حبال الرحمة:

 مسرحية من تأليف:  رياض جميل.

حقوق الطبع  والتاليف محفوظة.

 

الشخصيات:

 الدمية القطنية

الدمية لحم ودم

الفتاة

الأب

رجل بزي أسود

 

 

تتدلى حبال من أعلى سقف المسرح، تربط  في أحدى طرفيها دمية بالحجم الطبيعي للإنسان. بينما يربط في الطرف الأخر أنسأن بهيئة دمية.  تكاد ملابسهم تتطابق من حيث الألوان والأزياء. وكذلك تطابق ماكياجيهما وقص شعرهم. باختصار أننا أمام تؤمين بشكل يكاد يصعب تمييز ألأول عن الأخر.  يتبادلان الأدوار من حيث إن احدهم يكون وراء حركة وأداء الطرف الأخر. أنهما يؤديان بانسيابية واضحة وتنسيق هارموني عال، أفعال بدت عليها جليا علاقة عضوية وإتقان شديد في تبادل الأدوار. أنهم في المشهد الأخير من العرض الذي مر على تقديمه أكثر من ثلاثة اشهر. بينما كانت أو كان ( يفضل أن يمثل هذا الدور رجل، لذا سأخاطب الدمية بالمذكر) الدمية لحم ودم داخل بقعة ضوئية، ويرقص على إيقاعات موسيقية، بانت عليه حالة مبهمة مفاجئة وصارت خطواته ثقيلة رغم أنها ما تزال متقنة. تراخت الساقان و ازدادت ترنحا ربما من تعب أو إعياء، أو ربما من اضطراب عابر، لم تعد الساقان تحملانه، تهاوى وكاد يسقط أرضا إلا انه وبحركة فيها محاولة لإنقاذ الموقف الحرج الذي هو فيه، انحنى رغبة في التقاط عصا كانت إلى جواره، غير إن الحبال أحالت دون تمكينه من ذلك، كرر العملية مرة أخرى وثالثة حتى استطاع أخيرا التقاطها، وفي ذات الخفة مررها من فوق رأسه، دون إن ينتبه إن الدمية الأخرى (الدمية القطنية) كانت إلى جانبه، وكاد إن يلطم رأسها في العصا. بالاتجاه المعاكس وبحركة سريعة خاطفة تعود العصا مرة ثانية من فوق رأس الدمية القطنية. أتكئ على العصا ريثما يخفف العبء عن ساقيه، في بادئ الأمر كانت العصا لا تستجيب إلى محاولاته وكأنها تقاومه، أكثر من مقاومته هو للحالة الغريبة التي طوقت الساقين، فمرة نراه يستقيم متكئا على العصا ومرة أخرى تخونه العصا التي انزلقت وراح ينحني مع انحنائها. على الرغم من كل تلك الانحناءات يبقى واقفا، ولكن ليس اعتمادا على قواه العضلية إنما بفضل الحبال المربوط بها.

          تتحول العصا تدريجيا إلى معضلة لا يعرف كيف التخلص منها، وخصوصا انه تناولها في وقت مبكر قياسا إلى دخولها ضمن إكسسوارا المشهد الأخير من العرض المسرحي للدمى، وبينما كان يقلب العصا بالاتجاهات الأربع بحثا عن موضع يريحه، يرفعها عاليا، ولكن بقوة مضاعفة قياسا بالمرة السابقة، وبشكل يدل على عدم الانتباه أو قلة التركيز و الفطنة، تمر العصا وكأنها سيف قاطع حاد، أمام رقبة الدمية القطنية. ولولا ردود فعلها التلقائية والسريعة لأقتلع الرأس من مكانه. أبعدت الدمية القطنية رأسها متحاشية الضربة الأكيدة التي كادت تأتي بأجلها، ومن خلال دهشتها وارتعادها بان عليها ارتباك وقلق شديدين وقالت مضطربة:

الدمية القطنية:

 أللعنة.. كاد رأسي يسقط بين قدمي، كالكرة.

 

 

الدمية لحم ودم:

" ساخرا"   ليسقط إلى الجحيم، ماذا عساك تفعل برأس ليس فيه أكثر من لفائف قطن عفن.

الدمية القطنية:

 ليكن..رأسي عزيز علي وأتمسك به.

الدمية لحم ودم:

 اطمأن.. ليس من الصعب استبداله، وسيكون لك رأس جديد وبقطن جديد.

الدمية القطنية:

  ومن قال لك أني أريد قطن جديد، يجب إن أحافظ على رأسي، أني أعتدت عليه ولا أريد استبداله.

الدمية لحم ودم:

 رؤوس مهمة تلفت وتهاوت وسقطت وأنت خائف على هذا الرأس الخاوي، رأس الحقائب.

 

الدمية القطنية:

 رأس الحقائب؟

الدمية لحم ودم:

 " بإصرار شديد وواضح" نعم رأس الحقائب.

الدمية القطنية:

 " بإشارة بالرأس تدل على عدم فهم المقصود"

آ..آ..آ..آ.ء

الدمية لحم ودم:

 ألا يطوونها نهاية كل عرض ويضعونها في حقائب جلدية ؟

الدمية القطنية:

" لم يفهم بعد بحيث يجيب بنفس الطريقة والروحية السابقتين، وبإشارة من رأسه تتبعها همهمة فيها كثير من التعجب"  آ..آ..آ..وووووووووووووووووووووووووو..م !!!

الدمية لحم ودم:

 أو لم يأتي عامل المسرح ليحملها إلى المخازن ؟

الدمية القطنية:

 "باستغراب"أممممممممممممممممممممممممممممممممم. !!!!

الدمية لحم ودم:

 نعم أنهم يعملون ذلك منذ عشرات، مئات أو ربما آلاف السنين، أو لا تعلم بأنك نزيل حقائب ؟

الدمية القطنية:

"مستغربا"ها..هااااااااااااااااااا !!!

الدمية لحم ودم:

 أحقا انك لا تعلم ماذا يحل بك ؟

الدمية القطنية:

آ..آ.. آآآآآآآآآآآآآآآآ، ولكن قل لي هل تعلم أنت ماذا يحل بك ؟

الدمية لحم ودم:

 "بتردد" أعتقد ذلك

الدمية القطنية:

 تعتقد ؟ رغم أن رأسك ليس قطني، وما مرت عليها ماكينة و لم تلمسها يد عامل!!

الدمية لحم ودم:

 أني أعتقد إن رأسي........

الدمية القطنية:

 تعتقد ماذا ؟ تعتقد أن رأسك حيوي نشط ؟

 

الدمية لحم ودم:

نعم.. أنه كذلك.  "بتأكيد"   وفيه أشياء أخرى كثيرة.

الدمية القطنية:

"باستنتاج"    يحس، ويتأمل، ويشعر بالحر والبرد ؟

الدمية لحم ودم:

 كما أنه يتخيل ويحتاج للأوكسجين وللغذاء والماء والنوم، ويدلني حينما أتنقل بالمواصلات العامة وأستعمل التلفون و الانفرماتيك مثل ما يعينني على الحسابات والإحصاء. وفيه أشياء كثيرة أخرى....

                   الدمية القطنية:

وهل يعينك على التركيز والانتباه ؟

الدمية لحم ودم

وعلى المعرفة والتدبير.

                   الدمية القطنية:

و على المهارة والإتقان ؟

الدمية لحم ودم:

المهارة والإتقان لا ينفرد فيهما الرأس. أنهما أداء مشترك بين الرأس والجسد بظاهره وباطنه، وكذا الحال بالنسبة للتوازن وألعاب الرياضة والجمباز.

                   الدمية القطنية

والدمى ؟ هل لها أن تكون ماهرة إذا ما أتقنت تمارينها وأعدت رأسها وجسدها جيدا ؟  

                   الدمية لحم ودم

أفضل أن يكون التمرين للممثل وحده... وإذا ما أعتمد برنامج علميا أو بحثا مبرمجا في أعداده وتمارينه فلابد له أن يكون ماهرا ومتقنا لأدائه ومتنوع في....

                   الدمية القطنية:

"مقاطعا" ولم لا تكون الدمية ؟

                   الدمية لحم ودم:

الدمية.. الدمية مصنوعة. فأنها تصنع أحيانا من الخشب وأحيانا أخرى من القطن وربما من المطاط أو البلاستيك..

                   الدمية القطنية:

كل الدمى ؟

                   الدمية لحم ودم:

نعم كل الدمى.

                   الدمية القطنية:

وأنت من أي مادة مصنوع ؟

                   الدمية لحم ودم:

أنا.. أنا لست مصنوعا.

                   الدمية القطنية:

لماذا أذن أنت دمية ؟

                   الدمية لحم ودم:

أنا.. أنا ممثل أأدي شخصية الدمية.

الدمية القطنية:

تمثل وترقص وتغني وتقرأ وتتمرن على أفعال الجسد والصوت، و ربما تتعاطى الحب ؟

 

 

                   الدمية لحم ودم:

 ولماذا ربما ؟

الدمية القطن:

 لم أراك في حياتي مع امرأة ولم أسمعك تحكي عن الحب والرومانسية. ثم انك أدمنت المخازن مثلي.

الدمية لحم ودم:

 كنت أحب، وذات يوم كنت مع حبيبتي في فسحة حينما صادفتنا طفلة جميلة، كانت قد حضرت و لمرات لمشاهدة ( وردة عباد الشمس)، ذلك العرض الذي قدمته في مهرجان مسرح الدمى، قبل التحاقي بالفرقة معكم، أعجبها العرض كثيرا، حتى أنها كانت تحمل لي باقة ورد فيها وردة كبيرة من عباد الشمس كلما أتت لمشاهدة العرض. نادت أمها التي كانت بصحبتها، وقالت متسائلة: ماما ماما هل يمكن للدمية أن تحب ؟

الدمية القطنية:

 وهل للدمية أن تحب حقا ؟

الدمية لحم ودم:

 وما الضير في ذلك ؟ أقصد....

                   الدمية القطنية:

 هل أحببت فعلا ؟

الدمية لحم ودم:

 نعم أحببت.

الدمية القطنية:

 دمية ؟

الدمية لحم ودم:

لا امرأة طبعا، ألا أني فقدتها بعد سبعة أعوام.

                   الدمية القطنية:

 ضاعت ؟

                             الدمية لحم ودم:

كلا.

                             الدمية القطنية:

سرقوها ؟

الدمية لحم ودم:

لا فقدتها إلى الأبد.

                             الدمية القطنية:

لماذا ؟

                             الدمية لحم ودم:

"صمت قصير، يبدو عليه وكأنه لا يريد الاجابة" يعني...

                             الدمية القطنية:

يعني ماذا ؟

                             الدمية لحم ودم:

اقصد أنها رحلت .

                             الدمية القطنية:

إلى أين رحلت ؟

الدمية لحم ودم:

أردت أن أقول أنها   "متردد"   أنها ماتت.

 

                   الدمية القطنية:

"ببراءة ودون أي انفعال"    حادث ؟ سيارة ؟ إن قيادة السيارة إن فقدت أصولها أصبحت سلاح جوال خطر ومميت، وفي هذا الزمان السيطرة على حوادث السير اعقد من السيطرة على عدد من الجرائم.

الدمية لحم ودم:

لا، ليس حادث، ولا حادث سير طارئ.

                   الدمية القطنية:

ما هو إذن ؟

                   الدمية لحم ودم:

 قلت لك ماتت.    "وكأنه يحاول الافلات من الاجابة "

الدمية القطنية:

"بإلحاح"   موت طبيعي ؟

الدمية لحم ودم:

كلا....

                             الدمية القطنية:

بصعقة كهربائية أم غرقا ؟   "يمتنع الدمية لحم ودم عن الإجابة، وبحركة خفيفة وسريعة يبتعد قليلا، دال بذلك عن رغبة ومحاولة لتغيير الموضوع.  بينما تزداد الدمية القطنية إلحاحا و إصرار على الفهم.  يلاحقه بنظراته" أضنه وباء ؟

                             الدمية لحم ودم:

لا هذا ولا ذاك.

                             الدمية القطنية:

ماذا أذن ؟

                             الدمية لحم ودم: 

 "بنفاذ صبر"    قتلت.

الدمية القطنية:

" ببرود وبلادة"     بكاميكاز أو مفخخة ؟

الدمية لحم ودم:

 لا..........

                   الدمية القطنية:

 " دون انفعال"   وما سبب موتها أذن ؟

الدمية لحم ودم:

"حالما"   كان يوم مأثورا، وكانت تتهيأ له وكأنها تتهيأ لزفافها، قلبها يرقص طربا لليوم الموعود الذي انتظرناه سوية، كانت تفكر بوالديها وتخطط وتبرمج لسنين طويلة، انه يوم تخرجها من الجامعة، يوم الاستعداد للخرج من آفة الفقر. أستيقظة في صباح ذلك اليوم مبكرا، استعدادا لتوديع أعوام العناء والجهد والتعب، لبست افخر ما لديها من ثياب.

"يفضل أن يؤدي ممثل الدمية القطنية دور الفتاة. تظهر الفتاة بثياب قديمة لكنها نظيفة ومكوية بشكل جيد، كما أنها صفت شعرها وأعدته للمناسبة. ووضعت قليلا من الماكياج على وجهها، ينتقل المشهد إلى الجامعة حيث تلتقي بحبيبها هناك، يعم جو احتفالي على المسرح، الشابان فرحان وتملئ هما البهجة والسرور، يرقصان، وتتعالى أصوتتهما وتمتلئ الدنيا أهازيج وغناء "

الفتاة:

 أني فرحة مبتهجة، أني أعوم في بحر من أمل وسرور، مثلما أني أشعر بخيط رفيع من قلق، قل أنها شعور مزدوجة غريبة من الفرح والقلق، ألا أنه يوم عظيم سأخلده ما حييت.

 

الدمية لحم ودم:

 انه قلق بناء، و يوم رائع عادة ما يختلط الأحساس فيه.

الفتاة:

نعم .. هو كذلك. "تضمه إلى صدرها " يجب أن ارحل وسأعود بعد قليل.

 

" تتركه وتعبر الساحة الواسعة للجامعة فرحة مبتهجة. تنظر في وجوه زملاءها الفرحين ليومهم المشهود. تبدأ واضحة مراسيم الاحتفال، موسيقى، غناء، رقص، تغيب عن الأنظار برهة قصيرة من الزمن."

الدمية لحم ودم:

كان هناك رجل ملثم يتخفى محاولا إبعاد الأنظار عنه، ألا انه يلوح من بعيد خلسة، وكأنه يخاطب شخص آخر، كان يتبع حبيبتي بنظراته و كأنه يعد حركاتها، خطى خطوة وثانية ولحقها بخطوة سريعة ثالثة، بينما هي كانت تمشي لا علم لها بما يحاك ويدبر، كانت تارة تمشي وتارة تقفز فرحا وابتهاجا، متجهة نحو قاعة الاحتفالات، حيث توزع شهادات التخرج هناك. تركتها تذهب وحيدة، ما أردت اصطحابها.  قفز الملثم كالثور الهائج وبسرعة خاطفة انقض عليها وأوقد النار في ثيابها وشعرها واختفى، بلمح البصر اختفى، مثل قطعة ملح ذاب واختفى....

 الفتاة:

 "غير منتبه لما حدث، تسمع صرخات".

الدمية لحم ودم:

 نار، أطفئي النار....

" يركض باتجاه الفتاة ولكن بعد المسافة يحيل دون الوصول إليها بالوقت المناسب"

 "تنتبه الفتاة للصراخ الذي صار ينتشر بسرعة انتشار النار. إلا أنها وللوهلة الأولى ظنت أنها مزحة ثقيلة. تتلمس رأسها بيدها، لسعتها النار. يصاب الدمية لحم ودم بهستيريا وبتوتر عال"

                   الدمية لحم ودم:

"عويل" اشعلوا النار في شعرها وجسدها. هكذا إذن، أراد بعض أصحاب الوعظ أن تكون عبرة للآخرين، فلقد أقاموا عليها الحد، وتوهموا بأنهم يصلحون شيئا خاطأ، أشعلوا النار برأسها لأنها غير محجبة ولأنها لم تبالي لتهديداتهم، فأي أصلاح مجرم هذا، وأي كراهية للإنسان وأفراحه وبهجته ؟

"تختفي الفتاة، بينما يخرج الدمية لحم ودم من جيبه دمية كف، تقاوم النار المشتعلة فيها حتى تنطفئ، يغني"

لا تنثني كن عودا صلبا

كن رحمة

 وأخلع عني السواد

لا يجوز لسحابة، حجب وجه الشمس طويلا  

لا يجوز العيش ابد الدهر ذليلا

أن جسدي الغض الذي أشعلوه بالنار

وأسكنوه يافعا صمت القفار

سيعمد بثوب ا&#