وماذا بعد؟ - د. رضا
صالح خليفة
يسير
الهوينى كعادته عندما يخرج من بيته ؛ يقف قليلا ويلتف إلى
الوراء رافعا رأسه ليتفحص البرج الذى يملكه ، تتحرك عيناه حركة
بطيئة إلى أعلى والى أسفل ليمعن النظر فى تفاصيل المبنى الشاهق
؛ حتى إذا ما وجد شيئا جديدا أو غريبا وضعه فى الاعتبار، وجعل
منه مادة للحوار ، يتكرر هذا المشهد بصورة شبه يومية .
يستأنف
سيره متباطئا بعد ذلك محاولا أن يجذب النظر إليه بألا ينسى
السلام على كل كبير وصغير من أبناء الحى ، حتى إذا ما وصل إلى
المقهى أحاطت به فئة بعينها لا تتغير ولا تتبدل منذ أكثر من
عقدين من الزمان ، اختلفت مشيته عن أيام زمان ؛ وصار بطيئا فى
الحوار ، وأحيانا يصاب بثقوب فى الذاكرة تجعله ينسى ما قال ،
بالرغم من مرور السنوات إلا أنه مازال محافظا على هيئته ، يصاب
بحزن دفين وغم مقيم إذا ما اتجه الحديث إلى عزبته التى حصل
عليها بعد وفاة صاحبها وامتلكها بأوراق مزورة ، يحاول دائما أن
يطمس هذا التاريخ وأن يتناساه بكل السبل ، ، فى الفترة
الأخيرة أقنعه المحيطون بأن هذا حقه شرعا وقانونا ، وأن
المعترض عليه سيأخذ على قفاه ، أمّن على كلامهم وسكت .
---***---
شجعه
زميلا المقهى المايسترو شيرين والأسطى كامل ألا يستغنى عن
العزبة وإدارتها، أولهم (شيرين) يعمل رئيس أنفار بالعزبة
والآخر (كامل )يعمل مديرا ماليا لها ، مكاسب كثيرة يحصلان
عليها ،ولا يجرؤ أحد على سؤالهما عن مصدرها ؛ اقترب كامل من
أذن الحاج :
- لا
نريد أن يشمت فينا أحد من الصغار يا حاج ، أنت مازلت فتيا ،لا
تهمك السنين ،المهم الصحة ...
تنحنح
شيرين وتململ فى جلسته متخوفا ومعتذرا قبل أن يتحدث كعادته
قائلا :
-
لا مؤاخذة يا حاج ؛ يا سلام لو تقنع أولادك بالسفر إلى
الخارج وتدفع لهم قرشين ؛ حتى لا يهدموا كل ما فعلت؛ أنت الآن
فى حاجة إلى من يلم شملك ولا يضيع ما بنيته ، هؤلاء الأولاد
مدفوعين من أمهاتهم لكى يحاربونك ، هذا مبدأ لا اقبله ولن
تقبله سيادتك ...
أطرق
الحاج قليلا ونظر اليهما بعيون فارغة ؛ قائلا بصوت مبحوح :
-
سأحاول أن أقنعهم بذلك
-
لابد من الشدة معهم ،
هم أولادك ولكن مصلحتك تهمنا فأنت الأصل
-
وماذا ترون ؟
-
أرح نفسك وأترك الباقى
علينا
-
افعلوا ما ترون للصالح
؛ ليس عندى مانع ..
---***---
عندما
يرفع الآذان تنفض الجلسة ، ولا يجد مكانا يتجه إليه سوى الجامع
، يحافظ على هيئته وفى مشيته يدعى الوقار، قابله أحد أقاربه ؛
طلب منه خمسين جنيها عل سبيل القرض ، نظر إليه بتأفف ،عندما
لاحظ المايسترو شيرين هذ ا التعبير صاح فى الرجل قائلا:
-
أترك الحاج فورا ..
رد
الحاج بهدوء مصطنع:
-
اتركه يا شيرى ، هو لا يدرى اننى لا أمتلك سيولة الآن ..
---***---
فى
المسجد صلى ركعتين , سرح ذهنه أثناءهما وتذكر هذه الضيعة
الكبرى التى على وشك أن يتركها ،أراد أبناؤه أن يريحوه وأن
يقوموا هم بأعباء العمل وتحمل المسئوليات ، يأبى إلا أن يكون
حاضرا ؛لا يمكنه ذهنيا وواقعيا أن يلقى على الرف ، ليس هذا
مبدؤه ولا طريقه ، كيف يترك كل هذه الأملاك والأموال الضخمة ،
ويأوى إلى جلسة فى الهدوء تحت الشمس لكى يتطلع إلى السماء ،
ويتأمل العصافير ويدلدل ساقيه ويرشهما بالماء على شواطىء شرم
الشيخ أو الساحل الشمالى كما تعود أن يتردد على هذه الاماكن؟!!
راجع نفسه مرة أخرى... احتار ...أمعن النظر فى المرآة...لا
يمكننى ولا يمكن لأى مخلوق أن يوقف عقارب الزمان ؛ لا يطاوعه
شيطانه فى ذلك ، أحضر الصبغات المستوردة لكى يدارى بها آثار
الزمن...
---***---
بعد ختم
الصلاة جاءه أحد العارفين؛ ابتسم فى وجهه ابتسامة عريضة ،
أخذه بالحضن قائلا :
- يا سلام لو تستمر معنا وتترك هذا اللعب
احتار
الحاج قائلا بارتياب :
- أنا لا العب
تزداد
ابتسامة العارف ويحدق فى عينيه، قائلا :
-
قلبك يحدثك بمرادى ...
-
وما مرادك؟
-
الدنيا لا تدوم لأحد
-
ومن قال غير هذا ؟
-
المهم العمل !
-
وهل عملى ردئ؟
-
يعلم خائنة الأعين وما
تخفى الصدور ..
---***---
ظل يعشق الاستاكوزا والجمبرى وسائر
أصناف الصدفيات وطرح البحر من خيرات يلتهمها بتلذذ مع معارفه
وخصوصا بالفنادق الكبرى بشرم الشيخ ، التى يذهب إليها من آن
لآخر إما لعقد صفقات أو رغبة فى الاستجمام ؛ فقد تعود عليها ،
تعود أن يغير جلده من آن لآخر تبعا لما تمليه الظروف ، فهو
عادة يكون تاجرا مدعيا للشطارة ، وأحيانا يتمنى أن يكون شيخا
لقبيلة أبد الدهر ،أحيانا أخرى يهيأ له أنه زعيم لعصابة ..لا
يدرى حتى الآن من هو حقا بين هذه التصنيفات ؟ بالرغم من
إيغاله فى الزمن ؛ إلا أن روحه لم تستقر به على بر حتى الآن .
---***---
جاءه العارف فى منامه قائلا :
-
لم ترد علىّ حتى الآن
...
-
انتظر قليلا يا سيدنا
أشار العارف بسبابته محذرا :
-
أخشى عليك من الهلاك
صحا من نومه مرتبكا ، ارتدى ملابسه وخرج من توه قاصدا أصدقاء
المقهى ليحدثهم بما رأى
أجابه كامل بابتسامة ثعلبية مصطنعة :
-
يا حاج إذا عّولنا فى
حياتنا على الأحلام فسوف تفسد حياتنا ولن يكون لنا كيان
رد قائلا :
-
وما تفسير ما أرى ؟
وكيف يأتى إلىّ فى منامى ؟ أريد أن يهدأ بالى...
تنحنح شيرين والتمعت عيناه ببريق العجز-
فقد أوغل فى الزمن دون جدوى – قائلا :
-
لا مؤاخذة يا حاج ؛
هذه مجرد أضغاث أحلام ، يعنى لا قيمة لها
رد الحاج- بالرغم من عدم اقتناعه –
قائلا :
-
يبدو أنكما على حق..
---***---
جلجلت الضحكات على ظهر اليخت
الرائع الذى يمتلكه الحاج ، وهو فى جولته مع بعض معارفه من
الخليج ، حضروا لإتمام بعض الصفقات ، جلس الجميع باسترخاء تام
، تذكر الحاج قول الدرويش العارف بالله :
"والزم الباب إن عشقت الجمال "...
ضحك فى سره وهو ينظر إلى أطباق
الاستاكوزا وسمك القاروس والدنيس والمرجان والجمبرى الهائل ,
وزجاجات البيرة وغيرها مرصوصة على المائدة والكل يتكلم ويضحك
، وقد انتفخت الأشداق واحمرت منهم العيون ...
بعد قليل تحرك الحاج من مكانه ليطلب
من الريس أن يزيد سرعة اليخت حتى يصل إلى منطقة سنافر بالقرب
من حدود المملكة – فى أسرع وقت- تلبية لطلب أحد ضيوفه ؛الذى
أراد أن ينظر إلى حدود المملكة بالمنظار المكبر، عند عودته
للجلوس مكانه بالقرب من جانب اليخت انزلقت قدم الحاج لوجود
بلل سببه انزلاق بعض الكؤوس ودلقها على الأرض دون اهتمام بها
من الحضور ، حاول الحاج أن يتشبث بأى شىء حوله ، ارتج رأسه
بالقائم الحديدى ؛ هوى فى لحظة مرتطما بالمياه، لم يمنحه القدر
فرصة للإنقاذ- بالرغم من نظرة هلع وصياح اثنين من الحضور
لاحظا تلك اللقطة الأخيرة- مع السرعة الهائلة هب الضيوف
وتنادوا لإيقاف اليخت...أطال الجميع التحديق فى سطح المياه
الذى بدا أزرق اللون كما هو ، وظل تتابع الموج رائعا لم يتغير
منه شىء
.
سبتمبر-2005