|
كلمة العدد
333-334
رغم مرور أكثر من ست سنوات ونصف على
انهيار النظام الدكتاتوري ما زالت إشكالية
المثقف والثقافة عموماً تثير، في الواقع
العملي وليس الافتراضي، العديد من
الإشكاليات التي تستحث حوارا خصبا لا
يتوقف عند حدود المسلمات الجاهزة
والعموميات بشأن دور المثقف في المرحلة
الانتقالية التي تواجهها بلادنا اليوم.
لقد سعت السلطة الدكتاتورية
المقبورة لتشويه وظيفة الإبداع وسمتها
الاجتماعية، وحولتها إلى وظيفة لإنتاج
وإعادة إنتاج الاستبداد، وحوّلت المعرفة إلى
أداة لتبرير إيديولوجيا الاستبداد القائمة
على وحدانية المرجعية. هكذا تحولت الثقافة
ومنتجيها إلى البرهنة، في كل لحظة، على أن
شرعيتها الوحيدة هي الدفاع عن " شرعية "
الاستبداد، الذي لم يعد مجرد ممارسات على
المستوى السياسي، بل وكذلك ايديولوجيا حيث
تم حبس عملية المعرفة التي يحتاجها المجتمع
في اقمطة لا يجوز التمدد خارجها!. هكذا سعى
النظام المنهار إلى تحويل المثقف إلى كاتب
تقارير وداعية وشارح لـ " معرفة " السلطة
القمعية التي كانت تفرض علاقات الامتثال
وتأدية فروض الطاعة، وتحارب النقد والحوار
مع الآخر، وتعاقب المعارضين بأشد العقوبات.
ورغم محاولات السلطة المذكورة لتنميط
النشاط الثقافي، كما هو الامر على الاصعدة
الاخرى، فقد شهدت العقود الأخيرة معارك
معمدة بالدم في كثيرمن الاحيان بين المثقفين
المناهضين لهذا التنميط وبين السلطة. وكانت
السلط على تنوعها، بحكم احتكارها لوسائل
القمع والارغام، تنتصر في كثير من الأحيان،
مما أشاع مناخا من الاغتراب المعمم، أحس فيه
المواطن مثقفا كان أو غير مثقف، انه فقد
السيطرة على عالمه. وهكذا ضعف صوت المثقفين
النقديين، لأن من جرؤَ على النقد كان يفقد
حياته أو يغيب في السجون، أو يفرض عليه
المنفى فرضا، واختار قطاع واسع من المثقفين
أن ينفوا أنفسهم اختيارا داخل البلاد. ولولا
جذورها العميقة لما استطاعت الثقافة الوطنية
والديمقراطية العراقية أن تقاوم هذه الموجات
من العنف والتدمير
أما في ظل الظروف الحالية التي تواجه
بلادنا، وحيث الأزمة البنيوية العميقة، على
مختلف الصعد، يجد المثقف نفسه أمام مشكلات
حقيقية، ويتطلب الوضع الحالي منه أن ينهض
بأكثر من دور. فعدا عن دوره الرئيس كمبدع،
وصائغ للقيم الجمالية، هناك الدور السياسي
المباشر، الذي لا يعني بالضرورة النشاط
السياسي بصيغته اليومية وتفاصيله، وإنما
ممارسة المثقف الديمقراطي لموقفه كانسان حر
يدافع عن مُثل وقيم إنسانية رفيعة، ويسعى
إلى تجسيد مسؤوليته عن قضايا شعبه وثقافته
التي ينتمي إليها.
ثمة
إذاً أسئلة تطرح نفسها بشأن الدور الذي
ينبغي أن يضطلع به المبدع والمثقف بشكل عام،
ومن بينها:
-
كيف
يمكن للمثقف أن يصوغ الواقع الجديد وأسئلته
الملتبسة واشكالياته المعقدة في مشروع يتلمس
ملموسيا جدل العام/الخاص/الفردي، يجمع بين
الهم الوطني العام والواقع الجديد؟
-
كيف
يمكن للمثقف أو المبدع، كمنتج للمعرفة وحامل
للواء التغيير، أن يصوغ هذا الواقع المتمرد
في عمل إبداعي أو خطاب يتجاوز البيان
السياسي المباشر أو صراخ الدرس الأيديولوجي
التبريري؟
-
كيف
يمكن لمنتج المعرفة هذا أن يعيد صياغة
مشروعه الإبداعي المستقل دون أن يتخلى أو
ينقطع عن الحلم العام، أي الاندراج في
الكفاح من أجل وطن مستقل ومتحرر من كل أشكال
القمع الفعلي والرمزي ومخاطر الحروب
الخارجية والداخلية وقياماتها التي شهدناها
خلال العقود الأخيرة؟
ثمة، إذاً، إشكاليات أساسية تحدد
وتلقي بثقلها على السؤال الإبداعي ووظيفة
المثقف منتج المعرفة وهو هنا المثقف العضوي،
حسب تعبير غرامشي. ومن المفيد التذكير بأن
لمثل هذا المثقف مهاماً متشعبة ومتنوعة،
تندرج ضمن خلق التراكم المعرفي المطلوب،
والحفاظ على ذاكرة جمعية متقدة في مواجهة
إشكاليات الواقع المعقد والمتوتر والمفتوح
على احتمالات عدة.
وإذا كان المطلوب منا اليوم كعراقيين، بعد
كل الكوارث الأحادية السيئة الصيت، أن نسعى
للمساهمة في تأسيس الأرضية الصحيحة لمجتمع
جديد يتضمن قيما متنوعة، من بينها: التنوع،
والتعددية، والديمقراطية، واحترام الرأي
الآخر وتعلم، بل واكتساب نزعة الاستماع
للآخر، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة على
المثقف هو: كيف وبأي الوسائل، يمكن له أن
يساهم في خلق الأرضية لتوفير الشروط لممارسة
ديمقراطية حقة بامكانها أن تساعد في تجاوز
التخندق وراء الأحاديات و" الوعي " الذي
يعتقد أنه مستودع الحقيقة وحارسها الأمين.
ومن
هنا أهمية التأكيد الخاص والاستثنائي، في
هذه المرحلة المضطربة، على أهميّة دور
المثقفين والمبدعين الوطنيين والديمقراطيين
في تثبيت التوجهات والخيارات الوطنية الكبرى
كبدائل للخيارات الطائفية وما يرتبط بها من
محاصصات، والرهان المستمر على قدرة النخبة
الوطنية بمختلف اتجاهاتها الفكرية والسياسية
في مجال بلورة الرؤى، وصياغة الأفكار وإنتاج
التصورات لإثراء الحوار حول كبريات القضايا
التي تواجه بلادنا ورفد مسيرة إنهاء
الاحتلال واستعادة السيادة والاستقلال وبناء
أسس الديمقراطية والمساهمة النشيطة في
استشراف المستقبل.
وحتى تتيسّر السبل أمام تحقيق هذه
الغاية، يتعين العمل من اجل استنهاض القدرات
الكامنة وتوظيف الإمكانيات الإبداعية لمنتجي
الثقافة والإبداع بشكل عام، وتحرير الثقافة
من قيود الفكر الواحد والرأي الواحد ومن
الجمود والتهميش، وإعادة الاعتبار لدور
المثقف، وفتح دروب الإبداع الفكري والمعرفي
له في مناخ من الحرية ، عبر إجراءات
ومبادرات عملية وملموسة تأسس لرفض تهميش
الثقافة والمثقفين والمبدعين بشكل عام،
واعادة الاعتبار للنشاط الثقافي باعتباره
نشاطا تنويريا من الطراز الاول. ومما لاشك
فيه أن حضور سؤال المستقبل في أية ثقافة هو
دليل حيويتها، فبقدر حضوره في تكوينها تتحدد
قابليتها للتطور، وقدرتها على التقدم،
ورغبتها في الإبداع الذاتـي.
اننا نراهن على مشروع ثقافي وطني
وديمقراطي. ومن المؤكد ان الوسيلة المأمونة
لتحقيق هذا الهدف: حوارا خصب، متنوع وشامل،
خطاب ينتقد الماضي وسلبيات الحاضر ليؤسس
لفكر وممارسة متحررة من الأوهام و" المسلمات
" التي تقع خارج الزمان والمكان الراهن.
وننتهز هذه الفرصة لنتوجه بالدعوة
لمثقفي بلادنا... نحثهم على المساهمة في
الحوار حول كبريات القضايا التي تواجه
المشهد الثقافي الراهن وصعوباته، فلا طريق
لاخراج المشهد الثقافي مما يعانيه من صعوبات
والتأسيس للمستقبل غير طريق الحوار. وصفحات
مجلة (الثقافة الجديدة) مفتوحة... فليتحاور
الجميع.
|