الذي تبقى من الاشتراكية ، الطريق الواضح اليها -  سلام صادق

 

خلال فترة اعتقاله المديدة ، عمد انطونيو غرامشي الى تدوين ملاحظاته المهمة ، التي مافتأ الفكر اليساري يستشهد بها ويناقش محتواها ودلالاتها الى يومنا هذاوكان المفتاح لاراءه تلك ، مازال موجودا بين ايدينا، واعني به آلالاف من الصفحات التي ركن اليها الكاتب اليساري السويدي اندرش انمارك في تناول غرامشي كشخصية مناضلة وكمجموعة افكار وكذلك الحركة العمالية الايطالية انذاك ، منابعها وابعادها ، في كتابه المهم والصادر حديثا عن منشورات نورستيدس والمعنون مدينة في ضياء

فغرامشي الذي راى النور عام 1891 وفي اشد احياء ايطاليا فقرا وتخلفا ، كانت حياته السياسية قصيرة جدا  ولكنها ساطعة  كالشهاب في سماء الفكر ، حيث امتدت منذ عام 1921 حين ساهم وبفاعلية في تاسيس الحزب الشيوعي الايطالي وحتى اصبح بعد ذلك بثلاث سنوات اي في عام 1924 عضوا في البرلمان عن كتلة المعارضة ، حيث تم ايداعه السجن بعد هذا التاريخ من قبل موسوليني 

ان تناول افكار غرامشي وملاحظاته وتحليلاته في هذا الاصدار الجديد لم ياتِ اعتباطا ، حيث ان هذه الافكار كان لها وقع كبير في بلورة الحياة السياسية الايطالية خاصة في حقبة الستينات، حين غزت الشارع وراحت تستحوذ على ماهية الصراع السياسي الذي كان سائدا آنذاك ومازال لهذا اليوم وان كان بحلقات اضيق من السابق 

ومنذ ذلك الوقت المبكر قام الكاتب اليساري السويدي اندرش انمارك بقراءة واستيعاب كتابات غرامشي وملاحظاته وتعليقاته التي كتبها في السجن واضفت على مؤلفاته السابقة عمقا جديدا ، والتي بدونها ماكان بالامكان الاسهام في النقاش الدائر آنذاك ، حيث انها سلطت الضوء على الكثير وفسرت الكثير مما كتبه بطريقة اتسمت بالمرونة قياسا ببعض التنظيرات الاخرى التي زامنتها 

ان عودة انمارك لتناول افكار غرامشي والكتابة عنها مجددا وعن شخصيته بالذات يتحدد اليوم بمعطى جديد ومعاصر يصاغ على شكل سؤال مهم وهو :ماذا تبقى من الاشتراكية ؟ 

فحينما تقع الاشتراكية في مأزق وتواجه صعوبات على مستوى التطبيق وتتلكأ جدلية الافكار كما هو مألوف اليوم، او كما في زمن غرامشي وبحدود اضيق ، تتولى الخلفيات الفلسفية والفكرية الصعود بهذه الاطروحات الى السطح في محاولة للاجابة على الاسئلة المستعصية ، وتناولها من جديد وإن بشكل مختلف كما يقول انمارك وانطلاقا من خصوصية المرحلة الزمنية  

ففي كتابه ( مدينة في ضياء ) يعمد انمارك ويرغب في التذكير بان الخطوط الاساسية للاتجاهات الثورية واليسارية ، لايفتأ يستمر ويتوالد ويتطور في رحم المجتمعات ، حتى دون ان يُرى او يظهر للعيان على شكل تمارين او تطبيقات وباشكال واضحة ومكرسة على ارض الواقع  

لقد اسهم غرامشي في نقض او اعادة بناء وتطوير الكثير من الافكار التي عكف عليها ليفيوس وكذلك ميكيافيلي والتي تخص موضوعة ولادة المواطن والمواطنة ، غير ان غرامشي كان مؤمنا بشيء محدد ومسلّم به وهو اهمية بناء قواعد الفكر الجماهيري ، ووثوقه من ان الارتقاء بعملية تطوير الوعي الجماهيري له اهمية تنعكس بشكل مباشر وعلى كل المستويات الاخرى ، فمن خلال الصراع الفكري والثقافي يمكن ان يتغير زمام مقاليد السيطرة الثقافية ، وهذا بدوره سيرفع من دور ومشاركة حتى الطبقات البرجوازية وجعلها تقترب من الحقيقة والعقلانية بارادتها او بدونها  

كان غرامشي جازما بان الجماهير بمشاركتها الفعالة وبمساهماتها الواعية تستطيع من صنع الظروف المؤاتية للوصول الى السلطة ، وما يستتبع ذلك من توزيعها ( السلطة) من اجل تحقيق الحرية وارادة التحرر ، وهذه هي بالذات الفكرة الاساسية والرئيسية للفكر اليساري ، انه يتمحور حول ادارة الجماهير وتوزيع السلطة بارادتها 

ان الاجابة التي يؤكد انمارك على انه وجدها عند غرامشي مبثوثة بين صفحات افكاره، هي ان ماتبقى من الاشتراكية -وبكل بساطة- هو طريقها الموصل اليها والى الديمقراطية اخيرا ، لكن استنتاج انمارك هذا يبدو وكانه مصاب بشلل جزئي ، ولم يعرضه كما لو كان محورا مركزيا تدور في فلكه الكثير من المحاور الاخرى المعروفة ، في كتابه المذكور مدينة في ضياء

ان اهمية الكتاب تكمن في انه مبهور بالرغبة في بعث افكار غرامشي وازالة ماعلق بها من غبار واعادة اكتشافها وعرضها في الهواء الطلق من جديد ، في وقت اصبح فيه اليسار الديمقراطي في ايطاليا( فاقدا السلطة لصالح احد المهرجين ) ويعني به برلسكوني ، ولهذا يؤكد بان على القوى اليسار والديمقراطية ان تعود الى النبع لتغترف منه بعضا من احلامها القديمة واعطاءها شحنات جديدة ستدفع ببراعم جديدة للتفتق والازدهار

لكن انمارك نفسه يصيب الخط الفكري لغرامشي احيانا باحباطات والتواءات شديدة وكانما هو يتقصد ذلك، بدلا من التحليل المباشر والواضح والمتوازن ، وقد يكون السبب في ذلك هو ان غرامشي وضع افكاره وعلى الدوام موضع مسائلة وتجريب واعادة نظر وبوسيلة اشتهر بها ، تتلخص في عمله مسودات لاعماله تشتمل على آراء وافكار اكثر او اقل اهمية من كتاباته الاصلية

ثم ان انمارك يبدو - وفي بعض المواضع- وكانه مولع بالانتقاد فقط ومحاولة جر القاريء الى طريقة بحثه في الفحص والتقييم ، فبمقاطع قصيرة ومكثفة يسبغ انمارك انطباعاته الشخصية على قضايا فكرية على درجة كبيرة من الاهمية شغلت الفكر السياسي لقرون ، او يلغي تماما اهمية بعضها الآخر ، هكذا دفعة واحدة وبجمل وعبارات قصيرة لاتشبع نهم القاريء في الوصول الى الحقائق المعرفية ، بينما يستفيض احيانا اخرى في التاكيد على احداث عابرة وغير ذات اهمية يستمدها من تفاصيل حياة غرامشي ويعطيها ثقلا كبيرا خاصة عندما يزن افكار غرامشي على ضوءها وفي هديها 

فقد اعطى وزنا كبيرا لتفاصيل واحداث رسخت في ذاكرته من خلال اقامته الطويلة  وزياراته المتكررة الى ايطاليا موطن غرامشي  وتتبع اثارها عليه هو شخصيا (معايشاته) وعمل مقارنة لها مع افكار غرامشي واستنتاجاته او تناولها بالنقد على ضوء تجاربه الخاصة 

ان حصيلة افكار انمارك في كتابه الموسوم ( مدينة في ضياء) تعتم احيانا على افكار غرامشي او تسلط عليها ضوءا ساطعا يعمي البصر ، وفي كلتا الحالتين لايستطيع القاريء سبر ماتحت سطحها ومعاينتها او التمعن في معانيها العميقة، لكنه وفي نفس الوقت يحقق اقترابا كبيرا من حياة ونضال انطونيو غرامشي كمفكر بارز وكمناضل سياسي في آن واحد

 سلام صادق

عنوان الكتاب / مدينة في ضياء

المؤلف / الكاتب والمفكر اليساري السويدي اندرش إنمارك

الناشر / نورستيدتس

تاريخ النشر / 2005

تم عرض الكتاب عن لغته الاصلية - السويدية

 

الثقافة الجديدة

رئيس التحرير_رائد فهمي 

تصدر في بغداد    -شارع ابي نؤاس

المواد المنشورة تعبر عن أراء اصحابها

ترجو هيئة التحرير  الأخوة المساهمين في المجلة مراعاة ما يلي في ما يرسلون للنشر

أن تكون المقالة مستوفية لشروط النشر من حيث وضوح التعبير وسلامة اللغة. 

يفضل أن تكون المادة مطبوعة على الكومبيوتر ومرسلة عبر البريد الإلكتروني. أما المكتوبة باليد فنرجو إرسال نسختها الأصلية.

ألا يتجاوز حجم المادة 4000 كلمة.

لا تعاد المادة غير المرشحة للنشر، وتتولى المجلة إعلام صاحبها بذلك.

بالنسبة للمادة المرسلة عبر البريد الإلكتروني، تلتزم المجلة بإعلام كاتبها عن صلاحيتها للنشر وذلك خلال  شهر واحد من تاريخ وصولها. 

للمجلة حق إعداد أو اختصار التعقيبات التي تردها.

راسلونا رجاءا

البريد