تلك الخطوة

د.رضا صالح

بعد خروجه من المرحاض؛ عبر الحاجز الصغير الذى يفصل بين مكان الوضوء عن باقى دورة المياه ، سمع أصوات بشرية تتهادى إلى أذنيه معبرة عن مختلف مراحل التطهر والوضوء ,أصوات تأتى مختلطة من مخارج الجسم المختلفة .شعر بالراحة وصعد برجله إلى الميضأة لكي يتوضأ ,عندما فتح الصنبور وجد خيطا رفيعا من الماء يندفع بشدة ، كان اتجاهه مغايرا لم يكن رأسيا مباشرا كالعادة ، خيط الماء المندفع غرق  البنطلون والنصف السفلى للقميص ،ولم يستطع أن يكمل وضوءه ، أحس بالخجل ، حاول أن يعدل مسار المياه بالضغط على فوهة الصنبور بيد واحدة ,لم يفلح ،جرب وضع يديه الاثنتين معا على فوهة الصنبور ليعدل مسار اندفاع المياه  ، ضغط على الفوهة من ناحيته عسى أن تنجح التجربة  ، لم تفلح المحاولة , حرك ذراع الصنبور ليخفض اندفاع المياه فى الاتجاه الخاطىء ولكنه  مازال مصوبا  ناحيته بعنف ،  لم يعدل عن فكرته إلا وهو يشعر بالبلل العمومى لجسمه وملابسه  ، تضايق وأحمر وجهه قليلا ،استمر لحظات فى المحاولة حتى فرغ  من حوله من الوضوء، لم يكن يتوضأ معه سوى شخص آخر بالناحية الخلفية , نظر إليه شذرا داعيا الله في سره ألا يكون متابعا لهذا الموقف السخيف ، وجد الرجل منهمكا فى وضوءه يبدو عليه أنه فى عالم آخر ، حمد الله أن الرجل  لا بتابع الموقف ؛ ولم يعرف شيئا عما هو فيه ، لقد كان غارقا , تداعت فى رأسه الأفكار.. ياليتنى سمعت كلامك من زمن يا أبى

يا بنى اتركها ..

لا يجوز يا أبى

با بنى أنت لا تستطيع أن تصلح الكون

يا أبى أولاد الناس ليسوا لعبة

أنت تعذب نفسك بالحياة

كنت فاكرك تقول لى اصبر عليها

يا بنى لا ينفع ،الكتاب يقرأ من عنوانه

ادعى لها يا والدي ربنا يهديها لى

حاول قفل هذا  الصنبور  المزعج الذى أضاع له المياه ولم يتوضأ ؛ بل وغرق ملابسه أيضا !!أراد أن يخرج من هذه الورطة.

 ببساطة شديدة وبدون مجهود تقريبا، امتدت يده إلى الحنفية المجاورة ، فتحها ببطء؛ وجد المياه تتدفق بصوت هادىء عذب , مد يده وأعاد ضبط اندفاع المياه ؛ بسهولة ويسر استجابت الحنفية ؛ كيف غابت عن ذهنه هذه الفكرة ؟ لام نفسه ، لم تكن بسهوله تستجيب له في أى  شيء، فهي ترفض الذهاب للسؤال عن أهله أو مودتهم ، تركت أمه تموت دون أن تهتم بها ، رفضت أن تكمل معه رحلة السفر إلى الخارج ، وعاد سريعا حزينا ، دائما تصر على فرض إرادتها،تحب أن تكثر السمن والملح فى الأكل ، تؤمن فى فرارة نفسها بأنها دائما على حق ،  تتركه كثيرا فى مواجهة أنواء الحياة، تسيء إليه عند أهلها ، أخوتها لا يسألون عنه ، يتقابلون جميعا ويطمئنون على أنفسهم عند والدتهم ،لا يعرف عنهم شيئا .شاهد خيط المياه  دافقا رقيقا بنعومة لها صوت خرير جميل ، بسمل وحك كفيه ببعضهما تحت المياه فوجدها منشطة منعشة مطهرة رائعة ، لا تعصاه فى  شيء ، يستفيد منها دون أدنى ضرر ، تعجب وسأل نفسه : كل هذا من تلك الخطوة الصغيرة ؟ هذه الخطوة الصغيرة ؟، ياليتنى لجأت إليها من الأول ، بالطبع سأكون سعيدا ، متحكما فى مشاعري وأعصابي، ولا أفقد صوابي ، سأسرع حينئذ بالعودة حتى أجد دفئا وصوتا هامسا؛ وهدوءا ووداعة ، قطعا لم تكن لتصفر فى أذني أو تندفع تلك الدفعة الحمقاء التى غيرت مجرى حياتي  وغرقتنى ، أخاف أن أتكلم مع احد أو أحكى له عن حماقاتها ربما يتندر على؛  وربما يقهقه من حكايتي،  بل ربما يتطور معه الأمر ويتهمني بنقص العقل أو الجنون .سأحرج ويحمر وجهى خجلا ،لابد أن أقطع المشوار إلى نهايته،  سيقول لى : أنت غير مجبر على هذا،  دع الخلق للخالق، تحرك يا بنى؛  تحرك قليلا.. خطوة واحدة فقط.. ستنعم بعدها بالدفء والاستقرار والحنان؛  سوف تتخلص من الصفير والبلل والغرق ، سيعود كل شيء إلى طبيعته السليمة وهدوءه ، فقط حركة واحدة أطلبها منك ؛ عليك بخطوة واحدة ،أختر حنفية أخرى أترك هذا الصنبور المتسلط المزعج العنيد ،خطوة سهلة وبسيطة ، ولا تنس فى النهاية أن تغلق تلك الحنفية المطيعة الوادعة , فقد أتممت وضوءك،وطهارتك.

 

د.رضا صالح

فبراير 2005