الإخلال بالأمن
العام ". و كونها تتحول إلى أنظمة علمانية يمكن اعتباره أمرا
مستبعدا، لأنها حينها ستوصف بالأنظمة الملحدة، و الكافرة، و هو
ما يعطي الشرعية للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي التي ستعمل
على تحريك المسلمين ضد تلك الأنظمة كما حصل سابقا في العديد من
بلدان المسلمين.
و لذلك فأدلجتها للدين الإسلامي ستعتبر واردة و لكن بالشكل
الذي يكرس إسلام أمريكا التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى
تعاطف المسلمين معها ضد مسلمي الحركات المعادية لها، و
المتعاطفة مع الطالبان.
و- و بناء على ذلك، هل تتوقف عند تقديم العطاء السخي للمتنبئين
الجدد الذين تسميهم ب " العلماء" في الوقت الذي لا يجمع بينهم
و بين العلم إلا الوهم ؟ هل تدخر تلك العطاءات اللامحدودة من
أجل التخطيط لصرفها فيما يعود على الشعوب المسلمة بما فيه
فائدة لها، بدل شراء ذمم المتنبئين الجدد ؟ إننا أمام إشكالية
كبيرة و عميقة في نفس الوقت، لأن ما يقوم به المتنبئون الجدد
المبثوثون في نسيج مجتمعات المسلمين يخدم بطريقة مباشرة مصالح
الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين الإسلامي، و بطريقة غير
مباشرة مصالح الحركات التي لها تأويلها المخالف في عملية
الادلجة، و لذلك فالمهمة المطروحة اليوم، و بعد شيوع الاعتقاد
بإسلام الطالبان، هي كيف يفرق المتنبئون الجدد بين الإسلاميين/
الادلجتين ؟ أو كيف يعملون على نقض الادلجة التي تدخل في
تناقض مع أد لجة الأنظمة التابعة ؟ و هم بذلك سيقضون عقودا من
البحث، مصحوبة بعقود من القمع/الرقابة على إنتاجاهم حتى لا
تخدم المعتنقين لإسلام الطالبان، و سيلجأون إلى قائمة من
التبريرات/الاجتهادات التي تستدر المزيد من العطاءات، سواء
تعلق الأمر بأمريكا، ليكون الإسلام خالصا سائغا لإسلام أمريكا
.فدور المتنبئين الجدد المخلصين للأنظمة التابعة هو الاستماتة
في خدمة تلك الأنظمة، و الإخلاص في خدمة أمريكا. و هو ما يفرض
على المسلمين الانتباه إلى تراكم تحريف النص الديني خدمة
للأنظمة التابعة و لأمريكا.
ز- و بذلك نخلص إلى طرح السؤال : هل تعيد الأنظمة التابعة
النظر في المراجع الدراسية من أجل حذف ما له علاقة بأدلجة
الدين الإسلامي ؟ إن الإقدام على هذا النوع من العمل يقتضي :
أولا :
الإقرار بأن البرامج الدراسية صيغت لخدمة مصالح الطبقات
الحاكمة التي من جملتها أد لجة الدين الإسلامي لمصلحة تلك
الطبقات.
ثانيا :
ضرورة علمنة مؤسسة الدولة التابعة أسوة بدول المركز.
و لذلك نجد أن الإقرار بالعلمنة المشار إليها غير وارد في عرف
دول المسلمين التابعة، و ما يمكن أن يحصل هو مضاعفة الرقابة و
بالقدر الذي يمنع من أد لجة الدين الإسلامي لغير صالح الدول
التابعة في بلاد المسلمين.
ح) وهل تقوم بفصل الدين عن الدولة إرضاء لأمريكا ودول
المركز الأخرى إن عملية الفصل معناها أن نحدد ما لله وما
للبشر " وان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا " " و أمرهم
شورى بينهم".
و عملية الفصل هي ممارسة علمانية، و علمانيتها ستكون غير
واردة، لأن عدم تبنيها لا يعني إلا إعطاء الشرعية للحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي، و لكن بالقدر الذي يجعل الدين
الإسلامي منفتحا على ممارسة أمريكا، و في نفس الوقت، موهما
المسلمين بأن تلك الادلجة الرسمية للدين الإسلامي هي الإسلام
الحقيقي، ودور كهذا لا يمكن أن يقوم به إلا جيل جديد من
المتنبئين الجدد الذين يمزجون في خطابهم الأيديولوجية بين
تمجيد أمريكا، و تمجيد الأنظمة التابعة لها انطلاقا من تأويل
معين للنص الديني لأداء الوظيفتين معا.
ي- و يبقى أن نتساءل : هل تدفع الدول التابعة في اتجاه تأسيس
هيئات مستقلة للإشراف على المؤسسات الدينية من الدول التابعة،
لأن كل ما يؤدي إلى استقلال المؤسسات الدينية من الدول
التابعة، يرشحها لاستغلال الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و
ما دام الأمر كذلك، فإن عملية ضمان حياد المؤسسة الدينية يقتضي
ترسيخ نوع من الوعي يحفظ كرامة الانسان، و يحترم قناعته، و
يرسخ حرية التدين ، و العبادة و التمذهب بعيدا عن تدخل الدولة،
، و بعيدا عن الادلجة المؤدية إلى توظيف الدين الإسلامي في
الأمور السياسية، و في إطار الممارسة الديمقراطية التي تتخلل
أنسجة المجتمع كصمام أمان ضد كل أشكال التحريف السياسي و
العقائدي الهادف إلى خدمة مصالح الطبقة أو التحالف الطبقي
الحاكم.
و بناء على ما ذكر فإن مأزق الأنظمة التابعة المؤدلجة للدين
الإسلامي، سيبقى قائما، و بسببه ستزداد استبدادا، و به ستلجأ
إلى المزيد من القمع المادي و المعنوي للحركات المؤدلجة للدين
الإسلامي، ما دامت أدلجتها لا تخدم مصالح الطبقات الحاكمة، أو
تتعارض معها.
2)
مأزق الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي المدعومة من قبل الأنظمة
التابعة، و من أمريكا لأن استمرار هذه الحركات في عملية
الادلجة سيكشف الخدمات التي تكمن وراءها. و سيعرف المسلمون أن
ما تقوم به هو لصالح الأنظمة التابعة، و لصالح أمريكا نظرا
لاكتواء جماهير المسلمين بالاختيارات الرأسمالية التبعية، و
تكمن مأزقتها في:
أ
–
إصابة الأنظمة التابعة في دعمها للحركات المؤدلجة للدين
الإسلامي بالحرج بسبب كون تلك الحركات مفرخة للأطر التي تقود
عملية الادلجة و توظفها ضد الأنظمة التابعة و ضد أمريكا كما
حصل في العديد من الدول التي عرفت قمعا شرسا ضد الاشتراكيين،
بمساهمة الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي إلى جانب الدول
التابعة، و كذلك نجد الأنظمة التابعة تتردد بين الاستمرار في
الدعم، و بين الامتناع عنه حتى لا تشملها قائمة الدول الداعمة
للارهاب، و التي تلوح بها أمريكا بعد
11
شتنبر 2001.
ب- تحرش الحركات بالأنظمة و بأمريكا بسبب موقفها الجديد ،
قد يقودها إلى الوصف بالإرهاب، و اتخاذ قرار ملاحقتها، و
محاصرتها، و القضاء عليها، و لتجنب ذلك، ، فتحرش الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي بالأنظمة التابعة،و بأمريكا يجب أن
يزول من فكرها و ممارستها، و أن يحل محله ما أصبح يعرف في خطاب
أمريكا، و أذنابها ب " الإسلام المعتدل ". هذا الإسلام الذي تم
الشروع في التنظير له، فكأن هناك إسلام يساري، و إسلام يميني،
و إسلام معتدل، و الواقع غير ذلك. فالذي يكون يساريا أو يمينيا
أو معتدلا هو القناعة الأيديولوجية التي يستند إليها البشر
لاتخاذ موقف سياسي يساري أو يميني، أو معتدل، و الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي هي التي يمكن أن تكون يمينية أو
متطرفة أو معتدلة. و الاعتدال هنا ليس إسلاما، إنه موقف سياسي
يستند إلى أيديولوجية الوسط التي لا يمكن أن تكون إلا
توفيقية/تلفيقية. و ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى : "
لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، و لا تبسطها كل البسط فتقعد
ملوما محصورا " و قوله : " الله نور السماوات و الأرض مثل نوره
كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب ذري
يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية " مما يمكن أن
نستنتج منه أن الإسلام دين الوسط و الاعتدال ما هو إلا شيء
يدخل في طبيعة الدين الإسلامي حتى يكون صالحا لكل الطبقات
الاجتماعية في كل زمان و مكان. و لا علاقة لذلك بالأيديولوجية
التي هي من خاصيات الطبقات الاجتماعية التي تكون يمينية أو
يسارية أو وسطية على المستوى الأيديولوجي الذي قد توظف فيه
العقيدة السلامية البريئة من الأيديولوجية.
و نظرا لما لأدلجة الدين الإسلامي من دور في تفجير الصراع
التناحري مع الأنظمة، و مع أمريكا، فإن الحركات المؤدلجة للدين
الإسلامي تصبح محرجة في الاستمرار في التوظيف الأيديولوجي
للدين الإسلامي، فتدخل في ممارسة التبرير الممل، و التضليل، و
التمويه حتى تغطي على أدلجتها، أو تعلن عن تقمصها لحزب سياسي
معين، تتستر وراءه، و تحول أدلجتها إلى ممارسة سياسية، و تصبح
مهاجمة سياسيا، و لكن على الجماهير الشعبية الكادحة ، الساعية
إلى الانعتاق و التحرر و الاشتراكية، و على المنظمات السياسية،
و الجماهيرية المؤطرة للجماهير الكادحة و تشويه سمعتها لصالح
الأنظمة التابعة و سيدتها أمريكا، و هو ما يضمن لها الاستمرار،
و يزيل عنها الحرج.
د- و نظرا لأن الأصل في استراتيجيتها، و تاكتيكها، قائم على
الهجوم على الأنظمة التابعة ، و على أمريكا، فإن تراجعها عن
ذلك الهجوم من أجل المحافظة على استمراريتها سيقود الى انفلات
الاتباع الذين سيتوقف إغواؤهم بالذي يأتي و لا يأتي، و تبشيرهم
بجنات عدن ينالها " الشهداء " بسبب المصير الذي ينتظرهم في
حالة الاستمرار في انسياقهم وراء أدلجة الدين الإسلامي، فعملية
الانفلات اللامحدود ستبقى واردة للاعتبارات الآتية :
الاعتبار الأول :
أن الأنظمة التابعة و أمريكا ستتوقفان عن دعم الحركات المؤدلجة
للدين الإسلامي.
و
الاعتبار الثاني
: تخلي هذه الحركات عن ممارسة الصراع ضد الأنظمة التابعة و ضد
أمريكا.
و
الاعتبار الثالث
: انسداد الآفاق أمام هذه الحركات بسبب الحصار الذي سيضرب
حولها.
و
الاعتبار الرابع
: اهتمام المثقفين بإخضاع أدلجة الدين الإسلامي للمناقشة و
التشريح عبر وسائل الإعلام المختلفة.
و بناء على عملية الانفلات المحكومة بالاعتبارات المذكورة يتضح
بالملموس أن أكبر جريمة ارتكبت و لازالت ترتكب في حق الدين
الإسلامي هي أدلجته، و توظيفه لأغراض سياسية دنيئة.
و لذلك فمن واجب المثقفين الحقيقيين العمل على الكشف عن
الادلجة التي شوهت العقيدة، و ضللت المسلمين، و قادتهم إلى
عبادة زعماء المؤدلجين بدل عبادة الله تعالى.
ه
–
و بفعل فقدان مصادر التمويل الخارجية نظرا لتشديد الرقابة
عليها من قبل الأنظمة التابعة و من قبل أمريكا.فإن الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي ستعرف تراجعا إلى الوراء و سوف تتقلص
حركتها وطنيا، و قوميا، و عالميا. و كنتيجة لذلك ستعرف تقوقعا
و تقلصا.
و- و سيساهم شيوع انتقاد ممارستها السياسية، و الاجتماعية و
الدينية من قبل العامة كامتداد لانتقاد الخاصة في عملية
الانحسار و التقوقع، و التراجع إلى الوراء، و تقديم التنازلات،
و الذوبان في أيديولوجية الطبقات أو التحالف الطبقي الحاكم، و
بذلك تتحول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي إلى مجرد حركات
صورية يشكل تأويلها الأيديولوجي نسخة طبق الأصل للتأويل
الأيديولوجي للطبقة أو التحالف الطبقي الحاكم.
و هكذا نجد أن خروج الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي من
مأزقها، لا يتم إلا بالوقوع في مأزق آخر، و هو شأن الحركات
التي تقف ضد التاريخ، و تحاول إدخال الوجود البشري إلى
اللاتاريخ. و هو ما يجعلها تؤول الى مزبلة التاريخ.
3)
وتكمن دلالة المأزق المزدوج لإسلام أمريكا في التمظهرات الآتية
:
أ)على مستوى إعادة النظر في التعامل مع التوظيف الأيديولوجي
للعقيدة، لأن إعادة النظر تلك ستقود إلى :
أولا :
إما الى المزيد من التطرف اليميني المغرق في إطلاقيته، كما
فعلت حركة الطالبان التي قادتها إطلاقيتها الى الاعتقاد بأنها
أعتى دولة في العالم، فإذا بها تتحول أمام الضربات الأمريكية
الهمجية الى نمر من ورق.
ثانيا :
و إما الى التخلي عن تأويلها الأيديولوجي، و تبني تأويل
الأنظمة التابعة حتى تنجو من ضربات أمريكا، و من ضربات الأنظمة
التابعة لها.
و في الحالتين ما، فالمأزق يبقى قائما.
ب- ظهور توجه يسعى الى حيادية العقيدة، و إبعادها عن السياسة و
هو توجه ليس صادرا عن قناعة راسخة بذلك، بقدر ما أملته شروط
الصراع التناحري، القائم بين أمريكا و الطالبان، و تنظيم
القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، و هذا التوجه تقوده أمريكا و
الدول الغربية، وبعض دول المسلمين التابعة، و هو صادر عن
علمانية الغرب و عن جنوح بعض الدول التابعة الى العلمانية.
و ما يؤخذ على هذا التوجه هو :
أولا :
أنه صادر عن دول لا علاقة لها بالإسلام، و كل ما تفعله أنها
تستغل المسلمين، و تستذلهم.
ثانيا :
أنها اكتفت بمحاربة التنظيمات التي توظف الدين الإسلامي نظرا
لدوره في استنهاض الجماهير الكادحة و المحرومة ضد أمريكا، و ضد
الصهيونية، و ضد الأنظمة التابعة لهما.
ثالثا :
أنها لم تسع أبدا الى اعتبار الدول التابعة المؤدلجة للدين
الإسلامي مرتعا لتفريخ التنظيمات المؤدلجة للدين الإسلامي.
و قد كان المفروض أن يصدر هذا التوجه عن المسلمين لا عن غيرهم
سعيا الى حفظ العقيدة الإسلامية من التحريف، و اعتبار
التنظيمات و الدول المؤدلجة للدين الإسلامي خارجة عن الانتماء
الى عقيدة المسلمين. لأن سعيها ليس هو الحفاظ على سلامة عقيدة
المسلمين من التحريف، بل تحريفها، و توظيفها من أجل الوصول الى
السلطة حتى تتمكن من استغلال المسلمين لصالح الطبقة أو التحالف
الطبقي المؤدلج للدين الإسلامي.
و إذا كانت أمريكا، و معها حلفاؤها، غير راضية عن أدلجة الدين
الاسلامي، و توظيفه لأغراض سياسية منحطة، فإنها هي التي شجعت
في البداية هذه الادلجة، ودفعت في اتجاه إنشاء تنظيمات على هذا
الأساس لمحاربة المد الشيوعي في البلاد العربية و غيرها من
بلاد المسلمين، و حتى إذا غيرت موقفها، فإن عليها أن تقدم نقدا
ذاتيا. و أن تقدم تعويضات مادية الى كل الذي الذين طال أفراد
عائلاتهم إرهاب مؤدلجي الدين الإسلامي.
و يبقى السؤال لماذا لا تلجأ أمريكا و حلفاؤها الى تفعيل
القانون الدولي المتمثل في المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق
الإنسان بدل اللجوء الى احتلال العالم، و بقوة أمريكية صرفة ؟
لماذا لا يتم التعامل مع التوظيف الأيديولوجي لليهودية في
إطار الصهيونية المتمثلة في دولة إسرائيل ؟ لماذا لا توجه
الضربات الى الدولة الصهيونية، و العنصرية بدل حمايتها و
دعمها، و الوقوف وراءها ؟
لماذا لا تعمل أمريكا و حلفاؤها على محاصرتها، و تفكيك
التنظيمات الداعمة لها في أمريكا و أوربا؟
لماذا تقوم أمريكا بمحاصرة و ضرب الأنظمة التابعة المؤدلجة
للدين الإسلامي أسوة بنظام الطالبان؟
إن الغاية من طرح الأسئلة أعلاه هي بيان أن أمريكا و حلفاءها
لا يهمها إلا حفظ مصالحها المتمثلة في امتصاص دماء البشرية
لصالح الشركات العابرة للقارات، و ما سوى ذلك من إصدار فتاوى
باسم الإسلام ما هو إلا تضليل للمسلمين، و شكل من أشكال أدلجة
الدين الإسلامي، تملقا للأنظمة المؤدلجة للدين الإسلامي و
المسلمين. أما حفظ الإسلام و تطهيره من التحريف الذي لحقه على
يد المتنبئين الجدد، فهو مهمة المسلمين، و مهمة الشعوب المومنة
بالدين الإسلامي، و ما على أمريكا و حلفائها إلا أن ترفع يدها
عن هذه الشعوب حتى تقرر مصيرها طبقا للمواثيق الدولية المتعلقة
بحقوق الإنسان وخاصة البنود المتعلقة بحق تقرير المصير وتحت
إشراف المنظمات الدولية المعنية
ح) وللوصول الى تطهير الدين الإسلامي من التحريف السياسي لابد
من الشروع في إعادة الاعتبار للتنوير الذي يجب أن يقوم على أسس
سليمة تتجسد في نشر الوعي الحقيقي.
أولا :
بحق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و
الثقافي. فوضع دستور يراعي التمتع بذلك الحق باعتباره مصدر
السيادة.
ثانيا :
بحقوق الأفراد والجماعات على المستوى الاقتصادي بضمان دخل
مناسب لمستوى متطلبات الحياة . وعلى المستوى الاجتماعي بضمان
الحق في التعلم ، والحق في التطبيب، والحق في السكن ، والحق
في العمل ، والحق في الحماية الاجتماعية ، لا فرق في ذلك بين
الذكور والإناث .وعلى المستوى الثقافي : إتاحة الفرصة للتفاعل
بين الثقافات المعبر عنها في المجتمع وبمختلف اللغات واللهجات
، والعمل دعم الأشكال الثقافية المختلفة ، وتجنب ممارسة
الميوعة الثقافية ، وعلى المستوى المدني ضمان المساواة بين
جميع أفراد المجتمع أمام القانون ، لا فرق في ذلك بين
الطبقات ، ولا بين الجنسين. وعلى المستوى السياسي : ضمان
التمتع بالحريات العامة والثقافية ، وإجراء انتخابات حرة
ونزيهة .
ثالثا :
الحق في إشاعة الممارسة الديموقراطية التي تمكن الأفراد
والجماعات من التمتع بالحقوق المختلفة بما فيها حق التعبير
وإبداء الرأي وحق الاختيار. ومن المؤكد أن التنوير عندما
ينبني على هذه الأسس ، فإن المجتمع يتحول إلى واقع يستحيل فيه
استغلال الدين لصالح السياسة ، لأن المجتمع المتنور هو مجتمع
متسيس لا تنطلي عليه حيلة استغلال الدين لصالح السياسة .
و- إعادة الاعتبار للعمل الجماهيري الهادف إلى نشر الوعي
الحقيقي في صفوف الجماهير الشعبية الكادحة المستهدفة بخطاب
أدلجة الدين الإسلامي لأن العمل الجماهيري المستند إلى مبادئ
التقدمية و الديمقراطية، و الجماهيرية و الاستقلالية، هو وحده
الكفيل بتفجير الطاقات الخلاقة في صفوف الأفراد و الجماعات، و
في المجالات النقابية، و الثقافية، و التربوية، و العلمية. و
بتلك القدرات الفاعلة يتحول العمل الجماهيري الى عامل لبث
الوعي في صفوف الجماهير الكادحة، و الذي يتنوع بتنوع طبيعة
المنظمات الجماهيرية العاملة في صفوف الجماهير و الساعية الى
جعلها تمتلك وعيها الحقيقي الذي يعتبر حصانة لها ضد الانسياق
وراء دعاوى أدلجة الدين الإسلامي الحنيف.
ه
–
النظر في عملية تطوير حركة التحرر الوطني للاستجابة للصيغة
النضالية التي تقتضيها المرحلة التي تتسم بالتحولات العميقة
التي تقتضيها عولمة اقتصاد السوق، و هذا النظر لا يتم إلا
بتحمل الأحزاب و المنظمات مسؤولية تطوير برامجها المرحلية
المبنية على معرفة دقيقة بتحولات الواقع ، حتى تكون أكثر نجاعة
في خدمة البرامج الاستراتيجية. و عملية التطوير يجب أن تستهدف
الصيغ التنظيمية، و الأيديولوجية و السياسية حتى تصبح أكثر
تأثيرا في الوعي الجماهيري الذي يقودها الى الفعل في الساحة
بقيادة فصائل حركة التحرير الوطني التي تسترجع بذلك دورها
التاريخي، و تقود نضالات الشعوب من أجل الحرية، و الديمقراطية،
و العدالة الاجتماعية.
و- تطوير المنهج الاشتراكي العلمي عن طريق جعله يستفيد مما حصل
من تطوير في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و
الثقافية و المدنية و السياسية، و في العلوم الحقة. لأن أي
تطور يحصل في الواقع يجب أن يكون مصحوبا بتوطير أدوات التعامل
التي تساعد على تفكيك الواقع تفكيكا علميا صحيحا، و العمل على
إعادة تركيبه بما يتناسب و تطلعات الجماهير الشعبية الكادحة. و
كل تقاعس في هذا الإطار، و كل سعي الى غير تطوير أدوات التحليل
سيجعل فصائل حركة التحرر الوطني غير قادرة على :
أولا :
المعرفة الحقيقية بالواقع. و ما يمكن أن نحصل عليه هو المعرفة
الزائفة التي لا تتجاوز مجرد نتيجة لأدوات لم تعد تساير
الواقع.
ثانيا :
وضع برنامج مؤثر فاعل في الواقع بسبب عدم امتلاك المعرفة
الحقيقية به.
ز- إعادة بناء نظرية حول العالم، و الاجتهاد في بناء نظريات
محلية تسترشد بها حركات التحرر الوطني، من اجل مناهضة الظواهر
المفرزة للحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، بالإضافة الى مناهضة
الأنظمة التابعة، لأن امتلاك النظرية في بعديها العام و الخاص
يعتبر مسألة أساسية بالنسبة لفصائل حركة التحرر الوطني التي
تجد نفسها مدفوعة لممارسة قناعتها الأيديولوجية و السياسية، و
تصورها التنظيمي، كما هي مدفوعة لقيادة النضال من أجل تحقيق
برامجها المطلبية و المرحلية، و هو ما يساهم في خلخلة الواقع،
و العمل على تغيير ميزان القوى لصالح الجماهير الكادحة.
4)
و للتخلص من إسلام أمريكا الذي أصبح يهيمن في حياة المسلمين و
بالشرط الأمريكي، لابد من اعتماد الخطوات التي نرى ضرورتها و
نجاعتها في إعادة التحول الإسلامي في الاتجاه الصحيح حتى يبقى
الإسلام طاهرا نظيفا من الادلجة الأمريكية عبر الأنظمة
التابعة، و من خلال التيارات المؤدلجة للدين الإسلامي، و هذه
الخطوات هي :
أ
–
النضال من أجل ديمقراطية حقيقية من الشعب و الى الشعب، و إجراء
انتخابات حرة و نزيهة، و بإشراف حكومة وطنية بمساهمة جميع
الأحزاب و النقابات، و الجمعيات الوطنية، و الشخصيات الفاعلة و
المؤثرة في الواقع الوطني، و تكوين حكومة منبثقة عن صناديق
الاقتراع عن طريق أغلبية برلمانية منسجمة، تكون مسؤولة أمام
البرلمان عن سياستها الاقتصادية، و الاجتماعية، و الثقافية، و
المدنية و السياسية.
ب- النضال من أجل إنسان بكافة الحقوق، سواء كانت تلك الحقوق
اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو مدنية أو سياسية، لأن
الحرمان منها يجعل المجتمع مشوها، و يجعل الناس قابلين للتخلي
عن كرامتهم مقابل الحصول على بعض الحاجيات الضرورية. لذلك
فتعبئة المجتمع من اجل انتزاع كافة الحقوق يعتبر ضروريا سواء
تعلق الأمر بعمل الأحزاب السياسية، أو المنظمات الجماهيرية
التي يجب أن تستحضر النضال الحقوقي بشكل مكثف في برامجها
المرحلية.
ج- النضال من أجل أن تبقى العقيدة بعيدة عن السياسة عن طريق
أدلجة الدين الإسلامي من قبل المثقفين المتنورين و الثوريين
الذين يكون عليهم أن يقدموا صورة حقيقية عن الإسلام سواء عبر
الكتابات أو عبر وسائل الإعلام السمعية البصرية، الى المسلمين
و الى كل الناس في العالم انطلاقا من تصور سليم، و صحيح عن
الإسلام و عن المسلمين، و وفق برنامج محدد يسعى الى تحقيق، و
عي حقيقي بالإسلام عند المسلمين، و العمل على الكشف عن
أيديولوجية الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، . لكن بالشروط
الموضوعية المنتجة للادلجة ، و الأهداف المتوخاة منها، حتى
يكون المسلمون على بينة من ذلك كله، لا لتضييق الخناق على
الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي. بل لأن الإسلام هو دين
الجميع، ولا يجوز أن يركبه أحد لتحقيق أهداف سياسية منحطة
لتخليص الإسلام و المسلمين من مرض أدلجة الدين الإسلامي.
د- تجريم استغلال المؤسسة الدينية في الأمور السياسية، حتى
و إن كانت هذه المؤسسة في ملك الخواص : لأن المؤسسة الدينية
المتمثلة في المساجد و المدارس و المعاهد الدينية العامة و
الخاصة بما في ذلك شعب الدراسات الإسلامية في الكليات، و
الكليات المختصة في شعب التعليم الأصيل هي أمكنة تتم المحافظة
على طهارتها من أجل أداء شعيرة الصلاة، و تذكير الناس بأمور
دينهم و دنياهم، و تعليم و تعلم كل ما يتعلق بالعقيدة و
الشريعة، و تطوير البحث فيهما انطلاقا من المناهج العلمية
المتطورة مهما كانت الجهة التي ساهمت في تطويرها ليس إلا. و هو
ما تم التنصيص عليه في القرءان الكريم : " و أن المساجد لله
فلا تدعو مع الله أحدا " باعتبار المساجد أماكن للعبادة و
التعلم و التداول في أمور الدين و الدنيا ودراسة تلك الأمور و
التعمق فيها في ذلك الوقت. و لذلك فلا يجوز أن يسمح لأحد
باستغلال المساجد بما في ذلك المؤدلجون للدين الإسلامي لصالح
الأنظمة التابعة ما دامت تلك الادلجة تسعى الى تحقيق مقاصد
أخرى غير المقاصد التي جاء بها الاسلام، و التي تنصب كلها على
تحقيق كرامة الإنسان. و إذا ثبتت ممارسة معينة فيما يخص
استغلال المساجد لغير عبادة الله. فإن ذلك يجب أن يعتبر جريمة
في حق المسلمين، كل المسلمين كيفما كانت ألسنتهم و ألوانهم
الذين كانوا، تاريخيا، يعانون من آفة استغلال المساجد في
الأمور السياسية الصرفة على يد المتنبئين الجدد الذين تعاقبوا
على المساجد عبر التاريخ الإسلامي. و يجب أن تنص القوانين
المعمول بها على أنواع الجرائم المرتكبة أو التي يحتمل أن
ترتكب في المساجد بما فيها استغلالها بتكريس أدلجة الدين
الإسلامي الذي قال فيه الله تعالى : " يحرفون الكلم عن مواضعه"
من أجل ممارسة التضليل على المسلمين، لأن الأيديولوجية تضليل
يعمي الأبصار عن حقيقة الإسلام.
ه
–
محاربة الظواهر المؤدية الى أدلجة الدين الإسلامي و المشجعة
على ذلك، كظواهر الفقر، و الجوع، و المرض، و الأمية و هي ظواهر
تعتبر تربة خصبة لتصريف الخطاب المؤدلج للدين الإسلامي. فالعمل
على توفير مناصب الشغل للعاطلين. و الرفع من الحد الأدنى
للاجور، و تشجيع إنشاء المقاولات الصغرى و المتوسطة، و فرض
مجانية التعليم و الصحة، و جعلهما في متناول جميع الناس، و
الحرص على جودة الخدمات المقدمة الى جميع الناس سواء كانوا
فقراء أو أغنياء، حتى يمتلك الناس جميعا الوعي بحفظ الكرامة
التي هي الملاذ لكل إنسان مهما كان شأنه، و محاربة مختلف
مستويات الأمية باعتبارها آفة تصيب المجتمع الإسلامي فتجعل
أشباه المتعلمين، و الذين لم يتعلموا تربة خصبة مستهدفة من قبل
مؤدلجي الدين الإسلامي، بل إن الأمر يقتضي اعتبار انتشار مثل
هذه الظواهر من الانتهاكات الجسيمة في حق الإنسانية و جرائم
يعاقب عليها القانون الجنائي الدولي.
و- تحديث القرى التي يسكنها المسلمون، و مدها بكافة الوسائل
كالماء، و الكهرباء، و الطرق، و المدارس، و المراكز الصحية، و
الصيدليات حتى يشعر سكان تلك القرى بإنسانيتهم، و يكون ذلك
عونا لهم على الاستفادة من حداثة العصر في الكثير من أوجه
الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و
السياسية، حتى لا يبقى سكان القرى المسلمون مفرخة لكل أشكال
التخلف الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و
هو ما يؤهلهم لتقبل الخطاب المؤدلج للدين الإسلامي. فتوفير
البنيات التحتية يساهم في رفع الانتاج، و يجعل المسلمين يحملون
وعيا متقدما يقود الى الاهتمام بتطوير الحياة و ما يجري فيها
بل و المساهمة ، و حسب الإمكان، في ذلك التطور، أي أنها تساعد
على الإبداع في المجتمع و الارتباط بالأرض/الوطن.
ز- تجريم ممارسة الشعوذة، و إنشاء شرطة أخلاقية خاصة من
المسلمين المخلصين لسلامة دينهم من كل أشكال التحريف، لرصد
الجرائم التي ترتكب في هذا المجال، و تفعيل بنود القانون
المتعلقة بذلك. فالمشعوذون ينشرون المعتقدات الخاطئة بين
المسلمين، و هو ما يساهم في إخصاب التربة القابلة لأدلجة الدين
الإسلامي.
ح- ممارسة الرقابة على تنظيمات المجتمع المدني حتى لا تزيغ عن
الأهداف المحددة في قوانينها الأساسية.لأنه غالبا ما يتم إنشاء
منظمة جماهيرية معينة لتحقيق أهداف معينة. فإذا بها تعمل على
تحقيق أهداف أخرى، من جملتها إعداد المسلمين لتقبل أدلجة الدين
الإسلامي، و محاربة الفكر العلماني، و التضييق على التنظيمات
الجماهيرية الجادة، و النيل من رموز التنوير في المجتمع. و
لذلك فوجود تشريع يساعد على ممارسة الرقابة على التنظيمات
الجماهيرية في مجتمعات المسلمين يعتبر أساسيا و ضروريا لحماية
المسلمين من الاستغلال الأيديولوجي للدين الإسلامي.
و بذلك يمكن أن يكتسب المسلمون مناعة ضد أدلجة العقيدة التي
هي حق للجميع، و لا يحق لأي جهة الوصاية عليها، و أن تستغلها
في الأمور السياسية لتحقي أهداف رخيصة، و الركوب عليها للوصول
الى الحكم لاستعباد المسلمين و الاستبداد بأمورهم، و تدجينهم و
دوس كرامتهم، و هو ما يتنافى مع جوهر التقوى كما جاء في قوله
تعالى : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و
خلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقوا الله
الذي تساءلون به و الأرحام.. إن الله كان عليكم رقيبا، و آتوا
اليتامى أموالهم، و لا تبدلوا الخبيث من الطيب، و لا تاكلوا
أموالهم الى أموالكم، إنه كان حوبا كبيرا "
إسلام
الطالبان أو الوجه الآخر للتطرف اليميني
:
و ما قلناه عن إسلام أمريكا و أنظمتها التابعة، و حركاتها
المدعومة لا يمكن وصفه إلا بالتطرف لقيامه على أساس التأويل
الأيديولوجي المغرض للدين الإسلامي، و لتوظيفه لتضليل الشعوب
الإسلامية، و هذا التطرف لا يمكن أن يكون إلا يمينيا، و هو
بذلك يحشر في نفس خانة إسلام الطالبان كمظهر من مظاهر التطرف
اليميني. و قد يقول قائل لماذا قامت هذه الحرب القذرة التي
تؤدي ضريبتها شعوب المسلمين. إذا كان كل من الإسلامين متطرفا ؟
و للإجابة على هذا السؤال نورد المثل العربي القائل : " النار
تأكل بضعها إن لم تجد ما تاكله " و هو مثل ينطبق على حالة
اليمين المتطرف سواء تعلق الأمر بأمريكا و حلفائها، أو
بالطالبان و حلفائهم. و هنا يمكن أن نورد سؤالا آخر هو : ما هو
التناقض القائم بين التطرفين اليمينيين ؟
إن أمريكا بحكم طبيعتها الهمجية تعتبر قمة التطرف الرأسمالي
اليميني على الصعيد العالمي، و هي التي تقف وراء عولمة اقتصاد
السوق التي تقودها الشركات العابرة للقارات التي تسعى الى
عولمة قيم الاستهلاك عن طريق وسائل الإعلام، و شبكة الانترنيت
لتحقيق المزيد من الأرباح، و دفع الدول الى بيع ممتلكات الشعوب
الى تلك الشركات. و تحول الدول مباشرة الى مجرد أجهزة أمنية
تحافظ على تلك الممتلكات، و تنظيم عملية استغلال الشعوب لصالح
تلك الشركات، و هو ما يؤدي الى إنتاج المزيد من الفقر في صفوف
شعوب المسلمين التي تعتبر مرتعا لاسلام الطالبان الذي يشكل
فيما سبق رأس حربة إسلام أمريكا و بدعم منها. و هذا الفقر الذي
ينتشر كالنار في الهشيم في صفوف الناس كنتيجة لعولمة اقتصاد
السوق، و بسبب تقليدية مجتمعات المسلمين، و شبه إقطاعية
أنظمتها برر اختلاف يمينية التطرف الطالباني عن يمينية التطرف
الأمريكي.
فيمينية التطرف الطالباني تعتمد على المرجعية الأيديولوجية
التقليدية التي كانت معتمدة لحماية مصالح الحكم المستبد في
تاريخ المسلمين الذي كان يشكل طبقة من الإقطاع. و هو ما يعتبر
منطقا للصدام الأيديولوجي مع أمريكا، عبر وسائل الإعلام
المختلفة. و بما أن أمريكا لا تملك المقومات التاريخية و
الأخلاقية للتأثير في نفوس المسلمين، و استقطاب شعوبهم تجاهها
فإن التطرف الطالباني سيتغلغل في نفوس المسلمين، و يتحول الى
عنصر جاذب ضد أمريكا، بعد أن كان عنصرا جاذبا لصالحها في
مواجهة الدول و الحركات الاشتراكية. و قد تطور الصراع
الأيديولوجي الى صراع سياسي برز فيه العداء المطلق بين أمريكا
و الطالبان، ترتب عنها حدوث عمليات تستهدف المصالح الأمريكية
في عدة أماكن من العالم، قامت أمريكا بتحميل مسؤوليتها لتنظيم
القاعدة الذي كان يحميه نظام الطالبان، و كان آخرها ما وقع في
11
شتنبر 2001
. مما أدى الى انهيار برجي مركز التجارة العالمي، و مقر
البانتاغون، و بذلك يتحول الصراع السياسي الى صراع عسكري، و
اقتصادي، و اجتماعي، و ثقافي يتوج بحشد الإمكانيات العسكرية
الأمريكية المدعومة من قبل حلفائها لضرب الطالبان و تنظيم
القاعدة في كل مظان وجود تنظيمات تشبه في أيديولوجيتها، و في
موقفها السياسي تنظيم القاعدة، و الطالبان. و عملية الحروب
التي تقوم بها أمريكا قد تدوم سنوات طوال. قبل أن تنهض الشعوب
نهضة حقيقية لتمارس الصراع الحقيقي ضد أمريكا بعيدا عن التوظيف
الأيديولوجي للدين الإسلامي أو لأي دين آخر.
فإسلام أمريكا و السلام الطالبان وجهان لعملة واحدة، إلا أن
تلك العملة تتحول الى نقيضين متضادين يسعى كل منهما الى تقويض
الآخر و القضاء عليه، و هو ما قامت به أمريكا التي قوضت
أفغانستان و قضت على الطالبان لتقيم لها هناك وجودا تتم
بواسطته السيطرة على منطقة القوقاز التي ستعتبر منطلقا للتغلغل
في أوربا الشرقية، و في آسيا. و هو ما كانت تحلم به أمريكا منذ
زمن، و تعتبره مستحيل التحقق، و يمكن اعتباره أفضل هدية قدمها
إسلام الطالبان الأمريكي الأصل الى أمريكا حتى تبقى متربعة على
عرش العالم بدون منازع.
2)
و يبرز عمق تطرف إسلام الطالبان، كما تشهد بذلك الوقائع، الى
المغالاة في مصادرة الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية
و المدنية و السياسية، و حقوق المرأة و الطفل، باعتبارها ذات
مصدر غربي إلحادي تجب مصادرتها، و منع تسربها الى منطقة حكم
الطالبان قبل سقوطها، و العمل على مصادرتها و تكريس الحرمان
منها في العديد من مناطق تواجد المسلمين في جميع أنحاء العالم
:
أ
–
فإسلام الطالبان يصادر الحقوق الاقتصادية عن طريق حرمان المرأة
من ممارسة مختلف الأنشطة المشروعة على المستوى العالمي و التي
لا تتناقض مع روح الشريعة الإسلامية . مما يساهم في كرامتها
كالاشتغال في التجارة و الصناعة و الزراعة و مختلف المهن
الحرة، و هو ما يعتبر أكبر خرق مورس في نهاية القرن العشرين و
بداية القرن الواحد و العشرين في حق المرأة الأفغانية ، و في
حق الأسرة الأفغانية و الرجل الأفغاني، و الوطن الأفغاني الذي
تتمثل في مظاهر سكانه كل أشكال الفقر المادي و المعنوي.
ب- و إسلام الطالبان يصادر الحقوق الاجتماعية عن طريق حرمان
المرأة من التعلم و العمل، و حرمان الفتيات من التمدرس. و فرض
نوع من اللباس الذي يكرس كون المرأة عورة، و فرض نمط من
التعليم على أبناء الشعب الأفغاني، و ربط تعليم الأطفال
بالتمرس على استعمال السلاح، و عدم العناية بالخدمات
الاجتماعية و تطويرها، و عدم الاهتمام بتعميم بناء المدارس و
المستشفيات على جميع المناطق السكنية، و عدم ضمان الشغل
للعاطلين، و عدم التعويض عن العطالة، و انعدام الحماية
الاجتماعية للسكان، و هو ما يتماشى مع التوجه الأيديولوجي
لحركة الطالبان الذي يمكن اختصاره في إعداد الذكور " للجهاد "
و الإناث للإنجاب ليس إلا، و ما يحتاج إليه الطالبان هو السلاح
الذي يمكن الحصول عليه من الغرب، أما المال فيأتي من الدول
الداعمة، و من الجمعيات التي تجمع الأموال و تستثمرها لصالح
الطالبان عبر العالم لتبقى الخدمات الاجتماعية الهادفة الى
تطوير المجتمع في ذمة العدم.
ج- و إسلام الطالبان لا علاقة له بالحرص على الحقوق الثقافية
التي يجب أن يتمتع بها مسلموا الأفغان، و بقية المسلمين في
العالم. فالثقافة الوحيدة التي يؤمم بواسطتها المسلمون هي
ثقافة أدلجة الدين الاسلامي، و ما سوى تلك الثقافة يخضع
للرقابة الصارمة من قبل متنبئي الطالبان، فيجيزونه أو يكرهون
الناس على تركه، أو يحرمونه بدعوى أنه غريب أو وثني أو أي شيء
من هذا القبيل، مما يجعل ثقافة المسلمين منغلقة، و غير قابلة
للتفاعل مع الثقافات الأخرى، و هو ما يكرس تخلفها ورجعيتها، و
تناقضها مع متطلبات العصر. و لذلك كان من اللازم مقاومة
الانغلاق الثقافي لإعطاء فرصة لاستفادة المسلمين من الثقافات
الأخرى من أجل تطوير واقعهم الاجتماعي و الفكري، مما يساعد على
تطوير الأوضاع الاقتصادية باعتبارها أساسا لكل تحول تعرفه
حياتهم السياسية.
د- و إسلام الطلبان لا علاقة له بالحقوق المدنية، فهو ضد
مساواة المرأة بالرجل أمام القانون. و لا يرغب أبدا في أن يكون
الناس جميعا سواسية أمام القانون، و ضد ملاءمة الشريعة مع
المواثيق الدولية، و ضد كل ما يؤدي الى استفادة الناس جميعا من
استقلال القضاء. و لذلك فالحقوق المدنية عندهم بدعة غربية تجب
مقاومتها حتى لا تتسرب العلمانية الى صفوف المسلمين، وحتى لا
يتخلى المسلمون عن دينهم و يتعلقون بأهذاب الغرب، و يتبعون
أفكاره الإلحادية، و كل من سولت له نفسه المطالبة بالتمتع
بالحقوق المدنية، فإن مصيره يكون مجهولا والإبقاء على تمتعه
بحق الحياة يبقى رهينا بإرادة الطالبان الذين شوهوا مجتمع
المسلمين بفرض نمط من اللحى ومن اللباس على المسلمين ومن
يرفض التنفيذ على مستوى المظهر فإنه يعذب عذابا شديدا حتى
يرضخ لإرادة الطالبان كما صرح غير واحد من الهاربين من جحيم
حكم الطالبان عبر وسائل الإعلام .
ه-
إسلام الطالبان ومصادرة الحقوق السياسية اعتقادا من الطالبان
أنهم ينوبون عن الله في الأرض وأن من حقهم فرض تصور معين
للحكم . فيحرمون حق تقرير المصير على الشعوب، وإقامة حكومة
وطنية للإشراف على انتخاب مجلس تأسيسي ، لوضع دستور تكون فيه
السيادة للشعب المسلم ، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تنبثق
عنها مجالس محلية وإقليمية ، و جهوية ووطنية تساهم في إفراز
حكومة من الأغلبية تقوم بمراقبتها ومحاسبتها . وإذا اقتضى
الأمر إقالتها وإفراز حكومة جديدة لخدمة مصالح المسلمين.
وتحريمهم لكل ذلك ناتج عن قناعتهم الأيديولوجية التي يسمونها
إسلاما، والتي يرفعون انطلاقا منها شعارهم الأيديولوجي : "
الاسلام دين ودولة " الذي يبيح لهم فرض أنفسهم أوصياء على
الدين وعلى الدولة معا في نفس الوقت . ولذلك فحق تقرير المصير
غير وارد عندهم، ولا يكون نظامهم–
ولو استمر –
إلا استبدادا .
و- وبناء على ما ذكرنا فإسلام الطالبان أصبح نموذجا يقتدى به
من قبل الكثير من الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي والطامحة
إلى السيطرة على أجهزة الدولة ، والمبثوثة في العديد من بلدان
المسلمين، وحتى تلقى إقبالا كبيرا وقبولا من قبل المسلمين
الذين ينطلي عليهم التضليل الأيديولوجي بسبب تفشي الأمية في
صفوفهم .
ز- و إسلام الطالبان الذي كان مدعوما من قبل أمريكا ومن قبل
الرجعية العربية وكل الأنظمة الأكثر تخلفا في العالم تركز
على استغلال الشعوب الإسلامية المغلوبة على أمرها من أجل
تجييشها لتحقيق أهداف الطالبان على المستوى العالمي ، والشعوب
المسلمة القابلة للاستغلال هي شعوب تعاني :
أولا :
من تفشي الأمية في صفوف أفرادها وهو ما يؤهلها لقبول الخطاب
المؤدلج للدين الإسلامي باعتباره إسلاما للطالبان .
ثانيا :
من انتشار الفقر بين المسلمين مما يجعلهم يعتقدون أن المشاكل
القائمة سيتم حلها بمجرد إقامة الدولة الإسلامية التي ليست
إلا شعارا أيديولوجيا وهميا .
ثالثا :
من انتشار الأمراض الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي
لها علاقة بالأنظمة الرأسمالية التابعة مما يجعل المسلمين
يتوهمون أن وصول الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي إلى
السيطرة على أجهزة الدولة سيقود إلى القضاء على تلك الأمراض.
رابعا :
استفحال الفساد الإداري الذي ينخر الأجهزة الإدارية في بلاد
المسلمين والذي يستغله الطالبانيون لاستقطاب المسلمين حول
إسلامهم وجعلهم يتهمون أنهم بتحقيق دولة إسلام الطالبان، كما
يبشر بذلك المتنبؤن الجدد، ستتحول بلاد المسلمين إلى بلاد
خالية من الفساد الإداري وستصبح الشريعة الإسلامية المطبقة
وسيلة ردعية ضد المفسدين. والواقع أن الشروط الموضوعية الممثلة
في غياب الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية ستبقى مفرزة
لذلك الفساد حتى في عهد الطالبان لكونهم ضد الحرية
والديموقراطية والعدالة الاجتماعية. فالفساد الإداري سيتحول في
ظلهم إلى فساد من نوع جديد يتجسد في استغلال النفوذ باسم
الاسلام وهو ما يتنافى مع الإسلام نفسه الذي يساوي بين الناس
ويمقت الممارسة التي لا علاقة لها بالإسلام كما ظهر .
خامسا :
وإلى جانب استغلال إسلام طالبان للفساد الإداري، هناك
استغلال الفساد القضائي الذي ينتج عنه قضاء يفتقد الاستقلالية،
ويبقى تابعا لتوجيهات الحاكمين الذين يستعلمون القضاء لبسط
سيطرتهم على المسلمين. ففساد القضاء في معظم بلاد المسلمين
يعتبر امتدادا للفساد الإداري ولذلك فإصلاحه يعتبر من البنود
التي يمكن إدراجها في نموذج إسلام الطالبان لإيهام المسلمين
بتحقيق قضاء نزيه ومستقل وواقع غير ذلك. فقضاء إسلام الطالبان
لا يتجاوز مجرد قضاء تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها
تعبيرا أيديولوجيا لإسلام الطالبان.
سادسا :
وإلى جانب ذلك فإسلام الطالبان وظف ويوظف الفساد السياسي
المستشري في بلاد المسلمين بشكل مكثف من أجل العمل على قيام
الدولة الإسلامية من منطلق أن الاسلام هو الحل فالفساد
السياسي يتمظهر في استبداد الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين
وتبعيتها وإشرافها على تزوير إرادة المسلمين لتشكيل مجالس
مزورة لا تعبر لا من قريب ولا من بعيد عن إرادة المسلمين ولذلك
فإسلام الطالبان ينفر المسلمين من الأنظمة التابعة انطلاقا من
المظاهر المشار إليها وهو ما يلقى إقبالا من المسلمين، ودعما
منه لاسلام الطالبان الذي صارت تعتمده الكثير من الحركات
المؤدلجة للدين الإسلامي في بلاد المسلمين .
سابعا :
تجييش المسلمين على أساس شعارات أيديولوجية طالبانية نذكر
منها :
- شعار " الإسلام هو الحل " الذي يرن في أذان المسلمين
لقناعتهم بأن الاسلام يحقق العدالة في مستوياتها المختلفة، إلا
أنهم يجهلون خلفيته الأيديولوجية التي تضللهم وتجعلهم منقادين
للطالبانيين ينفذون أوامرهم ويستعدون لتقديم تضحيات من أجل
تحقيق شعار" الاسلام هو الحل " الذي ليس إلا وصول الإسلام
الطالباني الى السلطة.
- و شعار " تطبيق الشريعة الإسلامية " الذي لا يتجاوز مجرد
تطبيق الحدود الواردة في القرءان الكريم، و التي لم تعد تتناسب
مع هذا العصر نظرا لتغير الشروط الموضوعية ، هذا بالإضافة إلى
أن هدف الإسلام الطالباني هو " جعل تطبيق الشريعة الإسلامية "
وسيلة للإخضاع، و الانتقام من المعارضين، و قمع شعوب المسلمين.
- و شعار " محاربة الإلحاد " الذي يهدف الى قطع الطريق أمام
الفكر العلماني، و الاشتراكي حتى لا يتغلغل في صفوف المسلمين ،
الذين يحنون الى الانعتاق من التخلف و القهر مما يسهل تقبلهم
الفكر العلماني و لذلك فرفع شعار " محاربة الإلحاد " يقود إلى
تحقق هدف الإسلام الطالباني.
- و شعار " محاربة الشيوعية " الذي يعتبر امتدادا لمحاربة شعار
الإلحاد نظرا لتطابقهما في فكر و ممارسة الإسلام الطالباني، مع
أن الشيوعية ليست إلا شعارا أيديولوجيا يهدف الى جعل الاقتصاد
و الحكم مشاعا بين الناس في مرحلة من التطور الاشتراكي يقتضي
انتفاء الدولة لانتفاء أسباب وجودها. و لذلك فمبرر رفع شعار
محاربة الشيوعية ليس إلا ممارسة أيديولوجية تهدف الى إيجاد
مبرر لإبادة الرافضين لإسلام الطالبان بدعوى انتمائهم الى "
الشيوعية الملحدة " كما حصل في أفغانستان، و في العديد من
مناطق العالم كامتداد للعداء الأمريكي للشيوعية.
- و شعار " محاربة أمريكا الشيطان " من خلال ضرب مصالحها عبر
العالم، و في أمريكا نفسها، من أجل إيهام المسلمين بأنهم سوف
ينتصرون عليها، و سوف يحققون عدالة الله في الأرض، و ينسون
أنهم صنيعو أمريكا، و أن عمالتهم لها و اعتمادهم على
إعلاناتها، و إعلامها في محاربة الاشتراكية و الاشتراكيين،
باسم الإلحاد و الشيوعية هو الذي وقف وراء شهرتهم، و التفاف
المسلمين حولهم، و لذلك فادعائهم محاربة أمريكا، و بواسطة
العمليات الانتحارية سيؤدي أولا الى قتل أناس لا علاقة لهم
بالنظام الأمريكي، و يمكن أن يكونوا أعداء له حتى من داخل
أمريكا نفسها. و ثانيا، فإن تلك العمليات الانتحارية ستكون
مبررا لمضاعفة همجية أمريكا، و خاصة في ظل عولمة اقتصاد السوق
الذي تراهن عليها أمريكا في امتصاص خيرات العالم، و باسم
الشرعية الدولية، و هو ما لم يدركه إسلام الطالبان، أو أنهم
يبيحون لأنفسهم أن يجمعوا في سلة واحدة كل من خالفهم الرأي، و
لم يسر على مناهجهم حتى و إن كان ضد أمريكا.
ثامنا :
توظيف الشعوب التي أفقرها النظام الرأسمالي العالمي من أجل
الوصول الى السلطة، و فرض وصايتهم على الإسلام، و باسم الإسلام
من أجل تحقيق :
-
حفظ العقيدة و الشريعة –
كما يرونها- أي من وجهة نظر ايديولوجية الطالبان، لأن خلاف تلك
الرؤيا الأيديولوجية لا يخدم مصلحة الإسلام الطالباني، و لا
يمكن أن يكون معبرا الى السلطة و لا الى المحافظة على التواجد
في السلطة، و نظرا لاعتقاد المنتمين الى الإسلام الطالباني
أنهم أوصياء على العقيدة و الشريعة. فإنهم يعطون لأنفسهم الحق
في كل من خلفهم الرأي حتى و إن كانت عقيدته صحيحة، و يجتهد في
تطبيق الشريعة الإسلامية في تجددها و تطورها، لا في جمودها .
إنه الإسلام الطالباني الذي لا يرى غيره يومن بالإسلام، يحتكر
الوصاية على الدين من قبل بدعم من أمريكا لمحاربة " المد
الشيوعي". و اليوم " بإرادة الله" فكأن الله من قبل كان
هو أمريكا و اليوم تحول الى ما يتصوره الإسلام الطالباني الذي
يتخلل نسيج مجتمعات المسلمين، لفرض القيم الطالبانية عبر
الحركات المؤدلجة للدين الإسلامي، و التي تحرم ما حرمه
الطالبان، و تحل ما احله الطالبان.. و ما احله الطالبان
بامتياز هو إراقة دماء المسلمين في كل القارات، و حتى في دول
لا يسود فيها المسلمون بدعوى حفظ العقيدة و الشريعة.
- تخريب الثراث الإنساني بدعوى إبادة الوثنية اقتداء بما كان
يفعله الرسول، فكأن الطالبان يعيشون مرحلة الرسول، و كأن
البشرية لم تغادر العصر الجاهلي الذي كان الناس فيه يعبدون
الأوثان، و كأن الناس في عصر العولمة لازالوا يعبدون الأوثان.
و إذا كانوا كذلك فمن المسؤول ؟ أليس الإسلام الطالباني
الذي " يحيي العظام و هي رميم " ؟ من أغلق جميع المنافذ ،
و منع عن الناس قراءة الصحف، و مشاهدة التلفزيون، و سماع
الاذاعات، و مشاهدة الأشرطة السينمائية، و قراءة الكتب و
المجلات، و بجميع اللغات هم من فعل ذلك بدعوى كونه وافدا من
الغرب الكافر؟ أليس إسلام الطالبان من يجعل المسلمين يؤلهون
الطالبانيين الى درجة العبادة هم أول من يفرض الشرك بالله ؟ و
حتى لا يعتقد المسلمون بغير إسلام الطالبان، و عبادة غير
الطالبان، و غير التنظيمات الموازية لهم من خلال عبادة الرموز
يلجأون الى تحريف التراث الحضاري الانساني، و يرتكبون جريمة
عظمى عندما يحرمون الإنسانية من التمتع بذلك التراث الذي يضرب
في عمق التاريخ، و يشهد بعظمة ما نعبد.
و إن أهم ما يساعد البشرية، و خاصة المسلمين على طرد الوثنية
من الفكر و الممارسة هو الانفتاح على العصر و التفاعل مع
مكوناته و إعطاء إمكانية للمسلمين لتطوير قيمهم النبيلة
انطلاقا من ذلك التفاعل مع التاريخ، و مع مكونات الحاضر و
طموحات المستقبل.
و
مما يوهم به الإسلام الطالباني هو إمكانية قطع العل