حبال الرحمة:

 مسرحية من تأليف:  رياض جميل.

حقوق الطبع  والتاليف محفوظة.

 

الشخصيات:

 الدمية القطنية

الدمية لحم ودم

الفتاة

الأب

رجل بزي أسود

 

 

تتدلى حبال من أعلى سقف المسرح، تربط  في أحدى طرفيها دمية بالحجم الطبيعي للإنسان. بينما يربط في الطرف الأخر أنسأن بهيئة دمية.  تكاد ملابسهم تتطابق من حيث الألوان والأزياء. وكذلك تطابق ماكياجيهما وقص شعرهم. باختصار أننا أمام تؤمين بشكل يكاد يصعب تمييز ألأول عن الأخر.  يتبادلان الأدوار من حيث إن احدهم يكون وراء حركة وأداء الطرف الأخر. أنهما يؤديان بانسيابية واضحة وتنسيق هارموني عال، أفعال بدت عليها جليا علاقة عضوية وإتقان شديد في تبادل الأدوار. أنهم في المشهد الأخير من العرض الذي مر على تقديمه أكثر من ثلاثة اشهر. بينما كانت أو كان ( يفضل أن يمثل هذا الدور رجل، لذا سأخاطب الدمية بالمذكر) الدمية لحم ودم داخل بقعة ضوئية، ويرقص على إيقاعات موسيقية، بانت عليه حالة مبهمة مفاجئة وصارت خطواته ثقيلة رغم أنها ما تزال متقنة. تراخت الساقان و ازدادت ترنحا ربما من تعب أو إعياء، أو ربما من اضطراب عابر، لم تعد الساقان تحملانه، تهاوى وكاد يسقط أرضا إلا انه وبحركة فيها محاولة لإنقاذ الموقف الحرج الذي هو فيه، انحنى رغبة في التقاط عصا كانت إلى جواره، غير إن الحبال أحالت دون تمكينه من ذلك، كرر العملية مرة أخرى وثالثة حتى استطاع أخيرا التقاطها، وفي ذات الخفة مررها من فوق رأسه، دون إن ينتبه إن الدمية الأخرى (الدمية القطنية) كانت إلى جانبه، وكاد إن يلطم رأسها في العصا. بالاتجاه المعاكس وبحركة سريعة خاطفة تعود العصا مرة ثانية من فوق رأس الدمية القطنية. أتكئ على العصا ريثما يخفف العبء عن ساقيه، في بادئ الأمر كانت العصا لا تستجيب إلى محاولاته وكأنها تقاومه، أكثر من مقاومته هو للحالة الغريبة التي طوقت الساقين، فمرة نراه يستقيم متكئا على العصا ومرة أخرى تخونه العصا التي انزلقت وراح ينحني مع انحنائها. على الرغم من كل تلك الانحناءات يبقى واقفا، ولكن ليس اعتمادا على قواه العضلية إنما بفضل الحبال المربوط بها.

          تتحول العصا تدريجيا إلى معضلة لا يعرف كيف التخلص منها، وخصوصا انه تناولها في وقت مبكر قياسا إلى دخولها ضمن إكسسوارا المشهد الأخير من العرض المسرحي للدمى، وبينما كان يقلب العصا بالاتجاهات الأربع بحثا عن موضع يريحه، يرفعها عاليا، ولكن بقوة مضاعفة قياسا بالمرة السابقة، وبشكل يدل على عدم الانتباه أو قلة التركيز و الفطنة، تمر العصا وكأنها سيف قاطع حاد، أمام رقبة الدمية القطنية. ولولا ردود فعلها التلقائية والسريعة لأقتلع الرأس من مكانه. أبعدت الدمية القطنية رأسها متحاشية الضربة الأكيدة التي كادت تأتي بأجلها، ومن خلال دهشتها وارتعادها بان عليها ارتباك وقلق شديدين وقالت مضطربة:

الدمية القطنية:

 أللعنة.. كاد رأسي يسقط بين قدمي، كالكرة.

 

 

الدمية لحم ودم:

" ساخرا"   ليسقط إلى الجحيم، ماذا عساك تفعل برأس ليس فيه أكثر من لفائف قطن عفن.

الدمية القطنية:

 ليكن..رأسي عزيز علي وأتمسك به.

الدمية لحم ودم:

 اطمأن.. ليس من الصعب استبداله، وسيكون لك رأس جديد وبقطن جديد.

الدمية القطنية:

  ومن قال لك أني أريد قطن جديد، يجب إن أحافظ على رأسي، أني أعتدت عليه ولا أريد استبداله.

الدمية لحم ودم:

 رؤوس مهمة تلفت وتهاوت وسقطت وأنت خائف على هذا الرأس الخاوي، رأس الحقائب.

 

الدمية القطنية:

 رأس الحقائب؟

الدمية لحم ودم:

 " بإصرار شديد وواضح" نعم رأس الحقائب.

الدمية القطنية:

 " بإشارة بالرأس تدل على عدم فهم المقصود"

آ..آ..آ..آ.ء

الدمية لحم ودم:

 ألا يطوونها نهاية كل عرض ويضعونها في حقائب جلدية ؟

الدمية القطنية:

" لم يفهم بعد بحيث يجيب بنفس الطريقة والروحية السابقتين، وبإشارة من رأسه تتبعها همهمة فيها كثير من التعجب"  آ..آ..آ..وووووووووووووووووووووووووو..م !!!

الدمية لحم ودم:

 أو لم يأتي عامل المسرح ليحملها إلى المخازن ؟

الدمية القطنية:

 "باستغراب"أممممممممممممممممممممممممممممممممم. !!!!

الدمية لحم ودم:

 نعم أنهم يعملون ذلك منذ عشرات، مئات أو ربما آلاف السنين، أو لا تعلم بأنك نزيل حقائب ؟

الدمية القطنية:

"مستغربا"ها..هااااااااااااااااااا !!!

الدمية لحم ودم:

 أحقا انك لا تعلم ماذا يحل بك ؟

الدمية القطنية:

آ..آ.. آآآآآآآآآآآآآآآآ، ولكن قل لي هل تعلم أنت ماذا يحل بك ؟

الدمية لحم ودم:

 "بتردد" أعتقد ذلك

الدمية القطنية:

 تعتقد ؟ رغم أن رأسك ليس قطني، وما مرت عليها ماكينة و لم تلمسها يد عامل!!

الدمية لحم ودم:

 أني أعتقد إن رأسي........

الدمية القطنية:

 تعتقد ماذا ؟ تعتقد أن رأسك حيوي نشط ؟

 

الدمية لحم ودم:

نعم.. أنه كذلك.  "بتأكيد"   وفيه أشياء أخرى كثيرة.

الدمية القطنية:

"باستنتاج"    يحس، ويتأمل، ويشعر بالحر والبرد ؟

الدمية لحم ودم:

 كما أنه يتخيل ويحتاج للأوكسجين وللغذاء والماء والنوم، ويدلني حينما أتنقل بالمواصلات العامة وأستعمل التلفون و الانفرماتيك مثل ما يعينني على الحسابات والإحصاء. وفيه أشياء كثيرة أخرى....

                   الدمية القطنية:

وهل يعينك على التركيز والانتباه ؟

الدمية لحم ودم

وعلى المعرفة والتدبير.

                   الدمية القطنية:

و على المهارة والإتقان ؟

الدمية لحم ودم:

المهارة والإتقان لا ينفرد فيهما الرأس. أنهما أداء مشترك بين الرأس والجسد بظاهره وباطنه، وكذا الحال بالنسبة للتوازن وألعاب الرياضة والجمباز.

                   الدمية القطنية

والدمى ؟ هل لها أن تكون ماهرة إذا ما أتقنت تمارينها وأعدت رأسها وجسدها جيدا ؟  

                   الدمية لحم ودم

أفضل أن يكون التمرين للممثل وحده... وإذا ما أعتمد برنامج علميا أو بحثا مبرمجا في أعداده وتمارينه فلابد له أن يكون ماهرا ومتقنا لأدائه ومتنوع في....

                   الدمية القطنية:

"مقاطعا" ولم لا تكون الدمية ؟

                   الدمية لحم ودم:

الدمية.. الدمية مصنوعة. فأنها تصنع أحيانا من الخشب وأحيانا أخرى من القطن وربما من المطاط أو البلاستيك..

                   الدمية القطنية:

كل الدمى ؟

                   الدمية لحم ودم:

نعم كل الدمى.

                   الدمية القطنية:

وأنت من أي مادة مصنوع ؟

                   الدمية لحم ودم:

أنا.. أنا لست مصنوعا.

                   الدمية القطنية:

لماذا أذن أنت دمية ؟

                   الدمية لحم ودم:

أنا.. أنا ممثل أأدي شخصية الدمية.

الدمية القطنية:

تمثل وترقص وتغني وتقرأ وتتمرن على أفعال الجسد والصوت، و ربما تتعاطى الحب ؟

 

 

                   الدمية لحم ودم:

 ولماذا ربما ؟

الدمية القطن:

 لم أراك في حياتي مع امرأة ولم أسمعك تحكي عن الحب والرومانسية. ثم انك أدمنت المخازن مثلي.

الدمية لحم ودم:

 كنت أحب، وذات يوم كنت مع حبيبتي في فسحة حينما صادفتنا طفلة جميلة، كانت قد حضرت و لمرات لمشاهدة ( وردة عباد الشمس)، ذلك العرض الذي قدمته في مهرجان مسرح الدمى، قبل التحاقي بالفرقة معكم، أعجبها العرض كثيرا، حتى أنها كانت تحمل لي باقة ورد فيها وردة كبيرة من عباد الشمس كلما أتت لمشاهدة العرض. نادت أمها التي كانت بصحبتها، وقالت متسائلة: ماما ماما هل يمكن للدمية أن تحب ؟

الدمية القطنية:

 وهل للدمية أن تحب حقا ؟

الدمية لحم ودم:

 وما الضير في ذلك ؟ أقصد....

                   الدمية القطنية:

 هل أحببت فعلا ؟

الدمية لحم ودم:

 نعم أحببت.

الدمية القطنية:

 دمية ؟

الدمية لحم ودم:

لا امرأة طبعا، ألا أني فقدتها بعد سبعة أعوام.

                   الدمية القطنية:

 ضاعت ؟

                             الدمية لحم ودم:

كلا.

                             الدمية القطنية:

سرقوها ؟

الدمية لحم ودم:

لا فقدتها إلى الأبد.

                             الدمية القطنية:

لماذا ؟

                             الدمية لحم ودم:

"صمت قصير، يبدو عليه وكأنه لا يريد الاجابة" يعني...

                             الدمية القطنية:

يعني ماذا ؟

                             الدمية لحم ودم:

اقصد أنها رحلت .

                             الدمية القطنية:

إلى أين رحلت ؟

الدمية لحم ودم:

أردت أن أقول أنها   "متردد"   أنها ماتت.

 

                   الدمية القطنية:

"ببراءة ودون أي انفعال"    حادث ؟ سيارة ؟ إن قيادة السيارة إن فقدت أصولها أصبحت سلاح جوال خطر ومميت، وفي هذا الزمان السيطرة على حوادث السير اعقد من السيطرة على عدد من الجرائم.

الدمية لحم ودم:

لا، ليس حادث، ولا حادث سير طارئ.

                   الدمية القطنية:

ما هو إذن ؟

                   الدمية لحم ودم:

 قلت لك ماتت.    "وكأنه يحاول الافلات من الاجابة "

الدمية القطنية:

"بإلحاح"   موت طبيعي ؟

الدمية لحم ودم:

كلا....

                             الدمية القطنية:

بصعقة كهربائية أم غرقا ؟   "يمتنع الدمية لحم ودم عن الإجابة، وبحركة خفيفة وسريعة يبتعد قليلا، دال بذلك عن رغبة ومحاولة لتغيير الموضوع.  بينما تزداد الدمية القطنية إلحاحا و إصرار على الفهم.  يلاحقه بنظراته" أضنه وباء ؟

                             الدمية لحم ودم:

لا هذا ولا ذاك.

                             الدمية القطنية:

ماذا أذن ؟

                             الدمية لحم ودم: 

 "بنفاذ صبر"    قتلت.

الدمية القطنية:

" ببرود وبلادة"     بكاميكاز أو مفخخة ؟

الدمية لحم ودم:

 لا..........

                   الدمية القطنية:

 " دون انفعال"   وما سبب موتها أذن ؟

الدمية لحم ودم:

"حالما"   كان يوم مأثورا، وكانت تتهيأ له وكأنها تتهيأ لزفافها، قلبها يرقص طربا لليوم الموعود الذي انتظرناه سوية، كانت تفكر بوالديها وتخطط وتبرمج لسنين طويلة، انه يوم تخرجها من الجامعة، يوم الاستعداد للخرج من آفة الفقر. أستيقظة في صباح ذلك اليوم مبكرا، استعدادا لتوديع أعوام العناء والجهد والتعب، لبست افخر ما لديها من ثياب.

"يفضل أن يؤدي ممثل الدمية القطنية دور الفتاة. تظهر الفتاة بثياب قديمة لكنها نظيفة ومكوية بشكل جيد، كما أنها صفت شعرها وأعدته للمناسبة. ووضعت قليلا من الماكياج على وجهها، ينتقل المشهد إلى الجامعة حيث تلتقي بحبيبها هناك، يعم جو احتفالي على المسرح، الشابان فرحان وتملئ هما البهجة والسرور، يرقصان، وتتعالى أصوتتهما وتمتلئ الدنيا أهازيج وغناء "

الفتاة:

 أني فرحة مبتهجة، أني أعوم في بحر من أمل وسرور، مثلما أني أشعر بخيط رفيع من قلق، قل أنها شعور مزدوجة غريبة من الفرح والقلق، ألا أنه يوم عظيم سأخلده ما حييت.

 

الدمية لحم ودم:

 انه قلق بناء، و يوم رائع عادة ما يختلط الأحساس فيه.

الفتاة:

نعم .. هو كذلك. "تضمه إلى صدرها " يجب أن ارحل وسأعود بعد قليل.

 

" تتركه وتعبر الساحة الواسعة للجامعة فرحة مبتهجة. تنظر في وجوه زملاءها الفرحين ليومهم المشهود. تبدأ واضحة مراسيم الاحتفال، موسيقى، غناء، رقص، تغيب عن الأنظار برهة قصيرة من الزمن."

الدمية لحم ودم:

كان هناك رجل ملثم يتخفى محاولا إبعاد الأنظار عنه، ألا انه يلوح من بعيد خلسة، وكأنه يخاطب شخص آخر، كان يتبع حبيبتي بنظراته و كأنه يعد حركاتها، خطى خطوة وثانية ولحقها بخطوة سريعة ثالثة، بينما هي كانت تمشي لا علم لها بما يحاك ويدبر، كانت تارة تمشي وتارة تقفز فرحا وابتهاجا، متجهة نحو قاعة الاحتفالات، حيث توزع شهادات التخرج هناك. تركتها تذهب وحيدة، ما أردت اصطحابها.  قفز الملثم كالثور الهائج وبسرعة خاطفة انقض عليها وأوقد النار في ثيابها وشعرها واختفى، بلمح البصر اختفى، مثل قطعة ملح ذاب واختفى....

 الفتاة:

 "غير منتبه لما حدث، تسمع صرخات".

الدمية لحم ودم:

 نار، أطفئي النار....

" يركض باتجاه الفتاة ولكن بعد المسافة يحيل دون الوصول إليها بالوقت المناسب"

 "تنتبه الفتاة للصراخ الذي صار ينتشر بسرعة انتشار النار. إلا أنها وللوهلة الأولى ظنت أنها مزحة ثقيلة. تتلمس رأسها بيدها، لسعتها النار. يصاب الدمية لحم ودم بهستيريا وبتوتر عال"

                   الدمية لحم ودم:

"عويل" اشعلوا النار في شعرها وجسدها. هكذا إذن، أراد بعض أصحاب الوعظ أن تكون عبرة للآخرين، فلقد أقاموا عليها الحد، وتوهموا بأنهم يصلحون شيئا خاطأ، أشعلوا النار برأسها لأنها غير محجبة ولأنها لم تبالي لتهديداتهم، فأي أصلاح مجرم هذا، وأي كراهية للإنسان وأفراحه وبهجته ؟

"تختفي الفتاة، بينما يخرج الدمية لحم ودم من جيبه دمية كف، تقاوم النار المشتعلة فيها حتى تنطفئ، يغني"

لا تنثني كن عودا صلبا

كن رحمة

 وأخلع عني السواد

لا يجوز لسحابة، حجب وجه الشمس طويلا  

لا يجوز العيش ابد الدهر ذليلا

أن جسدي الغض الذي أشعلوه بالنار

وأسكنوه يافعا صمت القفار

سيعمد بثوب العرس

 وسيفيض حلما وحياة.

الدمية القطنية:

 " دون أدنا انفعل، مازحا"

 أنك لا تستطيع إسقاط آدميتك، فانك تغني حتى في الحالات التي تقول عنها أنها شديدة الحزن، تغني، رغم أن صوتك ليس عذب، وتذهب إلى السوق كي تشتري ما تحتاجه، كما أن لك زوجين من الأحذية، أحداهما أسود والثاني بني، مثلما لك قبعة رأس يكاد أن يكون لونها بني أيضا.. أما أنا فليس لي سوى رأس من قطن عفن      "يضحك ببراءة وبسذاجة غير العاقل"

الدمية لحم ودم:

 "غارق في أحزانه"    كنت انتعل حذائي البني وقبعة رأسي البنية يوم أشعلوا النار برأسها، ما أعظم الشبه بين ذاك المشهد ومشاهد محاكم التفتيش. أنها عقلية العصور الوسطى. وما نفع التأكيد على حرية التفكير وحرية المعتقد، إذا ما بقى الملثمون ينفخون سموم عقيدتهم المقدسة برؤوس إتباعهم ؟ ومن سيكون قادرا على ضمان تلك الحرية ؟ رأسك القطنية هذه أشد حكمة من رؤوس لا تعرف سوى الإقصاء والحرائق والنار.

                   الدمية القطنية:

 " ببلاهة كوميدية"   عدنا إلى الرؤوس مرة ثانية، "يخاطب الدمية لحم" يجب إن تعتذر من الجمهور الكريم لهذا الانقطاع المفاجئ عن المشهد الأخير من مسرحيتنا.

الدمية لحم ودم:

"غارق بالتفكير"    لن أنسا ثوبها الرحمة الذي صار لها جحيم، لن أسامح حتى لو منحوني ثقل الأرض ذهبا، لن أسامح حتى لو أبدلوا رأس برأسٍ.

الدمية القطنية:

أكلُّ الرؤوس سواءٌ ؟

الدمية لحم ودم:

يا ليت لو كانت كلها سواء.

الدمية القطنية: 

 "دون أي انفعال"   يجب أن نعود إلى المشهد الأخير.

الدمية لحم ودم:

 معك حق إننا ابتعدنا كثيرا عن أحداث المشهد الأخير من مسرحيتنا الذي مر على عرضها ثلاث اشهر، سنعود لنتابع تفاصيل ذلك المشهد الشيق.

 "يرمي الدمية لحم ودم حبل إلى الدميم القطنية، بينما هو يحتفض بحبل آخر، يبدأ اللعب عليه بمهارة و رشاقة، وكأن طاقة جديدة تلبست ساقاه وأختفى كل العناء التعب. وبينما هو يلعب ويلاعب الحبل صار يدندن بلحن دون كلام بالتناسق مع حركة الحبل. أما الدمية القطنية التي أخذت تقلد قرينها دون أي مهارة وبتعثر كبير، تحاول ربط الحبل حول معصميها أو حول بطنها أو تلف به الرأس دون أن تحقق أي نجاح حقيقي، بل وكأنه يتحول إلى أفعى تلدغ حاملها إذا ما قل انتباهه وتركيزه وضعفت مهارته بتوجيهها والسيطرة عليها. يرمي الحبل على صاحبة الدمية الأخرى فيقيده من الرقبة حتى الخصر، الدمية لحم ودم تصاب بحالة من أرتباك و ذعر ملحوظين، وبمحاولة غير منتظمة تعكس فوضى حقيقية وأفعال جسدية مرئية غير منتظمة للإفلات من الحبل"

                            الدمية لحم ودم:

"باضطراب مصحوب بنفاذ صبر"   ماذا أصابك هل جننت ؟

                            الدمية القطنية:

الحبل.....

                            الدمية لحم ودم:

أنك تقيدني، فك رباطي من فضلك.

                            الدمية القطنية:

صار الحبل مثل الأفعى، لا سيطرة لي عليه.

"يحاول فك الحبل، فبدلا من فكه يلفه على عنقه، يسحب الحبل باتجاهه حيث يبدو وكأنه يشنقه"

                            الدمية لحم ودم:

"مختنق، تتغير نبرة الصوت"   توقف عن سحب الحبل، ارفع يداك نهائيا عنه. "يرفع يداه الدمية لحم ودم تفك الحبل بصعوبة"

                            الدمية القطنية:

هل تألمت حقلا؟

الدمية لحم ودم:

 ماذا ؟ أود رؤية حالك لو ألتف الحبل على عنقك.

                             الدمية القطنية:

" بهدوء تغمره البراءة "   وماذا هو فاعل ؟ لا شيء. ألتف الحبل مصادفتا على عنقي وبقيت عائم في الهواء ساعات ولم اشعر بأي أذى.

                             الدمية لحم ودم:

"غاضب"   هنيئا لك رقبة القطن. إما أنا فأحس وأشعر و أتألم وقد أرى الموت بأم عيني.

                             الدمية القطنية:

 وما هي رؤية الموت ؟ أيمكن حقا رؤيته ؟

                             الدمية لحم ودم:

ماذا ؟  رؤية الموت ؟ نعم، قد تشهده مارا يلقي بضلاله عليك أو على سواك، أوقد يأتيك بظلامه وجبة واحدة، حين إذ ما من قوة توقفه. رأيته حينما كنت ابن الخامسة عشرة، عندما داهموا البيت عند منتصف الليل، أخذوني رهينة حتى يسلم والدي نفسه،  كان ملحن معرف، ألحانه ملأت الدنيا. "في هذه الأثناء تغيّر الدمية القطنية ملابسها كي تلعب دور الأب، تتناول آلة موسيقية وتشرع بالعزف. يفضل أن تكون آلة مبتكرة."

" يتوجه الدمية لحم ودم الى الجمهور" أصدروا أمرا بالقبض عليه بدعوى إيوائه معارض يساري من أقاربه. مر على توقيفي أكثر من شهر تجرعت المر فيه، سلم والدي نفسه، وأودع السجن في سنوات الرعب تلك، وكان ينتظر الموت هناك، بل كان يتمناه رأفة بروحه وخلاصا من تعذيب مبرمج يومي.  لم تكن نجاته تخطر له ببال.

 

 "يظهر الأب مكبل بسلاسل، يصطحبه جلاده. عملية معقدة وطويلة من التعذيب، قناني، قلع أظافر، ... الخ، يقدم التعذيب بشكل كوميدي خفيف.( يكون أداء دور الجلاد من قبل الدمية لحم ودم بعدما يلبس قناع جلاد) يخرجان، ظلام، يسمع من خارج المسرح أصوات مجنزرات وحركة غير طبيعية ".

                             الدمية لحم ودم:

وكعاصفة مدوية من فوضى ودمار اجتاحت جيوش الغرباء أرجاء البلاد. وبعد مرور عامين على سقوط ذلك النظام الذي أذاقنا صنوف التعذيب، لم يخرج والدي من سجنه إلا بروح سحقها الخوف ويدين شبه عاطلتين. في الزمن الجديد تحول أبي من ملحن وموسيقي مشهور غنى له أشهر المطربين وذاع صيته عبر أربعين عام، أنجز فيها أجمل الألحان، إلى سائق تكسي بحثا عن لقمة العيش بعد إن تجاوز سنواته السبعين، كان يؤمن بالحرية والمساواة ويدافع عن الإنسان وحقوقه، وصار يخاف وينأى بنفسه عن أي حوار يتناول هذا الموضوع. و إذا ما اطمأن لزبون استأجره، لا تنم هيئته عن ألازلام الجدد، الذين يحرمون الغناء ويعتبرونه كفرا ومروقا، جعل من كاسيت عتيق فيه ألحانه ينزلق في جهاز التسجيل، ما أشبه الأمس باليوم، رغم ان في زمن الرعب الأول، كان هناك من يعتقد أن الغناء والموسيقى إصرارا على الحياة، ومقارعة للحزن والأسى والفجيعة. بعد سقوط النظام السابق بزغت بشائر صبح جديد، ظن إن عصر الفن الذهبي قد جاء مع رياح الحرية التي كثيرا ما انتظرها، كان يرتعد فرحا ويزمجر وهو ينفض الغبار عن عوده العتيق ويقول:   

                             الأب:

"مبتهجا ولكن صوته مرتجف" ستعود الحاني، وسيغرد من جديد عودي العتيق لحن الحرية، وستطير أغاني الحياة مجنحة فوق السهول والجبال والصحراء، لتعلن عن الفرح القادم.. والبهجة الموعودة.. والأحلام المؤجلة، يجب إن أبدل أوتار عودي، فأنها أوتار زمن ولى ومضى، ويجب إن أوزنها على مقامات الفرح والبهجة.

                             الأب:

"يمسك ريشته، ثم يبدأ العزف على العود مباشرة وكأنه على عجلة من أمره "

 سأغازل عودي وأعيد الشباب فيه كما انه سيجعل مني كهل متجدد وروح عاشقة، أحس أني شاب في عمر السبعين.

                             الابن:

" بخوف، أو ربما بحكمة الذي زار السجن وعرف التوقيف"

تريث قليلا يا أبي.. ألا ترى ما يحدث في الشوارع وتسمع كل هذا العويل والصراخ؟

                             الأب:

أحداث طفيفة عابرة وصراخ ما بعد الاختناق.

                             الابن:

رايات سوداء، ومواكب منذرة بفجائع، ومكبرات صوت تجوب الشوارع....

 

                             الأب:

ولم لا!! وما المانع في ذلك ؟ انه حق من يشاء يا ولدي.

 

                             الابن:

 رأيت جمع منهم يفرضون المساهمة بالقسر والتضليل على عامة الناس.

الأب:

أنها فورة وستنحسر، وستحل الأيام القادمة مواسم للفرح، وأعياد من البهجة، بعد انطفاء مشاهد الحزن المكبوت.. فلهذه المدينة عقد تأريخي بين الحرية والناس، عقد الأفراح والاحتفالات، فهي مدينتي التي لا أخطئها مثل ما لا تخطئني أمي، مدينتي رغم أحزانها لم يغادر حبها للحياة وولعها بالموسيقى والغناء، أنها منحتني انفتاحها وسحر جمالها، وألهمتني أروع ألحاني، أما ألان فقد جاء دوري لخدمتها.

                             الابن:

 أخشى أن تتحول بهجتك للحن جنائزي.

الأب:

لا تكن متشائما يا بني.

                             الدمية لحم ودم:

ثلاث سنوات مرت على فرق الإعدام التي تنتشر كالوباء في أرجاء البلاد، ولم تنحسر فورة الإحداث بل العكس، أخذت الفاجعة طريقها إلى عامة الناس، وصارت قائمة الضحايا طويلة وراح فيها جمع من الأطباء، والمفكرين والأساتذة وباعة المشروبات الكحولية والمرطبات والحلاقين والمسرحيين، وذات ليلة طرق بابنا، كاد قلب أبي يتوقف من شدة خوفه..

"يسمع طرق باب عنيف. يظهر رجل بملابس سوداء من قمة الرأس حتى أخمص القدمين "

                             الأب:

"يرتجف خوفا" لقد جاء دوري، فأني الرقم الجديد في قائمتهم..."تطرق الباب بإلحاح".من الطارق؟

الرجل بزي اسود:

أفتح الباب"يفتح الأب الباب"   لا نريد لك سوء، نعرف عنك الكثير، نريد أن تلحن لنا أهازيج شعائرية وسنحيطك برعايتنا ورعاية مكتبنا.

                             الأب:

" بتودد" لكني اعتزلت التلحين، ولم أعد صالحا لذلك، تأكدوا أني اعتذرت عن طلبات أخرى مماثلة ولم اعد ألبي دعوات للحن فرح أو حزين.

                             الرجل بزي اسود:

سنغفر لك خطيئتك، انه لحنا أخيرا.  "يخرج"

                             الأب:

من يخدعني مرة..فذلك عار عليه.. ولكن سوف لن يمكنه أن يخدعني مرة أخرى.

                             الدمية لحم ودم:

هكذا أقنع نفسه وأمتثل لأمرهم، وكان لحنه الأخير، لحن جنائزي كئيب، كان لابد من الامتثال لرغباتهم، فقد سمعت ورأيت مرات عديدة من موسيقيين شباب انساقوا وراء رغباتهم متحدين الجماعات، فما لآلاتهم الموسيقية إلا وتتكسر على رؤوسهم، وقضوا ليال تحت رحمة السياط والرعب والتهديد بالموت، وبعد إن كان حمل آلة الموسيقى مصدر اعتزاز وفخر واحترام عامة الناس، أصبح مجازفة تقود حاملها إلى الاختفاء أو الموت. صرت أخاف رؤيتهم، لذا قررت الابتعاد والسفر، فجئت إلى هذه المدينة، أما أبي فقد أقفل بعدها عوده وأودعه للغبار والنسيان. فما أعظم الشبه بين الأمس واليوم.          

                             الدمية القطنية:

"تتجه الدمية القطنية إلى الحبال المعلقة وتحاول ربط نفسها فيها، بعد عناء تأخذ الدمية القطنية موضعها الأول وتبدأ بالرقص على إيقاع الموسيقى، وبينما هي ترقص تلقي نظرة على الدمية لحم ودم الذي لم يلتحق بها لحد الآن."

  لم يبق على نهاية العرض ألا وقت قصير.

                             الدمية لحم ودم:

كم من الوقت سوف تستغرق نهاية العرض؟

                             الدمية القطنية:

" مستمرة بنشاطها مع الحبال"      لا أعلم.

                             الدمية لحم ودم.

أهي دقائق؟

                             الدمية القطنية:

 ربما أكثر؟

                             الدمية لحم ودم:

ربما ساعات أو أيام، أو ربما قد تطول أعوام. أوقد تكون نهاية حزينة.

الدمية القطنية:

أو سعيدة، على أي حال يجب أن نكملها.

الدمية لحم ودم:

سوف تكملها لوحدك .

الدمية القطنية:

بدأنا سوية ويجب أن ننهيها سوية.

                             الدمية لحم ودم:

لا طائل لي بذلك.

                             الدمية القطنية:

سوف لن تستوي اللعبة دونك، وستكون مملة.

                             الدمية لحم ودم:

أني ضجر، ولا أحب النهايات.

                             الدمية القطنية:

أنها ليست كباقي النهايات. وقد تكون بداية.

                             الدمية لحم ودم:

بداية................؟ أي بداية.........؟ بداية ماذا، بداية أي شئ ؟

                             الدمية القطنية:

بداية لحكاية جديدة، أو لعهد جديد؟

                             الدمية لحم ودم:

وما شأنك أنت والعهود الجديدة، كفاك فلسفة، أنسيت أنك دمية قطنية تتشابه عليها العهود وأن أختلفت.  "ينصرف حيث يدخل في شرنقة ألآمه" "حركة من أفعال جسدية"

  "تصعد الدمية القطنية من نشاطها، وبشكل مبالغ فيه حتى تبدو جليا صيغ المبالغة، كل ذلك لا يثير انتباه الدمية لحم ودم التي صار واضحا عليه، الشرود والانشغال البال، تحاول مرات الدمية القطنية إثارة انتباه الدمية الأخرى دون جدوى"

الدمية القطنية:

 ( دون انفعال) أراك تعود إلى طباعك الآدمية،  وصار الاضطراب يأخذ منك مأخذه.

الدمية لحم ودم:

 ( تفاجئ) لا..لا أني أفكر.

 

الدمية القطنية:

 ( دون أي انفعال) وهل لدمية أن تفكر ؟

الدمية لحم ودم:

 لكني دمية من لحم ودم. آدمية كما تقول.

الدمية القطنية:

 دمية من لحم ودم، عنوان جميل لعرض مسرحي، وفوق هذا وذاك أنها تفكر ؟

الدمية لحم ودم:

 نعم أفعل ذلك.

الدمية القطنية:

" بتعجب" ولك صوت يعلو ويهبط وقد يكون مسموعا أو ربما يكون لك رأي أو نصيحة؟

الدمية لحم ودم:

 الحجر الذي لا يعجبك قد يفقئ عينك.

                             الدمية القطنية:

ما قصدت سوءا، لكني أردت أن أقول إذا ما تغلبت العاطفة على العقل أختل المنطق وصار الخروج منه أصعب من الخروج من خرم الإبرة.

                             الدمية لحم ودم:

المثابرة والإصرار مفتاح كل الأزمات.

                             الدمية القطنية:

قد يتطلب الخروج من أزمة ما بعض التنازل وقد يكون التنازل مبدئيا ومن ضمنها التنازل عن بعض الحقوق. لو فعلت ذلك لوجدت نفسك مقبولا بل مفضلا من أولئك الذين يمسكون بالخيط.

                             الدمية لحم ودم:

ليالي الخيوط حالكة مهما طالت أو قصرت.

الدمية القطنية:

انك تثرثر، عد إلى رشدك، ولا تنسى بأنك دمية مثلي ويمسكون بخيوطك أيضا، دمية مع حفنة ذكريات. وأنك (كالعيس في البيداء يقتلها الضما             والماء فوق ظهرها محمول)

                             الدمية لحم ودم :  

ذكريات من مشاهد يومية في تفاصيلها، مشاهد أعيشها أنا، وتعيشها أنت وتمر في منعطف كل شارع وسوق شعبي أو ساحة عامة. أننا نعيش واقعا فيه جمع من الحالمين اليقظين الذين يملكون وسائل تحقيق أحلامهم. والعامة تعوم في بحر من ذكريات حزينة قاتمة.

" تعيد الدمية القطنية الحبال وتتهيأ للدخول معها إلى ألحقيبة الجلدية، ألا أن الدمية لحم ودم تستوقفها قائلة"

الدمية لحم ودم:

"بحيوية          " والآن أيها السيدات والسادة أعتذر.."تنتبه الدمية القطنية للتحول الذي طرأ على زميلها لكنه يتظاهر بعدم المبالاة، يتبادلان نظرة سريعة بينما يكمل الدمية لحم ودم كلامه" بل نعتذر أنا وزميلي الدمية القطنية عن الانقطاع المفاجئ الذي كان سببه عطب فني وأليكم ما تبقى من أحداث مشهدنا الأخير.  "يمسك الدمية لحم ودم الدمية الاخري ويقودها إلى موقع الحبال المعلقة وهما ينشدان"

                             الاثنان:

علمتنا الدمية الصغيرة،

خشية النهايات الخطيرة

و حذرتنا من حالم يقظ،

يملك وسائل تحقيق حلمه.

          ***

حبالنا طويلة

ونفسنا أطول

لنا تأريخ جميل،

نميز أمسه عن يومه.

          ***

فمشهدنا الأخير

للنور لا بد أن يسير.

منذ ألاف السنين الحضارة عرفناها

ولاف السنين الحرية سنبنيها

          ***

إننا لسنا عقولا جامدة

نتمسك بحكايات مأفونة راكدة

ونعيش يومنا غدا

وغدا نعيشه بعده

          ***

حبالنا طويلة

ونفسنا أطول

ولكن يجب أن نحذر

من حالم يقظ يملك وسائل تحقيق حلمه.

"بدون كلام يتصاعد لحن الأغنية"                                                                                                                 

                                                                             فرنسا 2005       

                             -انتهت-