سيرورة التغيير المجتمعي : صراع الحداثة والتقليدية *-  ودود حمد

  مقدمة

  ما يحدث في العالم العربي عموماً والعراق خصوصاً يثير حفيظة الكير ممن تهمهم مصلحة الشعوب وحفها في حياة حرة سعيدة. ثمة تشوش أخلاقي ومعرفي يسود المناخ الفكري العام ، إذ سيحصل الخلط – المتعمد أحياناً – بين الجانب الروحي للثقافة الدينية والتطبيقات الفعلية الآنية.

 من اجل فهم حقيقي للتغيير الاجتماعي، ينبغي أن يكون المرء مخلصاُ في تقديم صورة موضوعية لما يحدث، بما في ذلك الجوانب السلبية. لا أن يقدّم صورة لما يتمنى لو حَدَثَ. نسعى في هذا المقال إلى تقديم مساهمة حول البنى التاريخية والثقافية والاجتماعية للفكر الديني وتطور انعكاساته المجتمعية : جدلية العلاقة بين الدين والثقافة من جهة ، وماهية الممارسات السياسية للأهداف الدينية الصبغة، من جهة أخرى.

 مهمتان ملحتان تستوجبان السجال الفكري والنقد الجريء :

أولاً ، الصراع الفكري بين الحداثة والتقليدية في المجتمع، وفي حال العراق يتجلى هذا الصراع الفكري بأوجه متعددة – عنيفة ودموية في بعضها –  بعد شلل فكري وتذبذب أخلاقي وتحلل مجتمعي طيلة ثلاث عقود ونيف. نحن الآن في وضع تائه بين اللاحداثة واللاتقليدية، والقادم سيحدد طبيعة المسار، حداثة، حداثة مشوهة، تقليدية أم انهيار تام.

 العامل الثاني المرتبط جدلياً بالصراع الفكري الأنف الذكر هو الوعي بالهوية. لقد دمرت الأنظمة الشوفينية الحاكمة في العراق إنسانية المرء جوهراً وتفصيلاً، ولم يعد للمواطنة معنىً سوى ترديد الشعارات المنمّقة. من هو العراقي ؟ ماذا يسعى لأن يكون ؟ أنساناً أولاً، وبالتالي يتطور ويتقدم ويبني مجتمعاً خلاّقاً ؟ أم شخصاً فئوياً : قومياً كان أم طائفياً ؟

 الثقافة والعقلانية : الشرق مقابل الغرب

 أصبح وصف الحضارة الشرقية بالروحية والغيبية، أو الحضارات التي تفتقر فلسفياً إلى أية قواعد مادية، صيغة جاهزة. وأصبحت شعوب الشرق توصف بأنها جماعات من المتعصبين، العاطفيين المجرّدين من أي تفكير عقلاني أو تحليل معرفي : تغلغل ظاهرة الإسلام السلفي في ميادين الحياة اليومية من المحيط إلى الخليج تترك قليلاً من الشك. إلاّ أن التحليل العلمي يتطلب منّا سبر أغوار هذه الظاهرة والتدقيق في تكوينها وتحليل مسارها.

 الحضارات – أياً كانت – في الأساس خاضعة لعاملين : الزمن والبنية الاجتماعية. وليس بالإمكان لحضارة ما الازدهار، أو حتى الاستمرار، ما لم تكن ديناميكية وتحافظ على علاقات وثيقة مع الحضارات الأخرى. في البلدان التي كانت  مستعمرة، خلقت ظروف الاستعمار حالة استقطاب : جزء من  المجتمع المستَعمَر تابع للقوى الاستعمارية ، وجزء آخر معاد، ولكن لا يمتلك الأساس النظري والعملي اللازم من أجل تطوير ناله المطلوب. وكمثال على ذلك: محاولات بعض الحداثيين الليبراليين قطع أية صلة للحالة (1) العربية المعاصرة مع الماضي ، وإقرارهم أن السبب الوحيد  الذي يكمن وراء المشاكل الموجودة في العالم العربي اليوم ليس إلاّ مخلفات التراث العربي الإسلامي ، وهم بذلك يسعون إلى فرض أي مظهر من مظاهر الحياة الغربية بالقوة ( لأنها حضارة مسيطرة) وبدون إجراء تحليل معمق للعوامل الموجودة على أرض الواقع. وتنطوي مقاربة  الإسلاميين الأصوليين  للمشكلة على نفس القدر من الضرر حيث يتبنون وجهة أنهم يتبنون وجهة نظر مناقضة تماماً ويدعون أن آثام الحضارة الغربية وشرورها هي التي أدت إلى أدّت إلى اندثار الإرث الإسلامي ، ولذلك يدعون إلى التخلص التام مما هو عصري أو ذي صلة بالغرب بحيث تتم المحافظة على " الماضي المجيد". تفترض كلا وجهتي النظر السابقتين سكون الثقافة وإمكان عزلها عن محيطها أو العوالم المتصلة بهذا المحيط : وهنا يكمن أساس الخلل المدمِّر لجوهر التقدم والتطور : التجريد والانغلاق. 

 هذه الظاهرة تجسّد الشيزوفرينيا  التي تعيشها المجتمعات العربية : وهي في الأساس حصيلة انحسار العقلانية والتي تؤدي بالضرورة إلى تفشي الممارسات الطفيلية. فالإسلامي الأصولي يعيش حالة تضاد بين الرغبة في التمسك بنظام اجتماعي لا يمّت بصلة بالحاضر، ومن ناحية أخرى يُغالي في استهلاك كل ما تقدمه الحضارة الغربية من تطور علمي وتكنولوجي. وقد يعادي الليبرالي محاولة الرجوع إلى نظام اجتماعي بائد ، إلا انه يرفض فهم سر شيوع ظاهرة التدين – الواسعة أساساً ن ولا سيما بصبغتها الأصولية ، بين أوساط حاملي الشهادات العلمية وأصحاب بعض الخبرات في العمل أو الدراسة في بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية : يكمن السرّ في حالة الضياع الوجودي : فقدان الهوية. ولا يقل الليبرالي ضياعاً عن ذلك الإسلامي الأصولي، إذ يحاول أن يسلخ المجتمع من تراثه الفولكلوري وعناصر النمو الاجتماعي والثقافي من خلال فرض ثقافة هجينة تكرّس اللاعقلانية في حياة الفرد وتساهم في تهميش وعيه السياسي والمعرفي. لذا نتلمس شيوع برامج تلفزيونية على جميع القنوات الفضائية موّحدة في معاداة العقل والنقد البنّاء تتراوح بين الفيديوكليب الغنائي – الذي يفوق ما أنتجته هوليوود من إباحية جنسية وسذاجة موسيقية –  وبرامج " من سيربح المليون" و "ستار أكاديمي" وغيرها على هذه الشاكلة. وبين برامج تتحدث باسم الدين عن تكفير هذه الجماعة أو الطائفة وتزييف التاريخ الإسلامي عن طريق اختلاق قصص وهمية لطبيعة الصراع الفكري بين الحداثة والتخلف على أساس صراع بين الإسلام والكفر. وتهتم مجمل هذه البرامج بلباس المرأة ولونه أكثر بكثير من الأميّة المتفشية بين ناطقي لغة القرآن.  

 تتشابه هذه البرامج في سعيها لتلقين المرء ، ولا تناقشه من خلال طرح  أفكار وتحليلات تم نقدها : انحسار العقلانية ، بل تهميشها ! ولا يقتصر هذا " السفِلس الثقافي" (2 ) على المرئي والمسموع بل يتجلى في المطبوعات من مجلات وكتب. وفي الوقت الذي تعاني فيه المجلات الأدبية والتحليلية الرصينة من صعوبات مالية جمّة تسعى بجهود استثنائية لتجاوزها – وأحياناً تفشل، نلاحظ تفشي مجلات الورق الصقيل المفعمة بخزعبلات كتابية تدعى تجنياً قصة أو قصيدة أو عرض اجتماعي ويطغى على هذا المجموع الورقي الصقيل الصور البالغة الرتوش لمشاهير الشرق والغرب، ورسائل القراء الغارقين قي بحر التيه المفصحين  عن محبتهم الجمّة لهذا الممثل أو تلك المغنية – صاحبة الجسد الفاتن. ما هو المحتوى المعرفي لما يملأ صفحات هذه المجلات – الواسعة الانتشار من المحيط إلى الخليج والمدعومة أساساً من المؤسسات الإعلامية الخليجية والمتركزة معظمها في بيروت ودبي ؟ هل من خيار آخر واضح أمام شاب أو شابة يحاولان تفهم ما يجري حولهم من ركود ثقافي وانهيار سياسي وسقوط أخلاقي ؟

 من وجهة نظر نقدية للدين إلى نقد الحالة الراهنة

أن القيمة المادية للدين تنبع مما يتكشف عنه الدين من خلال الألم الذي يسعى للتعبير عنه والسمو الروحي فوق هذا الألم. ويتم هذا عبر الممارسات الحياتية اليومية وتناقضات العالم الذي يعيش فيه الناس ؛ إنهم يستشعرون تينك التناقضات من خلال تأثيراتها الضارة والهدّامة على المجتمع ، ويتجلى ذلك في تظاهرات ذات شكل ديني. ومن هذا المنطلق يستوجب قراءة القول المأثور لماركس : " إن الانتعاش الديني هو تعبير عن الحالة الراهنة من جهة ن واحتجاج عليها من جهة أخرى. أن الدين هو متنفس البشر المقموعين، هو الدفء في عالم لا مبالٍ كما انه روحانية الظروف الاجتماعية السائدة التي لا مكان فيها للروح. الدين هو أفيون الشعوب . "  أن تشبيه الدين بالأفيون لا يعني أن الدين يُفقد الناس قدراتهم العقلية والإدراكية ، بل أنه في الحقيقة يعمل كمهدئ ، مزيل لآلام ومعاناة البشر, فالأفيون – كما هو الحال اليوم مع الكثير من العقارات الطبية الأخرى – كان يستخدم خلال القرن التاسع عشر كدواء. (وبالتالي فالمقارنة ايجابية الفحوى وموضوعية.)  

وعليه يجب أن نبني أي نقد حقيقي للدين على أساس تغيير العالم واستئصال مسببات المعاناة والفقر للبشر. أن التخلي عن كافة الاعتقادات الخاطئة التي يكّونها الناس حول الشروط المحيطة بهم ، والتخلي عن أية حالة تقوم على الأوهام يشكلان جوهر سعي الإنسان إلى تحقيق السعادة الحقّة. وهكذا فأن نقداً للدين هو نقد لفيض المآسي الاجتماعية الذي تشكل الغيبية والاتكالية جزئيها الأعظم. أن تكون راضياً بعقيدة جامدة، وتطلب من الناس التصدي للدين بدون تغيير الشروط الاجتماعية التي خَلَقَت معاناتهم ، هو عمل صفيق خالٍ من أي تقدير لمشاعر البشر وينقصه الإقناع الاجتماعي (4).

 إن عالم الدين هو انعكاس للعالم الحقيقي ، ولكنه انعكاس غير مباشر وبعيد عن الأساس المادي للدين ، ولذلك لا يمكن الاستدلال عن المنحى الاجتماعي من خلاله. إن المعتقدات الدينية تتطلب ، في الجوهر، مجموعتين من الشروط من أجل تطورها . الأولى ، حاجة عملية للناس للاعتقاد بأنهم يملكون السيطرة على حياتهم الشخصية، والثانية ن حاجة نظرية لفهم ارتباطهم بالطبيعة ، بالآخرين والمجتمع ككل إلاّ أنه في الواقع لم ينجح الناس – حتى الآن – في تحقيق هذه السيطرة النظرية والعملية على حياتهم ، لأن القوى الصعبة السيطرة عليها غريبة عنهم وخارجية. كما تبدو تواجه الناس بأسلوب تهديدي. هذه الثنائية : أي كون القوى المهدِّدة غريبة وخارجية ، تلّخص المشاعر المناقضة تماماً لما كان يُفترَض أن يُغرس في النفوس – أي عدم قدرة المرء على ممارسة أي شكل من أشكال السيطرة على ما يتعلق بالتسيير الشامل للشؤون الدنيوية. ومن ثم تتفاعل هذه الثنائية مع أخرى ، اليأس والأمل ، ليصبح الدين المنقذ (النظري) للخروج من دوامة اليأس والإحباط : الأمل يغدو موضوعاً غيبياً يقرّره " الخالق" إذ لا حول ولا قوة للإنسان في خلق الظروف المؤاتية لبلوغه.

 فإذا تجلت العلاقة بين النص الديني وبين الشروط الاجتماعية التي تلقي الضوء على تكوينه وتطوره ، لماذا – إذن – وكيف تؤدي هذه الشروط إلى نشوء الدين ؟

 لا يمكن تحديد العوامل التي تؤسس لبداية دين ما وانتشاره عن طريق العودة فقط إلى الدين نفسه وإلى تطور الفكر داخل هذا الدين. بل يجب معرفة كيف تمكّن هذا الدين من إيجاد موقع يمكنه التأثير فيه، وكيف أمكن لرسالة هذا الدين أن تصل إلى الناس. وذلك لأنه لا يمكن لدين ما أن يتوطد حقيقةً ما لم تعلن مجموعة اجتماعية ارتباطها الفعلي بهذا الدين، وبالتالي تستمد لعض الطقوس من تعاليمه. إذن ، كيف ينشأ دين ما ؟ لماذا يكسب أتباعاً له ؟ وكيف يتطور ؟

نظرت المدرسة التقليدية في الفلسفة المادية للدين على أنه رفض للفلسفة والعلم. كما أنها رأت أن الدين هوصيغة مضلّلة للفلسفة والعلم ، بل خطرة.

 

الثقافة الجديدة

رئيس التحرير_رائد فهمي 

تصدر في بغداد    -شارع ابي نؤاس

المواد المنشورة تعبر عن أراء اصحابها

ترجو هيئة التحرير  الأخوة المساهمين في المجلة مراعاة ما يلي في ما يرسلون للنشر

أن تكون المقالة مستوفية لشروط النشر من حيث وضوح التعبير وسلامة اللغة. 

يفضل أن تكون المادة مطبوعة على الكومبيوتر ومرسلة عبر البريد الإلكتروني. أما المكتوبة باليد فنرجو إرسال نسختها الأصلية.

ألا يتجاوز حجم المادة 4000 كلمة.

لا تعاد المادة غير المرشحة للنشر، وتتولى المجلة إعلام صاحبها بذلك.

بالنسبة للمادة المرسلة عبر البريد الإلكتروني، تلتزم المجلة بإعلام كاتبها عن صلاحيتها للنشر وذلك خلال  شهر واحد من تاريخ وصولها. 

للمجلة حق إعداد أو اختصار التعقيبات التي تردها.

راسلونا رجاءا

البريد